٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
بيان قوله تعالى: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ ...)).
 |
يقول الطاهر ابن عاشور -رحمه الله: ابتناء مقاصد الشريعة على وصف الشريعة الإسلامية الأعظم، وهو الفطرة، قال الله تعالى: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)) [الروم: ٣٠] والمراد بالدين: دين الإسلام لا محالة؛ لأن الخطاب لسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو مأمور بإقامة وجهه للدين المرسل به، ومعنى إقامة الوجه للدين: القصد إليه والجد فيه، والمراد بوجهه: جميع ذاته، فخص الوجه بالذكر؛ لأنه جامع الحواس وآلات الإدراك، و((حَنِيفًا)): حال من ((وَجْهَكَ)) والحنيف: المائل، والمراد هنا الميل عن غير ذلك الدين من الشرك -والعياذ بالله- قال تعالى: ((حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)) [الحج: ٣١] ودخل في هذا الخطاب جميع المسلمين من أول بعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة وذلك باتفاق أهل التأويل، وقوله تعالى: ((فِطْرَةَ اللَّهِ)) منصوب على البدل من ((حَنِيفًا)) و((حَنِيفًا)) منصوب على الحال من قوله: ((لِلدِّينِ)). |
 |
فقوله: ((فِطْرَةَ اللَّهِ)) في معنى حال ثانية، فيكون المعنى: فأقم وجهك للدين الحنيف الفطرة، والمراد من الدين: مجموع ما يسمى بالدين من عقائد وأحكام. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
وليس تخصيص بالعقائد في كلام بعض المفسرين، مثل الإمام فخر الدين الرازي في كتاب (مفاتيح الغيب) والإمام البيضاوي في تفسيره، إلَّا انقيادًا لظاهر سياق الكلام السابق؛ لأن الآيات قبلها وردت في ذم الشرك وإبطال عقائد المشركين والدهريين ابتداءً من قوله تعالى: ((اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) [الروم: ١١] إلى أن قال: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)) وبظنهم أن الفاء هنا فاء التفريع، وكلا الأمرين غير ظاهر، فليس سياق الكلام بموجب تجزئة اسم الكل، فإن الدين اسم يشمل جميع ما يتدين به المرء، كما دل عليه حديث: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)). |
 |
وقد نبه أئمة أصول الفقه على أنه إذا ورد في القرآن كلام خاص ثم تلاه لفظ يشمل ذلك الخاص وغيره، لمناسبة أن ذلك اللفظ لا يختص ببعض مدلوله لأجل السياق. |
 |
وأما الفاء فالظاهر أنها فاء الفصيحة لا فاء التفريع، والفصيحة هي الفاء التي تؤذن بشرط مقدر إذا وقعت بعد كلام يقصد به إثبات أمر مطلوب للمتكلم بعد التمهيد له بذكر مقدماته ودلائله، فيقع ما بعد الفاء موقع نتيجة من القياس، والتقدير في الآية: إذا علمت ما بيناه للناس في دلائل الوحدانية وإبطال الشرك فأقم وجهك، أي توجه لدين الإسلام الذي هو الفطرة، فالتعريف في الدين أي "ال" التعريفية تعريف العهد، وهو ما عهده الرسول -صلى الله عليه وسلم- مما أنزل عليه من العقائد والشريعة كلها، كما قال تعالى: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) [الشورى: ١٣]. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
فالفطرة في هذه الآية مراد بها جملة الدين بعقائده وشرائعه، وبذلك فسر ابن عطية، والزمخشري، قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة -يقصد الفطرة- أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان، التي هي معدة ومهيئة لأن يميز بها اللهَ تعالى ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه. |
 |
وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة في كتاب (النجاة) فقال:
ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيًا ولم يعتقد مذهبًا ولم يعاشر أُمَّة ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يعرض على ذهنه شيئًا ويتشكك فيه، فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة، وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرة القوة التي تسمى عقلًا، وأما فطرة الذهن بالجملة فربما كانت كاذبة، وإنما يكون هذا الكذب في الأمور التي ليست محسوسة بالذات، بل هي مبادئ للمحسوسات، فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها، إما شهادة الكل مثل: أن العدل جميل، وإما شهادة الأكثر، وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم، وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديق بها في الفطرة، فما كان من الذائعات ليس بأولِي عقلي ولا وهمي، فإنها غير فطرية ولكنها متقررة عند الأنفس؛ لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا، وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية، مثل الحياء، والاستئناس، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول في نفسه ذا شرط دقيق، لأن يكون حقًّا صرفًا، فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق. انتهى كلام ابن سينا. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
وقد أبدع في الإفصاح عن معنى الفطرة، والتنبيه على وجوب الحذر من اختلاطها بالمدركات الباطلة المتأصلة في النفوس بسبب عوارض عرضت للبشر، مثل العوائد الفاسدة المألوفة، ومثل دعوة أهل الطلبات إليها، وفي كلامه ما ينبه على أن المخاطبين بتمييز الفطرة عن غيرها هم العلماء والحكماء أهل العقول الراجحة، فلا يعوذ هؤلاء تحقيق معنى الفطرة، وتمييزها عما يلتمس بها من المدركات والوجدانات، على أنه إن عسر على أحدهما تحقيق معنى فطري دقيق أو شديد التبس بغيره، وخاف هوى نفسه أن يخيل له الأمر غير الفطري فطريًّا، فعليه حينئذ أن يعمق النظر طويلًا، وأن يعتبر بشهادة العلماء الأفاضل المشهود لأفكارهم بكثرة العصمة عن الخطأ. |
 |
وقد استبان لك أن الفطرة النفسية للإنسان هي الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني، سالمًا من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة، فهي المراد من قوله تعالى: ((فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) وهي صالحة لصدور الفضائل عنها، كما شهد به قول الله تعالى: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) [التين: ٤ - ٦] فلا شك أن المراد بالتقويم في الآية: تقويم العقل، الذي هو مصدر العقائد الحقة والأعمال الصالحة، وأن المراد برده أسفل سافلين: انتقال الناس إلى اكتساب الرذائل بالعقائد الباطلة والأعمال الذميمة، وليس المراد تقويم الصورة؛ لأن صورة الناس لم تتغير إلى ما هو أسفل، ولأن الاستثناء بقوله: ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)) يمنع أن يكون المستثنى منه صورًا ظاهرة؛ إذ ليس من المؤمنين الصالحين اختصاص بصور جميلة، فالأصول الفطرية هي... |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
|
... التي خلق الله عليها الإنسان، المخلوق العمراني العالم، وهي إذن الصالحة لانتظام هذا العالم على أكمل وجه، وهي إذن ما يحتوي عليه الإسلام الذي أراده الله لإصلاح العالم بعد اختلاله. |
 |
ومعنى وصف الإسلام بأنه: "فطرة الله" أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تتبعها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلام وحرض عليها؛ إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة، وإن كانت لو تركت الفطرة وشأنها لما شهدت بها ولا بضدها، فلما حصلت اختارتها الفطرة، ولذلك استقرت عند الفطرة واستحسنتها.
مثال ذلك: الحياء، والوقاحة، فإنهما إذا لم يخرجا إلى حد الاستعمال في الإضرار كانا سواء في شهادة الفطرة، وقد كان بعض الحكماء معروفًا بالوقاحة والسلاطة، مثل الحكيم ديجنوس اليوناني، ولكننا نجد الحياء محبوبًا للناس، فصار من العادات الصالحة، وصلح لأن تنشأ عنه منافع جمة في صلاح الذات وإصلاح العموم، فلذلك كان شعار الإسلام الحياء، ففي الصحيح: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء -أي ينهاه عما تلبس به من الحياء- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان)) فلم تسلم حكمة أصحاب الشدة والغلظة من نفور الناس عنها وعنهم، وقد قال الله تعالى: ((وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)) [آل عمران: ١٥٩]. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
ويستبين لك من هذا أن الوجدان الإنساني العقلي لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائق والاعتباريات، ولا يدخل فيه الأوهام والتخيلات؛ لأنها ليست مما فطر عليها العقل، ولكنها مما عارض الفطرة عروضًا كثيرة، حتى لازمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال، فاشتبهت بالفطريات، وإنما كان عروضها للفطرة بسوء استعمال العقل، وسوء فهم الأسباب، ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتباريات، ولا تجدهم متفقين في الوهم والتخيلات، بل تجد سلطان هذين الأخيرين: الوهميات، والتخيلات، أشد بمقدار شدة ضعف العقول، وتجد أهل العقول الراجحة في سلامة منهما. |
 |
ويتفرع لنا من هذا أن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة، والحفاظ على أعمالها، وإحياء ما اندرس منها، أو اختلط بها، فالزواج والإرضاع من الفطرة، وشواهده ظاهرة في الخلقة، والتعاوض وآداب المعاشرة من الفطرة؛ لأنهما اقتضاهما التعاون على البقاء، وحفظ الأنفس والأنساب من الفطرة، والحضارة الحقة من الفطرة أيضًا؛ لأنها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة، وأنواع المعارف الصالحة من الفطرة؛ لأنها نشأت عن تلاقح العقول وتفاوضها، والمخترعات الحديثة أيضًا من الفطرة؛ لأنها متولدة عن التفكير، وفي الفطرة حب ظهور ما تولد عن الخلقة. |
 |
ونحن إذ أدرنا النظر في المقصد العام من التشريع الذي سيأتي بحثه، نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة، والحذر من خرقها واختلالها، ولعل ما أفضى إلى خرق عظيم فيها يعد في الشرع محظورًا وممنوعًا، وما أفضى إلى حفظ كيانها يعد واجبًا، وما كان دون ذلك في الأمرين، فهو منهي، أو مطلوب في الجملة، وما لا يمسها مباح، ثم إذا تعاوضت مقتضيات الفطرة ولم يمكن الجمع بينها في ... |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
|
...العمل، يصار إلى ترجيح أولاها وأبقاها على استقامة الفطرة؛ فلذلك كان قتل النفس أعظم الذنوب بعد الشرك، وكان الترهب منهيًّا عنه، وكان خصاء البشر من أعاظم الجنايات، ولم يجز الانتفاع بإنسان انتفاعًا يفيت عينه أو يعطلها، كالتمثيل بالعبد، بخلاف الانتفاع بالحيوان، وكان إتلاف الحيوان بغير أكله أيضًا ممنوعًا في الشرع، ومن هذا تعلم أن القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة؛ لأن شرط العادة التي يُقضى بها ألَّا تنافي الأحكام الشرعية، فهي تدخل تحت حكم الإباحة، وقد علمت أنها من الفطرة، إما لأنها لا تنافيها، وحينئذ فالحصول عليها مرغوب لفطرة الناس، وإما لأن الفطرة تناسبها، وهو ظاهر. |
 |
وعلى ذلك فهناك بعض المصطلحات مترادفة من السماحة، وانتفاء النكاية، والتقرير والتغيير التشريعيان، والمساواة، والحرية، ترتد كل هذه المقاصد إلى الفطرة، فالتشريع الإسلامي لما كان متصلًا، بها أصبح هو ذاته موازيًا للفطرة، يقتضي نظام الفطرة النفور من الشدة، وذلك هو السماحة الضامنة لوصف العموم والدوام، ومعناها سهولة المعاملة في اعتدال، أو السهولة المحمودة فيما اعتاد الناس التشديد فيه، يعتمد وصف السماحة كأصل في إجراء المصالح التكميلية، والتحسينية، مثل نشر العلم، وإيجاد الملاجئ، والمنتزهات، ومواضع الاستجمام، والإسعافات العدلية والصحية، ويتفرع عن هذا الوصف مقصد انتفاء النكاية عن الشريعة، ومعناه أن الشرع إذا رخص وسهل في الأحكام، فمراعاةً للمساحة المتمشية مع الفطرة، وإذا شدد فيها فتبصرًا بمقصد الصلاح، وتلك دلالة عن الخاصية العملية لهذه الشريعة؛ لأن الأساسي فيها هو تحصيل مقاصدها بانتهاج مسالك التيسير والرفق. |
وحاصل القول أن الفطرة باعتبارها نظامًا بقدر ما يحدد السماحة وانتفاء النكاية عن الشريعة، يؤصل لنظام الحقوق، سواء تلك التي يتساوى الخلق فيها؛ لكونهم أحرارًا في خلقتهم، أو تلك التي يتفاوتون فيها بحسب فطرتهم تشكل الفطرة بهذا التوجيه أحد المكونات الأساسية في نظرية المقاصد.
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
|
 |
والثاني: هو تمكن الشخص من التصرف في نفسه وشئونه دون معارضة، ويقابل هذا المعنى الضرب على اليد، أو اعتقال التصرف، يلزم كل من المعنى الأول والثاني على المساواة، التي تلزم هي الأخرى على الفطرة، فإذا كانت الأخيرة نظامًا يقرر تساوي الأفراد في الحقوق، فإن ذلك التساوي يتفرع عنه تساوي الأفراد في حقوق تصرفاتهم، وهذا هو معنى الحرية، إنها استواء أفراد الأمة في تصرفهم في أنفسهم، وإذا كان المعنى قد مكن له الشرع بإبطال أسباب الاسترقاق دون الرق، وبتكثير أسباب رفعه، وبتعديل تصرف المالكين في
عبيدهم، فإن جماع المعنى الثاني كون الداخلين تحت حكومة الإسلام متصرفين في أحوالهم، لا مُكنة لأحد
أن يحملهم على غيرها. |
 |
تنقسم الحرية بحسب المعنى الثاني إلى ثلاثة أنواع: حرية اعتقاد، وحرية أقوال، وحرية أعمال. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
وحاصل منشأ العموم فضلًا عن ورود النصوص بصيغة كلية، وتساوقه مع الفطرة، هو انبناء أحكام الشريعة على الحكم والعلل العقلية، التي لا تختلف باختلاف الأمم واختلاف العوائد، إن هذا العموم يجعل من الشريعة شريعة صالحة لكل زمان ومكان، وتتصور الصلاحية بكيفيتين متآيلتين يجمعهما قول الله تعالى: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) [الحج: ٧٨]. |
قابلية كليات الشرع للتنزيل على مختلف الأحوال، دون مشقة ولا عسر.
قابلية أحكام الشرع لإعادة تشكيل مختلف الأحوال والعصور والأمم، دون حرج ولا عسر.
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
ينبني إذن عموم الشريعة على اعتبارها كليات ومعاني معقولة، يمكن هذا المعنى للعموم من التمييز في أحكامها بين الجزئيات التي راعى الشارع فيها عوائد المجتمع العربي، المقارن لنزول التشريع الإسلامي، وبين الكليات الأولى غير العامة، والثانية صالحة للعموم، فيقاس عليها، جاءت الكليات منضبطة بوسائل أوصلها ابن عاشور -كما سبق- إلى ست وسائل. |
 |
إن هذا المعنى العام والكلي الذي صيغت به أحكام الشريعة جعلها قابلة للقياس باعتبارات ثلاث: اعتبار العلل إذا كانت أوصاف فرعية قريبة، مثل الإسكار في تحريم الخمر، فالإسكار في تحريم الخمر وصف فرعي، واعتبار الكليات إذا كانت أوصافها مقاصد قريبة، مثل مقصد حفظ العقل، فحفظ العقل مقصد، واعتبار الكليات العالية إذا كانت أوصافها مقاصد عالية، مثل المصلحة والمفسدة. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
تنفيذ التشريع واحترامه
إن وسائل الشريعة في تنفيذ هذا المقصد في تحصيله تنحصر في مسلكين:
يتمثل الأولى في الترهيب والموعظة، يتمثل الثاني في التيسير والرحمة.
وتتحدد أبرز مذاهب المسلك الأول في انتهاج الشريعة جملة من الوسائل، منها تحريم التحيل، سد ذرائع الفساد، فتح ذرائع الصلاح، والتمكين للوازع السلطاني.
أما أبرز مظاهر المسلك الثاني فتنحصر في تساوق أحكام الشريعة مع التيسير، ونقل الحكم من الصعوبة إلى السهولة، وعدم ترك الشرع عذرًا للمكلف في ترك العمل به، والظاهر مسالك الترهيب والموعظة.
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
التحيل، وسد الذرائع، والتمكين من الوازع السلطاني
التحيل
التحيل يعرف شرعًا بأنه ما كان فيه المنع شرعيًّا، والمانع الشارع، وهو باطل، فالتحيل باطل؛ لتفويته مقصد الشارع، ويقسم من جهة هذا التفويت أو عدمه إلى خمسة أنواع:
تحيل مفوت لكل المقصد الشرعي، ولا يعوضه بمقصد آخر، كأن يوجد المكلِّف مانعًا يمنع ترتب أمر شرعي، مثل: من وهب ماله قبل مضي الحول بيوم؛ لئلا يعطي زكاته، ثم استرجعه من الموهوب له من الغد.
تحيل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، مثل أن تعرض المرأة المبتوتة نفسها للخطبة في التزوج، مضمرة أنها بعد البناء تخالع الزوج، أو تغضبه، فيطلقها؛ لتحل للذي بتها، وهو تحيل جائز على الجملة؛ لأنه ما انتقل من حكم إلَّا إلى حكم، وما فوت مقصدًا إلّا وقد حصل مقصد آخر.
تحيل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمرًا آخر مشروعًا، هو أخف عليه من المنتقل منه، مثل: لبس الخف لإسقاط غسل الرجلين.
تحيل في أعمال لا تشتمل على معان المقصود شرعًا، وفي التحيل فيها تحقيق لمماثل مقصد الشرع من تلك الأعمال، مثل: التحيل في الأيمان التي لا يتعلق بها حق الغير، كمن حلف ألَّا يدخل الدار، فإن البر في يمينه هو الحكم، والمقصد لهذا البر هو تعظيم اسم الله تعالى، لكن إذا ثقل عليه البر، فيتحيل للخروج من عهدته، بوجه يشبه البر، فقد حصل مقصود الشارع من تهيب اسم الله تعالى.
تحيل لا ينافي مقصد الشرع إلا أن فيه إضاعة حق لآخر، أو يتضمن مفسدة ما، مثل: التحيل على تطويل عدة المطلقة، حين كان الطلاق لا نهاية له في صدر الإسلام.
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
سد الذرائع
يبين الشرع الإسلامي بهذا المظهر سائر الشرائع، ومعناه إبطال الأعمال التي تئول إلى فساد معتبر، وهي في ذاتها لا مفسدة فيها.
ويحصل اعتبار الشرع لسد الذرائع عند حصول غلبة مفسدة المآل على مصلحة الأصل، والعمدة عند النظر في هذا المظهر هو استيعاب موجب الاعتداد، الذي يتمثل في التوازن بين ما في الفعل الذي هو ذريعة من المصلحة، وما في مآله من المفسدة.
والذريعة تنقسم إلى قسمين:
قسم لا يفارق كونه ذريعة إلى فساد، وهذا من أصول التشريع، مثل تحريم الخمر.
كان بعضه سببًا لأحكام منصوصة، مثل منع بيع الطعام قبل قبضه، وأما البعض الآخر فلم يحدث موجبه في زمان الرسول -صلى الله عليه وسلم- فاختلفت أنظار الفقهاء فيه.
والشريعة كما سدت ذرائع الفساد فتحت ذرائع الصلاح، بأن جعلت لها حكم الوجوب، وإن اقتضت صورتها المنع أو الإباحة، يوكل النظر الذرائعي في حالتي السد والفتح إلى أنظار أهل الاجتهاد، فيراقب مدة اشتمال الفعل على عارض الفساد ليمنعوه، حتى إذا ارتفع أرجع الفعل إلى الحكم الذاتي له.
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
رد آراء العلماء في تحديدها
يمكن رد آراء العلماء في تحديدها إلى ما يأتي:
 |
يرى ابن خلدون أن الفطرة الإنسانية قابلة في أصل جبلتها إلى الخير والشر، لكنها إلى خلال الخير أقرب، قال: ولما كان الملك طبيعيًّا للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع، وكان الإنسان إلى خلال الخير أقرب من خلال الشر، بأصل خلقته وقوته الناطقة العاقلة؛ لأن الشر إنما جاء من قبل القوى الحيوانية فيه، وأما من حيث هو فهو إلى الخير وخلاله أقرب. |
 |
رأي أبي هريرة وابن شهاب وغيره: رأى هذا الفريق أن المقصود بالفطرة في القرآن الكريم، والسنة النبوية هو الإسلام؛ لقوله تعالى: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) [الروم:٣٠] فالفطرة: الخلقة، والمعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام، غير نائين عنه، ولا منكرين له؛ لكونه مجاوبًا للعقل مساوقًا للنظر الصحيح، حتى لو تُركوا لما اختاروا على دين الإسلام دينًا آخر. |
 |
يرى بعضهم أن الفطرة هي البداءة، ومعنى ذلك عند هذا الفريق أن الشارع ابتدأه من الحياة، والموت، والسعادة، والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه بعد البلوغ، واحتجوا بما رُوي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "لم أكن أدر ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها" أي: ابتدأتها. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
ينسجم هذا الموقف من الفطرة مع جملة من النصوص التي تقابلها بالدين، تقابلًا لا يمكن أن يفهم منه إلا خيريتها، أما الشر فقد يعرض لها بسبب الانحراف عن طريق ما غشاها من تلقين الضلال وترويج الباطل. |
 |
من هنا نفهم أن الشارع بعث الرسل، والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لإصلاح الفطرة إصلاحا جزئيًّا، إذا تأكدت خيرية الفطرة سهل على المكلف الركون إليها؛ من أجل استجابة إلى ما يطاردها من تكاليف الشريعة، ولعل ذلك التطابق هو منشأ التلازم بين سنة الفطرة، وسنة التكليف، الوارد في كثير من نصوص القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم)) [المائدة: ٤٨]. |
 |
وهذا يفيد أنه -سبحانه وتعالى- لو غير الفطرة فعلًا وواقعًا لما كان ثمة تكليف، ولا ابتلاء، ولا مسئولية، ولا جزاء، فكان ثمة تلازم بين سنة الفطرة الإنسانية، وبين سنة التكليف والابتلاء، وجودًا وعدمًا؛ إذًا بتغيير سنن الفطرة الإنسانية يتغير ما وضع لها من سنة التصرف في أحوالها؛ ابتلاء، وهذا يوضح ما أفاده صريح قوله تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم)) [المائدة: ٤٨] وقوله تعالى: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) [الروم: ٣٠] ففي الآية الأولى دلالة بينة على أن الذي أنزل الشريعة وموازينها هو الذي فطر الفطرة على سننها، بحيث تكفَّل لسنة التكليف تعقلًا وإنفاذًا، فالقول بتعطيل أي عنصر من عناصر الفطرة يستلزم الخلط والتنافي بين السنن الإلهية أو تبديلها، وهذا محال. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
تقتضي سنة التكليف انطلاقًا من هذا التلازم بين الفطرة، والشريعة استخدام إمكانات الإنسان المختلفة في تحقيق مقاصد الشرع؛ لأن النظام الفطري التكويني الذي خُلق عليه منسجم مع الشرع الإسلامي، وأساس الانسجام أن مقتضياته في التكليف تقوم على توجيه تلك الإمكانات توجيهًا بقدر ما يراعي الفطرة يدفعه إلى استثمارها، من أجل تحقيق مقصود الشارع في جلب الصلاح ودرء الفساد. |
 |
تعد الفطرة عند الإمام ابن عاشور من هذه الوجهة نظامًا من الإمكانات، أو الطاقات الجسدية والعقلية، يقتدر بها المكلف على أداء التكليف، ولهذا عرفها بقوله: إنها الخلقة أي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، ففطرة الإنسان هي ما فُطر أي: خلق عليه الإنسان ظاهرًا وباطنًا أي جسدًا وعقلًا. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
تحديد معنى الفطرة من المحدثين
هذا هو تحديد معنى الفطرة عند ابن عاشور لم يحد عنه الرجل، على عكس بعض من تناول تحديدها من المحدثين، فعلال الفاسي -رحمه الله- تراوح في ضبط معناها بين معنيين:
الأول: أن الفطرة في الاستعمال الإسلامي صفة روحانية، وإنسانية وممثلة في المروءة، وضعها الله تعالى في الإنسان؛ لتحمل المسئولية، وإدراك الحرية.
أن الفطرة مجموعة من الإمكانات المتمثلة فيما يأتي: جملة من العقل، قدرة على اكتساب المعرفة، استعداد للمدنية، مرونة على الطاعة، حواس من أجل إدراك المرئيات والمسموعات، حب في الاستطلاع من أجل المعرفة والسلوك.
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
وجه هذا المقصد: فهم علال -رحمه الله- بمعنى الفطرة عند ابن سينا، فإذا كان ابن عاشور قرر تسليمه بهذا المعنى؛ لكونه قد وُفق في نظره في بيان حقيقة الفطرة، بأن اعتبرها جملة من الإمكانات السليمة التي تمكن صاحبها من التمييز، فإن هذا المعنى كان محل نظر عند علال -رحمه الله؛ لأن الفطرة عنده هي تلك الصفة الإنسانية الروحانية، والمتمثلة في المروءة، والتي بمقتضاها يستجيب للعقل الأزلي المقصود في الآية السابقة. |
 |
لهذا فالفطرة بمعنى الإمكانات الذاتية للإنسان لا تقدر وحدها على التمييز بين الأمور، بل لا بد لها من الرسل. |
 |
هنا نلاحظ كيف وظف علال الفاسي مفهوم الفطرة في إطار نظرة تأويلية، من أجل الدفاع عن قراءة دينية لنظرية التطور، وهو ما لا نجد أثرًا له عند الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- الذي اعتبر الفطرة معنى شاملًا لكل من الإمكانات التي خلق عليها النوع الإنساني، بمنأى عن الرعونات والعادات السيئة. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
مجيء الشرع الإسلامي متوافقًا مع إمكانات الفطرة
 |
جاء الشرع الإسلامي موافقًا مع إمكانات الفطرة حتى عد مساويًا ومساوقًا لها، ومعنى ذلك أن أصل الاعتقاد فيه جار على مقتضى الفطرة العقلية، وأما تشريعاته وتفاريعه فهي إما أمور فطرية -أي: جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به- وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته، وقوانين المعاملات فيه هي راجعة إلى ما تشهد به الفطرة؛ لأن طلب المصالح من الفطرة، وتنسجم أحكام الشرع سواء كانت الاعتقادية أو العملية مع الفطرة الأولى؛ لأنها أمور عقلية، والثانية؛ لأنها تدرك بالعقل، فضلًا عن وحدة الغاية التي يشترك في تحقيقها كل من الفطرة والشرع، وهي المصلحة. |
 |
ويفسر التطابق بينهما تلازم أوصاف العموم والدوام والفطرة في الشرع، فلما أراد الشارع جعل الشريعة عامة خالدة مناسبة لجميع العصور وصالحة لجميع الأمم -جعل أحكامها متجاوبة تجاوبًا كاملًا مع النظام الجسدي والعقلي، المتقرر في نفوس الخلق، لا يستتب وصف الشرع بالعموم والدوام إلا إذا بنيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية، يعضد هذا التطابق النظر المنطقي الذي يؤكد أن الشرع لما كان عامًّا دائمًا استلزم منطقيًّا أن تكون أصوله وفروعه متطابقة مع مقومات الفطرة الجسدية والعقلية، كما أن الواقع التاريخي يدلل على مصداقية هذا النظر، ترى ذلك فيما آلت إليه الشرائع العملية المعاصرة لنزول القرآن الكريم؛ إذ تراها اليوم قد بادت جميعًا حتى في البيئات الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة فيها، بل قد طرحتها الأمم التي كانت تتشرع بشرعها، بخلاف الإسلام فقد بقي عبر القرون حيًّا في ... |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
|
...نفوس معتنقيه، في جميع بقاع الأرض من مشرقها إلى مغربها، حيًّا في عقائده، وعباداته، ومعاملاته بكافة فروعها، ومطبَّقًا في الأقطار الإسلامية، وإن تفاوتت النسب في هذا التطبيق. |
 |
يرتب الدكتور علال الفاسي على هذا التطابق، وجوب تعقل تكاليف الشريعة، حيث قال:
ويترتب على كون الإسلام دين فطرة أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يبيح للإنسان تعقلها؛ لإباحة الدخول تحت حكمها، فالشريعة الإسلامية لكونها فطرية تتساوق مع الإمكانات الذاتية التي يقتدر بها المكلف على أداء التكاليف، استلزم ذلك منها أن تكون أحكامها معقولة من لدن المكلفين، ويبدو أنه انطلاقًا من هذا التأسيس الفطري العقلي، رأى الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- أن من الواجب على علماء الشريعة التعرف على علل التشريع ومقاصده، ظاهرها وخفيها، فإن بعض الحكم قد يكون خفيًّا. |
 |
وعليه فإن علل التشريع ومقاصده باعتبارها شواهد الفطرة وشواهد التشريع قد تظهر وقد تخفى، وفي الحالة الثانية، وهي حالة الخفاء، يتفاوت العلماء بحسب ممارستهم لحقائق الأشياء، وخبرتهم بتصاريف الشريعة، واستحضارهم لمقاصدها، وعصمة أنفسهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء، إنه على قدر اجتهاد المجتهد في هذه الاعتبارات يحصل له التقويم الفطري المطابق للشرع، فهذا العمل الصالح من أحسن أنواع التقويم بعد تفهم الشريعة؛ لأنه يزيد الفطرة رسوخًا، ولا زال المجتهد على هذه الحالة حتى ينطبق عليه قول عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فيما نقله عنه الإمام الشاطبي: إن المجتهد الحق قد أُدرجت النبوة بين جنبيه وإن لم يكن نبيًّا. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
حاصل تحديد مفهوم الفطرة عند الطاهر ابن عاشور أنها جملة من الإمكانيات الذاتية العقلية والجسدية، والتي جاء الشرع في أصوله وفروعه متمشيًا معها، وهذا التساوق بين الفطرة والشرع هو مناط التكليف، الذي يُلزَم الفقيه بتعقل أحكام الشرع من خلال الوقوف على علله ومقاصده. |
 |
يستمد مفهوم الفطرة أهميته في فقه الشريعة من الدور الذي أداه في بناء النظرية، جسدت الفطرة أصلًا كليًّا كبيرًا انبنت عليه جملة من المقاصد الشرعية؛ لأنه على قدر تساوق هذا المقصد الشرعي أو ذاك مع الفطرة، تتغير قيمته المقاصدية التشريعية، وفي ضوء هذا التأصيل الفطري للمقاصد يتفقه المجتهد مناحي التشريع، تفهمًا واستنباطًا. |
التأصيل الفطري لمقاصد الشريعة
أعني بالتأصيل الفطري: كون الفطرة مثلت أساسًا متينًا تفرعت عنه مقاصد شرعية أخرى، سواء أكانت مقاصد عامة أو مقاصد خاصة:
المقاصد الخاصة
 |
ولعل أهم مقصد منها تأسس على الفطرة، هو مقصد تعيين الحقوق عن طريق التكوين، يعد هذا الطريق طريقًا فطريًّا، ومعناه أن يكون أصل الخلقة قد كون الحق مع تكوين صاحبه، وقُرن بينهما، وهو أعظم حق في العالم. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
أقسام الموانع التي تعوق إجراء المساواة
وتنقسم الموانع التي تعوق إجراء المساواة إلى أربعة أقسام:
الموانع الجبلية، وبعضها دائم، والآخر غير دائم، أما الأولى فمثل منع مساواة المرأة للرجل في ما تقصر عنه، بموجب أصل الخلقة، مثل إمارة الجيش، والخلافة عند جميع العلماء، والقضاء في قول الجمهور، وحق كفالة الأبناء الصغار.
وأما الثانية فتنقسم إلى صنفين: صنف هو من آثار الجبلة، مثل منع مساواة الرجل للمرأة، أي أن زوجه تنفق عليه. وصنف هو من قابلية اكتساب صفات بقدر ما يؤثر في الخلقة، تكامل الإحساس والتفكير، مثل تفاوت العقول في التفكر.
وهي التي عينها الشارع لحكم معتبرة، قد تكون جلية أو خفية، وتعرف أصولها التشريعية إما بالقواعد، مثل قاعدة حفظ الأنساب المانعة من إباحة تعدد الأزواج بين المرأة والرجل، أو بتتبع الجزئيات، مثل اعتبار شهادة المرأتين في خصوص الأحوال، أو باعتبار حقوق أصول الحضارة الإنسانية، مثل منع مساواة من لم يتقرر له ملك عقاري بالذي تقرر له سبب ملكه في انتفاعه به، ولو كان انتفاعًا لا يضر صاحب العقار؛ رعيًا لحق التملك المتقرر في أصول المدنية.
وتتبنى هذه الموانع على ما فيه صلاح المجتمع، بعضها يرجع إلى معان معقولة، مثل منع مساواة الجاهل للعالم في التصدي للنظر في مصالح الأمة، ويئول البعض الآخر إلى ما تواضع عليه الناس، مثل مساواة المرأة الشريفة لبقية النساء في وجوب إرضاع ولدها، ما دامت في العصمة، وذلك في قول الإمام مالك وجماعة من الفقهاء.
يلاحظ الناظر في هذه الأقسام الثلاثة السالفة -بحسب ابن عاشور- أنها تتعلق بالأخلاق، واحترام حق الغير، وبانتظام الجماعة الإسلامية.
وهي الأحوال التي تقتضي إبطال حكم المساواة بين أصناف وأشخاص، أو في أحوال خاصة بمصلحة من مصالح حكومة الأمة، ويكثر في هذا القسم من الموانع اعتبار ثلاثة أمور:
 |
الأمر الأول: اعتبار الترغيب في الفضائل. |
 |
الأمر الثاني: اعتبار التوقيت. |
 |
الأمر الثالث: اعتبار الجري على مقصد الدولة في تكثير شيء أو تقليله. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
|
...الدين، وطرف التخفيف -وعامة ما يكون في التوجيه والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإن لم يكن هذا ولا ذاك، رأيت التوسط لائحًا ومسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه. |
انتفاء النكاية
ثم تأتي بعد ذلك انتفاء النكاية:
 |
وجه ارتباط هذا المقصد بالفطرة وتفرعه عنها، أنه بسبب شدة اتصال الشريعة بالفطرة، جاءت بالتسهيل والترخيص، هذا في جانب إقامة الفطرة، أما في جانب حمايتها ورد الناس إليها، فقد جاءت بالتشديد؛ مراعاة لمقصد الصلاح المساير للفطرة، ولذلك لم يجز أن تكون الزواجر والعقوبات والحدود إلا إصلاحًا لحال الناس، لما هو اللازم في نفعهم دون ما دونه، ودون ما فوقه؛ لأنه لو أصلحه ما دونه لما تجاوزته الشريعة إلى ما فوقه، ولأنه لو كان العقاب فوق اللازم للنفع لكان قد خرج إلى النكاية، دون مجرد الإصلاح. |
 |
إن هذا الانبناء على الفطرة من شأنه تحقيق مقصد الشريعة المتمثل في نفوذها واحترام أحكامها؛ لأنها اعتمدت في نظر ابن عاشور عند توجيه خطابها على سهولة قبول أحكامها في النفوس؛ انسجامًا مع كونها شريعة فطرية سمحة، وليست نكاية ولا حرجًا. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
ويتمثل الوجه الثاني في نواهيها، التي ترد المكلف عن الارتماء في أحضان الرعونات الفاسدة؛ وعليه فلا يمكن فهم أصول هذه الشريعة إلا على أساس تام من التفقه العميق لطبيعة مقومات الفطرة الإنسانية، تعتبر الفطرة طريقًا في جلب الصلاح ودرء الفساد، وذلك سبب في ملاحظة محققي العلماء لها في تعرفهم للأحكام، أو في سياستهم للأمة. |
 |
يظهر التأصيل الفطري لمقاصد الشريعة صلاحية وصف الفطرة كأصل كلي جامع لكليات الشريعة، ويلاحظ الطاهر ابن عاشور بحق غياب التنظير لهذا الوصف الأصيل في مباحث علماء الأصول، وإذا تقررت أهميته تعين على الفقهاء العناية به وملاحظته في فقههم؛ لأن هذا الوصف معيار صالح لتقويم الأعمال التي يأتي بها المكلف، فما أدى إلى فرق عظيم بوصف الفطرة اعتبر محرمًا، أما ما أدى إلى حفظ كيانه فهو واجب، أما إذا كان دون ذلك في الأمرين فهو منهي، أو مطلوب في الجملة، وأما ما لا يمسه فهو مباح. |
 |
فقد تتعارض مقتضيات هذا الوصف في عمل من الأعمال فإن أمكن الجمع فيها جمع، وإلا يصار إلى ترجيح العمل المبقي على حفظ الفطرة، ويوضح الطاهر ابن عاشور هذا النظر بقوله: إن كل فعل يحب العقلاء أن يتلبس به الناس وأن يتعاملوا به فهو من الفطرة، وكل فعل يكرهون أن يقابلوا به ويشمئزون من مشاهدته وانتشاره فهو انحراف عن الفطرة، فإذا تعارض فعلان أو خاطران مما تقتضيه الفطرة وجب اختيار أعرقهما في المعنى الفطري، أو أدومهما، أو أشيعهما في الناس، أو أليقهما بالإشاعة في البشر، على أنه إذا أمكن رعي أحد الفعلين في بعض الأزمان، أو بعض الأمكنة، أو لبعض الأمم، ما دام لمقتضيه مساس بحاجات الناس ... |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
|
...الملحة، وجب رعيه ورعايته، فإذا ضعفت الحاجة إليه رُجع إلى غيره. |
 |
والناظر في الاستنباطات الفقهية التي تكثر في فقه ابن عاشور -رحمه الله- يلاحظ استناد بعضها على مراعاة مفهوم الفطرة، فعندما تناول ابن عاشور -على سبيل المثال- اختلاف العلماء في مدلول قوله تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الَْأَمْرِ)) هل يفيد وجوب المشاورة، أو يفيد أن المشاورة مندوبة، أم هي خاصة بالرسول -صلى الله عليه وسلم- أم هي عامة له ولولاة أمور الأمة كلهم؟ |
 |
رجح ابن عاشور -رحمه الله- في هذا الموضع القول بوجوبها؛ لأن في تركها تعريض مصالح المسلمين للخطر والفوات. |
 |
ومن بين مداركه في الترجيح مدرك الفطرة حيث قال: الشورى مما جبل الله عليه الإنسان في فطرته السليمة، أي فطره على محبة الصلاح، وتطلب النجاح في المساعي؛ ولذلك قرن الله -تعالى- خلق أثر البشر بالتشاور في شأنه إذ قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة؛ إذ قد غني الله عن إعانة المخلوقات في الرأي، ولكنه عرض على الملائكة مراده ليكون التشاور سنة في البشر، ضرورة أنه مقترن بتكوينه، فإن مقارنة الشيء بالشيء في أصل التكوين توجب إلفه وتعارفه. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
حاصل القول في شأن مفهوم الفطرة
أنه قام بدور تأسيسي في البناء النظري لنظرية المقاصد، فبعد إقامة ابن عاشور تطابقًا تامًّا بين الفطرة والشرع، أسس مقاصده كلها على الفطرة، ويكفي دلالة على ذلك المظاهر التسعة للفطرة في الشرع الإسلامي.
من مقاصد الشريعة: السماحة
 |
مقصد الشريعة السماحة، فالسماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها، والسماحة معناها: سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهي راجعة إلى معنى الاعتدال، والعدل، والتوسط، ذلك المعنى الذي نوه به أساطين حكمائنا الذين عنوا بتوصيف أحوال النفوس والعقول، فاضلها ودنيها، وانتساب بعضها من بعض، فقد اتفقوا على أن قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال، أي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط؛ لأن هذين الطرفين يدعو إليهما الهوى الذي حذرنا الله -تعالى- منه في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ((وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) [ص: ٢٦)] ومنها قوله تعالى: ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)) [النساء: ١٧١] وقوله تعالى: ((فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)) [الحديد: ٢٧] فإن ذلك متعلق بأهل الكتاب ابتداء، ومراد منه موعظة هذه الأمة؛ لتجتنب الأسباب التي ... |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
|
...أوجبت غضب الله على الأمم السابقة وسقوطها، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في اليهود: ((لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم)). |
 |
فالتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط هو منبع الكمالات، وقد قال الله تعالى في وصف هذه الأمة، أو وصف صدر هذه الأمة: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) [البقرة: ١٤٣] روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في معنى هذه الآية أن الوسط هو العدل، أي بين طرفي الإفراط والتفريط، وبذلك جزم المحققون في تفسير هذه الآية، وبه فُسر أيضًا قول الله تعالى: ((قَالَ أَوْسَطُهُمْ)) [القلم: ٢٨] أي أعلمهم وأعدلهم وقد شاع هذا المعنى في الوسط، وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعي: "خير الأمور أوساطها" وبعضهم يرويه حديثًا وهو مشهور على الألسنة، ولكنه ضعيف الإسناد. |
 |
فالسماحة السهولة المحمودة فيما يظنه الناس التشديد فيه، ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضي إلى ضر أو فساد، وفي الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع سمحًا إذا اشترى سمحًا إذا اشترى سمحًا إذا اقتضى)) وقريب منه في رواية أبي هريرة -رضي الله عنه. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
وإذا نحن استقرأنا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان من كلياتها، ومن كليات دلائلها، ومن جزئياتها المستقرأة، أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلح الميهمن عليه وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه، وصلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه، قال الله تعالى حكاية عن رسوله شعيب، وتنويهًا به: ((إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ)) [هود: ٨٨] فعلمنا أن الله تعالى أمر ذلك الرسول بإرادة الإصلاح بمنتهى الاستطاعة، وقال تعالى في كتابه الكريم: ((وَقَالَ مُوسَى لَأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)) [الأعراف: ١٤٢] وقال تعالى: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الَأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْييِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)) [القصص: ٤] فعلمنا أن الصفات التي أجريت على فرعون كلها من الفساد، وأن ذلك مذموم، وأن بعثة موسى كانت لإنقاذ بني إسرائيل من فساد فرعون، فعلمنا أن المراد من الفساد غير الكفر، وإنما هو فساد العمل في الأرض؛ لأن بني إسرائيل لم يتبعوا فرعون في كفره، وقال الله تعالى حكاية عن شريعة شعيب لأهل مدين: ((وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الَأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)) [الأعراف: ٨٥] وفي آية أخرى: ((وَلا تَعْثَوْا فِي الَأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) [البقرة: ٦٠] وقال حكاية عن رسول ثمود: ((وَلا تَعْثَوْا فِي الَأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) [الأعراف: ٧٤] وقال الله تعالى مخاطبًا هذه الأمة: ((وَلا تُفْسِدُوا فِي الَأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)) [الأعراف: ٨٥] وقال: ((وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الَأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ)) [البقرة: ٢٠٥] ... |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
|
...وقال تعالى: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الَأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فََأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)) [محمد: ٢٢، ٢٣]. |
 |
فهذه أدلة صريحة دلت على أن مقصد الشريعة الإصلاح وإزالة الفساد، وذلك في تصاريف أعمال الناس، وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم ذكر فيها الصلاح في معرض الحث والمدح، وذكر فيها أيضًا الفساد في معرض التحذير والذم، لم نذكرها هنا؛ لأنها لم تكن صريحة في أن المراد من الصلاح والفساد صلاح وفساد الأعمال، بل تحتمل أن يراد منها الإيمان والكفر. |
 |
وتتبعها أدلة من قبيل الإيماء جاءت دالة على أن صلاح الحال في هذا العالم منة كبرى يمن الله بها على الصالحين من عباده؛ جزاء لهم، قال تعالى: ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الَأَرْض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ)) [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦] وقال مخاطبًا المسلمين: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الَأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )) [النور: ٥٥] وقال في معرض الوعد: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)) [النحل: ٩٨] وامتن على بني إسرائيل بالإنقاذ من الأسر الدنيوي بقوله: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا)) [المائدة: ٢٠] فلولا أن صلاح هذا العالم مقصود للشارع ما امتن به على الصالحين من عباده. |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
 |
ولقد علمنا أن الشارع ما أراد من الإصلاح المنوه به مجرد صلاح العقيدة، وصلاح العمل، كما قد يتوهم، بل أراد منه صلاح أحوال الناس وشئونهم في الحياة الاجتماعية، فإن قول الله تعالى: ((وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الَأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ)) [البقرة: ٢٠٥] أنبأنا بأن الفساد المحذر منه هنالك هو إفساد موجودات هذا العالم، وأن الذي أوجد هذا العالم، وأوجد قانون بقائه لا يظن فعله ذلك عبثًا، وهو يقول: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)) [المؤمنون: ١١٥]. |
 |
ولولا إرادة انتظامه لما شرع الشرائع الجزئية الرادعة للناس عن الإفساد في الأرض، فقد شرع الله تعالى القصاص على إتلاف الأرواح، وعلى قطع الأطراف، وشرع غرم قيمة المتلفات، والعقوبة على الذين يحرقون القرى ويغرقون السلع، ولما أباح الطيبات والزينة، وأقامت الشريعة لإصلاح معاملة الناس بعضهم مع بعض نظام الحق، وهو لدفع الفساد قطعًا، كما صرح به قوله تعالى: ((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالَأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ)) [المؤمنون: ٧١] فجعل الحق ممانعًا للفساد. |
 |
ومن عموم هذه الأدلة ونحوها حصل لنا اليقين بأن الشريعة متطلبة لجلب المصالح ودرء المفاسد، واعتبرنا هذه قاعدة كلية في الشريعة، فقد انتظم لنا الآن أن المقصد الأعظم من الشريعة هو جلب الصلاح ودرء الفساد، وذلك يحصل بإصلاح حال الإنسان ودفع فساده، فإنه لما كان هو المهيمن على هذا العالم كان في صلاحه صلاح العالم وأحواله، ولذلك نرى الإسلام عالج صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه وهو النوع كله، فابتدأ الدعوة بإصلاح الاعتقاد الذي هو ... |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
|
...إصلاح مبدأ التفكير الإنساني، الذي يسوقه إلى التفكير الحق في أحوال هذا العالم، ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنه؛ لأن الباطن محرك الإنسان إلى الأعمال الصالحة، كما ورد في الحديث: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). وقد قال الحكماء: الإنسان عقل تخدمه الأعضاء. |
 |
ثم عالج بعد ذلك إصلاح العمل، وذلك بتفنن التشريعات كلها، فاستعداد الإنسان للكمال وسعيه إليه يحصل بالتدريج في مدارج تزكية النفس، ولنا من تطور التشريع من ابتداء البعثة إلى ما بعد الهجرة هاد يهدينا إلى مقصد الشريعة، من الوصول إلى الإصلاح المكتوب، وقد أشار إلى مجمل ما أطلناه ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم، عن أبي عمرة الثقفي أنه قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: ((قل آمنت بالله ثم استقم)). |
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية
٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية