٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


بيان قوله تعالى: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ ...)).
يقول الطاهر ابن عاشور -رحمه الله: ابتناء مقاصد الشريعة على وصف الشريعة الإسلامية الأعظم، وهو الفطرة، قال الله تعالى: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)) [الروم: ٣٠] والمراد بالدين: دين الإسلام لا محالة؛ لأن الخطاب لسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو مأمور بإقامة وجهه للدين المرسل به، ومعنى إقامة الوجه للدين: القصد إليه والجد فيه، والمراد بوجهه: جميع ذاته، فخص الوجه بالذكر؛ لأنه جامع الحواس وآلات الإدراك، و((حَنِيفًا)): حال من ((وَجْهَكَ)) والحنيف: المائل، والمراد هنا الميل عن غير ذلك الدين من الشرك -والعياذ بالله- قال تعالى: ((حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)) [الحج: ٣١] ودخل في هذا الخطاب جميع المسلمين من أول بعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة وذلك باتفاق أهل التأويل، وقوله تعالى: ((فِطْرَةَ اللَّهِ)) منصوب على البدل من ((حَنِيفًا)) و((حَنِيفًا)) منصوب على الحال من قوله: ((لِلدِّينِ)).
فقوله: ((فِطْرَةَ اللَّهِ)) في معنى حال ثانية، فيكون المعنى: فأقم وجهك للدين الحنيف الفطرة، والمراد من الدين: مجموع ما يسمى بالدين من عقائد وأحكام.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


وليس تخصيص بالعقائد في كلام بعض المفسرين، مثل الإمام فخر الدين الرازي في كتاب (مفاتيح الغيب) والإمام البيضاوي في تفسيره، إلَّا انقيادًا لظاهر سياق الكلام السابق؛ لأن الآيات قبلها وردت في ذم الشرك وإبطال عقائد المشركين والدهريين ابتداءً من قوله تعالى: ((اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) [الروم: ١١] إلى أن قال: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)) وبظنهم أن الفاء هنا فاء التفريع، وكلا الأمرين غير ظاهر، فليس سياق الكلام بموجب تجزئة اسم الكل، فإن الدين اسم يشمل جميع ما يتدين به المرء، كما دل عليه حديث: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)).
وقد نبه أئمة أصول الفقه على أنه إذا ورد في القرآن كلام خاص ثم تلاه لفظ يشمل ذلك الخاص وغيره، لمناسبة أن ذلك اللفظ لا يختص ببعض مدلوله لأجل السياق.
وأما الفاء فالظاهر أنها فاء الفصيحة لا فاء التفريع، والفصيحة هي الفاء التي تؤذن بشرط مقدر إذا وقعت بعد كلام يقصد به إثبات أمر مطلوب للمتكلم بعد التمهيد له بذكر مقدماته ودلائله، فيقع ما بعد الفاء موقع نتيجة من القياس، والتقدير في الآية: إذا علمت ما بيناه للناس في دلائل الوحدانية وإبطال الشرك فأقم وجهك، أي توجه لدين الإسلام الذي هو الفطرة، فالتعريف في الدين أي "ال" التعريفية تعريف العهد، وهو ما عهده الرسول -صلى الله عليه وسلم- مما أنزل عليه من العقائد والشريعة كلها، كما قال تعالى: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) [الشورى: ١٣].


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


فالفطرة في هذه الآية مراد بها جملة الدين بعقائده وشرائعه، وبذلك فسر ابن عطية، والزمخشري، قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة -يقصد الفطرة- أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان، التي هي معدة ومهيئة لأن يميز بها اللهَ تعالى ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه.
وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة في كتاب (النجاة) فقال: ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيًا ولم يعتقد مذهبًا ولم يعاشر أُمَّة ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يعرض على ذهنه شيئًا ويتشكك فيه، فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة، وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرة القوة التي تسمى عقلًا، وأما فطرة الذهن بالجملة فربما كانت كاذبة، وإنما يكون هذا الكذب في الأمور التي ليست محسوسة بالذات، بل هي مبادئ للمحسوسات، فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها، إما شهادة الكل مثل: أن العدل جميل، وإما شهادة الأكثر، وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم، وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديق بها في الفطرة، فما كان من الذائعات ليس بأولِي عقلي ولا وهمي، فإنها غير فطرية ولكنها متقررة عند الأنفس؛ لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا، وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية، مثل الحياء، والاستئناس، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول في نفسه ذا شرط دقيق، لأن يكون حقًّا صرفًا، فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق. انتهى كلام ابن سينا.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


وقد أبدع في الإفصاح عن معنى الفطرة، والتنبيه على وجوب الحذر من اختلاطها بالمدركات الباطلة المتأصلة في النفوس بسبب عوارض عرضت للبشر، مثل العوائد الفاسدة المألوفة، ومثل دعوة أهل الطلبات إليها، وفي كلامه ما ينبه على أن المخاطبين بتمييز الفطرة عن غيرها هم العلماء والحكماء أهل العقول الراجحة، فلا يعوذ هؤلاء تحقيق معنى الفطرة، وتمييزها عما يلتمس بها من المدركات والوجدانات، على أنه إن عسر على أحدهما تحقيق معنى فطري دقيق أو شديد التبس بغيره، وخاف هوى نفسه أن يخيل له الأمر غير الفطري فطريًّا، فعليه حينئذ أن يعمق النظر طويلًا، وأن يعتبر بشهادة العلماء الأفاضل المشهود لأفكارهم بكثرة العصمة عن الخطأ.
وقد استبان لك أن الفطرة النفسية للإنسان هي الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني، سالمًا من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة، فهي المراد من قوله تعالى: ((فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) وهي صالحة لصدور الفضائل عنها، كما شهد به قول الله تعالى: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) [التين: ٤ - ٦] فلا شك أن المراد بالتقويم في الآية: تقويم العقل، الذي هو مصدر العقائد الحقة والأعمال الصالحة، وأن المراد برده أسفل سافلين: انتقال الناس إلى اكتساب الرذائل بالعقائد الباطلة والأعمال الذميمة، وليس المراد تقويم الصورة؛ لأن صورة الناس لم تتغير إلى ما هو أسفل، ولأن الاستثناء بقوله: ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)) يمنع أن يكون المستثنى منه صورًا ظاهرة؛ إذ ليس من المؤمنين الصالحين اختصاص بصور جميلة، فالأصول الفطرية هي...


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


... التي خلق الله عليها الإنسان، المخلوق العمراني العالم، وهي إذن الصالحة لانتظام هذا العالم على أكمل وجه، وهي إذن ما يحتوي عليه الإسلام الذي أراده الله لإصلاح العالم بعد اختلاله.
ومعنى وصف الإسلام بأنه: "فطرة الله" أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تتبعها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلام وحرض عليها؛ إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة، وإن كانت لو تركت الفطرة وشأنها لما شهدت بها ولا بضدها، فلما حصلت اختارتها الفطرة، ولذلك استقرت عند الفطرة واستحسنتها. مثال ذلك: الحياء، والوقاحة، فإنهما إذا لم يخرجا إلى حد الاستعمال في الإضرار كانا سواء في شهادة الفطرة، وقد كان بعض الحكماء معروفًا بالوقاحة والسلاطة، مثل الحكيم ديجنوس اليوناني، ولكننا نجد الحياء محبوبًا للناس، فصار من العادات الصالحة، وصلح لأن تنشأ عنه منافع جمة في صلاح الذات وإصلاح العموم، فلذلك كان شعار الإسلام الحياء، ففي الصحيح: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء -أي ينهاه عما تلبس به من الحياء- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان)) فلم تسلم حكمة أصحاب الشدة والغلظة من نفور الناس عنها وعنهم، وقد قال الله تعالى: ((وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)) [آل عمران: ١٥٩].


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


ويستبين لك من هذا أن الوجدان الإنساني العقلي لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائق والاعتباريات، ولا يدخل فيه الأوهام والتخيلات؛ لأنها ليست مما فطر عليها العقل، ولكنها مما عارض الفطرة عروضًا كثيرة، حتى لازمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال، فاشتبهت بالفطريات، وإنما كان عروضها للفطرة بسوء استعمال العقل، وسوء فهم الأسباب، ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتباريات، ولا تجدهم متفقين في الوهم والتخيلات، بل تجد سلطان هذين الأخيرين: الوهميات، والتخيلات، أشد بمقدار شدة ضعف العقول، وتجد أهل العقول الراجحة في سلامة منهما.
ويتفرع لنا من هذا أن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة، والحفاظ على أعمالها، وإحياء ما اندرس منها، أو اختلط بها، فالزواج والإرضاع من الفطرة، وشواهده ظاهرة في الخلقة، والتعاوض وآداب المعاشرة من الفطرة؛ لأنهما اقتضاهما التعاون على البقاء، وحفظ الأنفس والأنساب من الفطرة، والحضارة الحقة من الفطرة أيضًا؛ لأنها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة، وأنواع المعارف الصالحة من الفطرة؛ لأنها نشأت عن تلاقح العقول وتفاوضها، والمخترعات الحديثة أيضًا من الفطرة؛ لأنها متولدة عن التفكير، وفي الفطرة حب ظهور ما تولد عن الخلقة.
ونحن إذ أدرنا النظر في المقصد العام من التشريع الذي سيأتي بحثه، نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة، والحذر من خرقها واختلالها، ولعل ما أفضى إلى خرق عظيم فيها يعد في الشرع محظورًا وممنوعًا، وما أفضى إلى حفظ كيانها يعد واجبًا، وما كان دون ذلك في الأمرين، فهو منهي، أو مطلوب في الجملة، وما لا يمسها مباح، ثم إذا تعاوضت مقتضيات الفطرة ولم يمكن الجمع بينها في ...


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


...العمل، يصار إلى ترجيح أولاها وأبقاها على استقامة الفطرة؛ فلذلك كان قتل النفس أعظم الذنوب بعد الشرك، وكان الترهب منهيًّا عنه، وكان خصاء البشر من أعاظم الجنايات، ولم يجز الانتفاع بإنسان انتفاعًا يفيت عينه أو يعطلها، كالتمثيل بالعبد، بخلاف الانتفاع بالحيوان، وكان إتلاف الحيوان بغير أكله أيضًا ممنوعًا في الشرع، ومن هذا تعلم أن القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة؛ لأن شرط العادة التي يُقضى بها ألَّا تنافي الأحكام الشرعية، فهي تدخل تحت حكم الإباحة، وقد علمت أنها من الفطرة، إما لأنها لا تنافيها، وحينئذ فالحصول عليها مرغوب لفطرة الناس، وإما لأن الفطرة تناسبها، وهو ظاهر.
وعلى ذلك فهناك بعض المصطلحات مترادفة من السماحة، وانتفاء النكاية، والتقرير والتغيير التشريعيان، والمساواة، والحرية، ترتد كل هذه المقاصد إلى الفطرة، فالتشريع الإسلامي لما كان متصلًا، بها أصبح هو ذاته موازيًا للفطرة، يقتضي نظام الفطرة النفور من الشدة، وذلك هو السماحة الضامنة لوصف العموم والدوام، ومعناها سهولة المعاملة في اعتدال، أو السهولة المحمودة فيما اعتاد الناس التشديد فيه، يعتمد وصف السماحة كأصل في إجراء المصالح التكميلية، والتحسينية، مثل نشر العلم، وإيجاد الملاجئ، والمنتزهات، ومواضع الاستجمام، والإسعافات العدلية والصحية، ويتفرع عن هذا الوصف مقصد انتفاء النكاية عن الشريعة، ومعناه أن الشرع إذا رخص وسهل في الأحكام، فمراعاةً للمساحة المتمشية مع الفطرة، وإذا شدد فيها فتبصرًا بمقصد الصلاح، وتلك دلالة عن الخاصية العملية لهذه الشريعة؛ لأن الأساسي فيها هو تحصيل مقاصدها بانتهاج مسالك التيسير والرفق.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


ويراعى في تحصيل هذه المقاصد مقامان:
مقام يغير فاسد الأحوال، إما بنقلها إلى شدة؛ مراعاة للصلاح، وإما بنقلها إلى تخفيف؛ إبطالًا للغلو.
ومقام آخر يقرر صالح الأحوال، يحتاج فيه إلى أمرين: دفع أوهام من يعتبر صدور الصالحات من أهل الفساد مفاسد، والأمر الثاني: يحتاج فيه إلى حكم الإباحة؛ إبطالًا لتشدد المتشددين.
ويستثنى من هذه الأحوال ما دل العقل على إلحاقها من أصول لها حكم غير الإباحة، وهي دلالة القياس، ويشكل كل أصل من أصل الخلقة الإنسانية وأصل تسوق الشريعة مع الفطرة أساسًا لوصف المساواة، فبالأصل الأول يتساوى الخلق في عموم الخطاب الشرعي، وفي الحقوق المتمثلة في الكليات الخمسة، وبالأصل الثاني يتغير التساوي والتفاوت بينهم، ويوكل تحقيق مناط الأصل الأخير إلى النظم المدنية التي تتعلق بها سياسة الإسلام، لا تشريعه.
ويلزم عن الأساس الفطري للمساواة مقصد الحرية، وبيان ذلك أن للحرية معنيين.
أحدهما: تصرف الشخص العاقل في شئونه بالأصالة، تصرفًا غير متوقف على رضا الغير، وضد هذا المعنى يتمثل في العبودية.

وحاصل القول أن الفطرة باعتبارها نظامًا بقدر ما يحدد السماحة وانتفاء النكاية عن الشريعة، يؤصل لنظام الحقوق، سواء تلك التي يتساوى الخلق فيها؛ لكونهم أحرارًا في خلقتهم، أو تلك التي يتفاوتون فيها بحسب فطرتهم تشكل الفطرة بهذا التوجيه أحد المكونات الأساسية في نظرية المقاصد.

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


والثاني: هو تمكن الشخص من التصرف في نفسه وشئونه دون معارضة، ويقابل هذا المعنى الضرب على اليد، أو اعتقال التصرف، يلزم كل من المعنى الأول والثاني على المساواة، التي تلزم هي الأخرى على الفطرة، فإذا كانت الأخيرة نظامًا يقرر تساوي الأفراد في الحقوق، فإن ذلك التساوي يتفرع عنه تساوي الأفراد في حقوق تصرفاتهم، وهذا هو معنى الحرية، إنها استواء أفراد الأمة في تصرفهم في أنفسهم، وإذا كان المعنى قد مكن له الشرع بإبطال أسباب الاسترقاق دون الرق، وبتكثير أسباب رفعه، وبتعديل تصرف المالكين في
عبيدهم، فإن جماع المعنى الثاني كون الداخلين تحت حكومة الإسلام متصرفين في أحوالهم، لا مُكنة لأحد
أن يحملهم على غيرها.
تنقسم الحرية بحسب المعنى الثاني إلى ثلاثة أنواع: حرية اعتقاد، وحرية أقوال، وحرية أعمال.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


أولية المعاني على الألفاظ عند النظر في الأحكام
إن معظم معاني أحكام الشريعة، وخاصة أحكام المعاملات معان مضبوطة، تجنب الشرع فيها التفريع، فجاءت بصيغة عامة، ولهذا كان من اللازم على الفقيه أن ينتبه إلى أن أحكام الشريعة أناطها المُشرع بالمعاني المحددة، حتى يقيم القياس عليها.
ينظر الفقيه في ضوء هذا الوصف الجوهري في كل من الأسماء الموضوعة أصالة أيام التشريع، والأشكال المنظورة إليها عنده؛ لأن من شأن هذا النظر أن يوصله إلى معرفة الحالة التي لاحظها الشارع في تشريعه، ومن ثم يضبط المعنى الذي راعاه.
وإذا نظرنا إلى أحكام الشريعة من خلال هذه الجهة تبين أنها تتجنب التفريع وقت التشريع، وصاغ الشارع معظمها على شكل عمومات وكليات، فجاءت أوصافها أو معانيها مضبوطة مُعينة للفقيه على القياس.
أما كونها تجنبت التفريع، وخاصة في المعاملات، فظاهر من الاستقراء، وإذا جاء من تفريع فإنما يتعلق بالعبادات؛ لانبنائها على مقاصد قارة، في حين صاغ الشارع أحكام المعاملات، اعتمادًا على مسلك كلي يراعي التيسير ورفع الحرج، أو قل: يراعي مقتضيات الفطرة؛ لأن استواء البشر في أصلها يلزم عنه استواؤهم في الدعوة والتشريع الفطري.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


وحاصل منشأ العموم فضلًا عن ورود النصوص بصيغة كلية، وتساوقه مع الفطرة، هو انبناء أحكام الشريعة على الحكم والعلل العقلية، التي لا تختلف باختلاف الأمم واختلاف العوائد، إن هذا العموم يجعل من الشريعة شريعة صالحة لكل زمان ومكان، وتتصور الصلاحية بكيفيتين متآيلتين يجمعهما قول الله تعالى: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) [الحج: ٧٨].
قابلية كليات الشرع للتنزيل على مختلف الأحوال، دون مشقة ولا عسر.

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


ينبني إذن عموم الشريعة على اعتبارها كليات ومعاني معقولة، يمكن هذا المعنى للعموم من التمييز في أحكامها بين الجزئيات التي راعى الشارع فيها عوائد المجتمع العربي، المقارن لنزول التشريع الإسلامي، وبين الكليات الأولى غير العامة، والثانية صالحة للعموم، فيقاس عليها، جاءت الكليات منضبطة بوسائل أوصلها ابن عاشور -كما سبق- إلى ست وسائل.
إن هذا المعنى العام والكلي الذي صيغت به أحكام الشريعة جعلها قابلة للقياس باعتبارات ثلاث: اعتبار العلل إذا كانت أوصاف فرعية قريبة، مثل الإسكار في تحريم الخمر، فالإسكار في تحريم الخمر وصف فرعي، واعتبار الكليات إذا كانت أوصافها مقاصد قريبة، مثل مقصد حفظ العقل، فحفظ العقل مقصد، واعتبار الكليات العالية إذا كانت أوصافها مقاصد عالية، مثل المصلحة والمفسدة.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


تنفيذ التشريع واحترامه

إن وسائل الشريعة في تنفيذ هذا المقصد في تحصيله تنحصر في مسلكين: يتمثل الأولى في الترهيب والموعظة، يتمثل الثاني في التيسير والرحمة.
وتتحدد أبرز مذاهب المسلك الأول في انتهاج الشريعة جملة من الوسائل، منها تحريم التحيل، سد ذرائع الفساد، فتح ذرائع الصلاح، والتمكين للوازع السلطاني.

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


التحيل، وسد الذرائع، والتمكين من الوازع السلطاني
التحيل

التحيل يعرف شرعًا بأنه ما كان فيه المنع شرعيًّا، والمانع الشارع، وهو باطل، فالتحيل باطل؛ لتفويته مقصد الشارع، ويقسم من جهة هذا التفويت أو عدمه إلى خمسة أنواع:
تحيل مفوت لكل المقصد الشرعي، ولا يعوضه بمقصد آخر، كأن يوجد المكلِّف مانعًا يمنع ترتب أمر شرعي، مثل: من وهب ماله قبل مضي الحول بيوم؛ لئلا يعطي زكاته، ثم استرجعه من الموهوب له من الغد.

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


سد الذرائع

يبين الشرع الإسلامي بهذا المظهر سائر الشرائع، ومعناه إبطال الأعمال التي تئول إلى فساد معتبر، وهي في ذاتها لا مفسدة فيها. ويحصل اعتبار الشرع لسد الذرائع عند حصول غلبة مفسدة المآل على مصلحة الأصل، والعمدة عند النظر في هذا المظهر هو استيعاب موجب الاعتداد، الذي يتمثل في التوازن بين ما في الفعل الذي هو ذريعة من المصلحة، وما في مآله من المفسدة. والذريعة تنقسم إلى قسمين:
قسم لا يفارق كونه ذريعة إلى فساد، وهذا من أصول التشريع، مثل تحريم الخمر.

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


التمكين من الوازع السلطاني
قد اعتمدت الشريعة في تنفيذ مقاصدها أنواعًا من الوازع: الوازع الجبلي، الوازع الديني، الوازع السلطاني.
مظاهر مسلك التيسير والرحمة، وتتمثل هذه المظاهر في ثلاث: انبناء أحكام الشريعة على التيسير اعتبارًا لغالب الأحوال الإنسانية، نقل الشريعة الحكم من الصعوبة إلى السهولة فيما يعرض للأمة من أحوال، عدم تركها للمخاطبين عذرًا في التقصير في العمل بها؛ لانبناء أحكامها على أصول الحكمة، والتعليل، والضبط، والتحديد، يأتي بعد ذلك قوة النظام واطمئنان البال وما المقصد الشرعي من نظام الأمة.
ويتوقف تحقيق هذا الوسط الجوهري الذي ظهر به التشريع الإسلامي بعد الفتح على وسيلتين: الأولى ممثلة في الاجتهاد، والثانية ممثلة في الرخصة، والاجتهاد ليس الاجتهاد إلا الاعتبار في أدلة الشريعة، وبذل الجهد في استجلاء مراد الشارع منها، ولا يقتحمه ولا يخوض فيه إلا أهل النظر السديد في فقه الشريعة، المتمكنين في معرفة مقاصدها المخبرين مواضع الحاجة في الأمة، والقادرين على الاستدلال والاستنباط من أدلتهم.
إن المقصد الأساسي للاجتهاد هو الإبقاء على عظمة الأمة في قوتها ورهبة جانبها، ولهذا كانت فرضيته على الكافية، وتأثم الأمة بإضاعته مع توفر الاستطاعة ومكنة الأسباب.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


الرخصة كما تعتني الأفراد في خصوص أحوالهم مشقات تقضي بتغير الحكم من العزيمة إلى الرخصة، فإن مجموع الأمة قد تعتريه أيضًا مشقة اجتماعية، تجعله بحاجة إلى الرخصة، ينتهي المتأمل فيها إلى أنها راجعة إلى عروض المشقة والضرورة، وهذه خاصة وعامة:
أما العامة: فقد تكون مطردة، وقد تكون مؤكدة، والخاصة تكون مؤقتة فقط، أما الضرورة العامة المطردة فهي التي كانت سبب تشريع عام في أنواع من التشريعات المستثناة، من أصول كان شأنها المنع، مثل السلم، والمغراسة، والمسقاة.
وأما الضرورة العامة المؤقتة: فكأن يعرض الاضطرار للأمة، أو طائفة عظيمة منها، تستدعي الإقدام على الفعل الممنوع؛ لتحقيق مقصد شرعي من سلامة الأمة، وإبقاء قوتها، أو نحو ذلك، وليست أمثلة هذا النوع من الرخصة بكثيرة، كما هي الكراء المؤبد الذي أجازته فتوى علماء الأندلس مثلًا في أرض الوقف، حين زهد الناس في كراءها للزرع؛ لما تحتاجه الأرض من قوة الخدمة، ووفرة المصاريف، بطول تبويرها، وقد يطرأ من الضرورات ما هو أشد من ذلك. فالواجب رعيه وإعطاؤه ما يناسبه من الأحكام.
أما الضرورة الخاصة المؤقتة، فهي التي جاءت بها نصوص القرآن والسنة مثل قوله تعالى: ((فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)) [البقرة: ١٧٣].


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


تحديد مفهوم الفطرة
الفطرة مثلت موقفا نظريًّا، أسس الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- في ضوئه نظريته في المقاصد، ومن هنا أصل هذا المفهوم لكلية الكليات التشريعية، وهي جلب مصلحة ودرء مفسدة، تتطابق مفهوم الفطرة مع الشرع الإسلامي أصولًا وفروعًا -كما رأينا- ومثل الطريق الأول من طرق تعقل الأحكام من خلال علل الشرع ومقاصده.
يرى ابن عاشور اعتبارًا لأهمية هذا المفهوم صلاحية استحضاره وتحكيمه في فقه المجتهدين، وحتى يتسنى بيان كل من الدور التأصيلي للفطرة في مقاصد الشريعة، وفاعليته التطبيقية في فقه الشريعة، لا بد أن نحدد مفهوم الفطرة، ثم بعد ذلك نأتي على دور الفطرة.
فتدل الفطرة في أصل الاستعمال اللغوي على الهيئة الخلقية الأولى، التي خلق الله عليها النوع الإنساني، ففطر الله الخلق بفطرهم، أي بخلقهم، وفاطرُ السماوات والأرض الخالق الأول الذي خلقهم، لكن العلماء اختلفوا في تحديد طبيعة الفطرة الإنسانية الأولى الواردة في لسان الشرع، لذلك تعين بيان هذا التحديد؛ لما له من علاقة وثيقة في توضيح انبناء المقاصد على الفكر.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


رد آراء العلماء في تحديدها

يمكن رد آراء العلماء في تحديدها إلى ما يأتي:
يرى ابن خلدون أن الفطرة الإنسانية قابلة في أصل جبلتها إلى الخير والشر، لكنها إلى خلال الخير أقرب، قال: ولما كان الملك طبيعيًّا للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع، وكان الإنسان إلى خلال الخير أقرب من خلال الشر، بأصل خلقته وقوته الناطقة العاقلة؛ لأن الشر إنما جاء من قبل القوى الحيوانية فيه، وأما من حيث هو فهو إلى الخير وخلاله أقرب.
رأي أبي هريرة وابن شهاب وغيره: رأى هذا الفريق أن المقصود بالفطرة في القرآن الكريم، والسنة النبوية هو الإسلام؛ لقوله تعالى: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) [الروم:٣٠] فالفطرة: الخلقة، والمعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام، غير نائين عنه، ولا منكرين له؛ لكونه مجاوبًا للعقل مساوقًا للنظر الصحيح، حتى لو تُركوا لما اختاروا على دين الإسلام دينًا آخر.
يرى بعضهم أن الفطرة هي البداءة، ومعنى ذلك عند هذا الفريق أن الشارع ابتدأه من الحياة، والموت، والسعادة، والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه بعد البلوغ، واحتجوا بما رُوي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "لم أكن أدر ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها" أي: ابتدأتها.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


رأي آخر يرى: أن الفطرة هي فطرة المؤمنين، وترى هذه الطائفة من العلماء أن المقصود بالفطرة الواردة في لسان الشرع، هي الناس المؤمنون؛ إذا لو فُطر الكل على الإسلام لما كفر أحد، وقد ثبت أن الشارع خلق أقوامًا للنار، قال تعالى: ((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا)) [الأعراف: ١٧٩].
رأي أبي إسحاق بن راهويه: قال: المراد بالفطرة أن الشارع خلق الخلق إما للجنة وإما للنار، ويعني ذلك أن الفطرة عنده هي سابقة للسعادة والشقاوة؛ لقوله تعالى: ((لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه)) [الروم: ٣٠].
ويرى ابن عطية وغيره: أن المراد بالفطرة هي قابلية الخلقة الإنسانية للشر والخير، للإيمان والكفر، فالمولود لا يُخلق في الغالب على إيمان، ولا على كفر، لا على إنكار، ولا على معرفة، ولكن إذا حصل لهم التمييز بعد البلوغ يعتقدون الكفر كما يعتقدون الإيمان؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: ((كما تنتج البهيمة بهيمة عجماء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)) قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة، التي هي في نفس الطفل، التي هي معدة ومهيئة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه ويؤمن به.
ويبدو أن الإمام ابن عاشور في تناوله هذا المفهوم كان أقرب إلى الرأي الأخير، فالحالة الأولى التي كانت عليها الإنسانية ممثلة في آدم -عليه السلام- هي حالة قابلية الصلاح والاستقامة، وهي المقصودة من قوله تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة)) [البقرة: ٢١٢] لأن التوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


ينسجم هذا الموقف من الفطرة مع جملة من النصوص التي تقابلها بالدين، تقابلًا لا يمكن أن يفهم منه إلا خيريتها، أما الشر فقد يعرض لها بسبب الانحراف عن طريق ما غشاها من تلقين الضلال وترويج الباطل.
من هنا نفهم أن الشارع بعث الرسل، والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لإصلاح الفطرة إصلاحا جزئيًّا، إذا تأكدت خيرية الفطرة سهل على المكلف الركون إليها؛ من أجل استجابة إلى ما يطاردها من تكاليف الشريعة، ولعل ذلك التطابق هو منشأ التلازم بين سنة الفطرة، وسنة التكليف، الوارد في كثير من نصوص القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم)) [المائدة: ٤٨].
وهذا يفيد أنه -سبحانه وتعالى- لو غير الفطرة فعلًا وواقعًا لما كان ثمة تكليف، ولا ابتلاء، ولا مسئولية، ولا جزاء، فكان ثمة تلازم بين سنة الفطرة الإنسانية، وبين سنة التكليف والابتلاء، وجودًا وعدمًا؛ إذًا بتغيير سنن الفطرة الإنسانية يتغير ما وضع لها من سنة التصرف في أحوالها؛ ابتلاء، وهذا يوضح ما أفاده صريح قوله تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم)) [المائدة: ٤٨] وقوله تعالى: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) [الروم: ٣٠] ففي الآية الأولى دلالة بينة على أن الذي أنزل الشريعة وموازينها هو الذي فطر الفطرة على سننها، بحيث تكفَّل لسنة التكليف تعقلًا وإنفاذًا، فالقول بتعطيل أي عنصر من عناصر الفطرة يستلزم الخلط والتنافي بين السنن الإلهية أو تبديلها، وهذا محال.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


تقتضي سنة التكليف انطلاقًا من هذا التلازم بين الفطرة، والشريعة استخدام إمكانات الإنسان المختلفة في تحقيق مقاصد الشرع؛ لأن النظام الفطري التكويني الذي خُلق عليه منسجم مع الشرع الإسلامي، وأساس الانسجام أن مقتضياته في التكليف تقوم على توجيه تلك الإمكانات توجيهًا بقدر ما يراعي الفطرة يدفعه إلى استثمارها، من أجل تحقيق مقصود الشارع في جلب الصلاح ودرء الفساد.
تعد الفطرة عند الإمام ابن عاشور من هذه الوجهة نظامًا من الإمكانات، أو الطاقات الجسدية والعقلية، يقتدر بها المكلف على أداء التكليف، ولهذا عرفها بقوله: إنها الخلقة أي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، ففطرة الإنسان هي ما فُطر أي: خلق عليه الإنسان ظاهرًا وباطنًا أي جسدًا وعقلًا.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


تحديد معنى الفطرة من المحدثين

هذا هو تحديد معنى الفطرة عند ابن عاشور لم يحد عنه الرجل، على عكس بعض من تناول تحديدها من المحدثين، فعلال الفاسي -رحمه الله- تراوح في ضبط معناها بين معنيين:
الأول: أن الفطرة في الاستعمال الإسلامي صفة روحانية، وإنسانية وممثلة في المروءة، وضعها الله تعالى في الإنسان؛ لتحمل المسئولية، وإدراك الحرية.

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


الملاحظة
يلاحظ المرء أن التحديد الأول للفطرة عند الشيخ علال الفاسي تقتصر دلالته على فطرة التكوين الروحاني الإنساني، الذي يمكِّن الإنسان من تحمل المسئولية، وإدراك الحرية، وتلك دلالة تمثل من جهتيه: الجانب الأول: من تكوين الإنسان، ولا تمثل كل الفطرة الإنسانية، وشفيعي في ذلك أن الإنسان مركب من جانب حيواني تمثله مطالب الجسد المختلفة، وآخر روحاني تمثله مطالب العقل والوجدان، ويتعضد هذا بأن الجانب الأخير في المعنى الروحاني للفطرة يدرج ضمن التحديد الثاني للفطرة عند علال الفاسي، فالإمكانات العقلية، والقدرة على اكتساب المعرفة، والمرونة على الطاعة، وحب الاستطلاع، ليس إلا صورًا مختلفة في تجلية الجانب الروحاني للفطرة.
حاصل هذه الملاحظة: هو التأكيد على دقة تحديد مفهوم الفطرة عند ابن عاشور، في مقابل تأرجح الفاسي بين معنيين، ويظهر أن منشأ التأرجح راجع إلى التأثير الكبير الذي خلفته نظرية التطور في فكر المسلمين والعرب في العصر الحديث.
ويلتمس ذلك في المعنى الأول للفطرة عند علال الفاسي فضمنه أدمج صاحبنا هذه النظرية في نظرة تأويلية لقوله تعالى: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)) [الأعراف: ١٧٢].


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


وجه هذا المقصد: فهم علال -رحمه الله- بمعنى الفطرة عند ابن سينا، فإذا كان ابن عاشور قرر تسليمه بهذا المعنى؛ لكونه قد وُفق في نظره في بيان حقيقة الفطرة، بأن اعتبرها جملة من الإمكانات السليمة التي تمكن صاحبها من التمييز، فإن هذا المعنى كان محل نظر عند علال -رحمه الله؛ لأن الفطرة عنده هي تلك الصفة الإنسانية الروحانية، والمتمثلة في المروءة، والتي بمقتضاها يستجيب للعقل الأزلي المقصود في الآية السابقة.
لهذا فالفطرة بمعنى الإمكانات الذاتية للإنسان لا تقدر وحدها على التمييز بين الأمور، بل لا بد لها من الرسل.
هنا نلاحظ كيف وظف علال الفاسي مفهوم الفطرة في إطار نظرة تأويلية، من أجل الدفاع عن قراءة دينية لنظرية التطور، وهو ما لا نجد أثرًا له عند الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- الذي اعتبر الفطرة معنى شاملًا لكل من الإمكانات التي خلق عليها النوع الإنساني، بمنأى عن الرعونات والعادات السيئة.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


مجيء الشرع الإسلامي متوافقًا مع إمكانات الفطرة
جاء الشرع الإسلامي موافقًا مع إمكانات الفطرة حتى عد مساويًا ومساوقًا لها، ومعنى ذلك أن أصل الاعتقاد فيه جار على مقتضى الفطرة العقلية، وأما تشريعاته وتفاريعه فهي إما أمور فطرية -أي: جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به- وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته، وقوانين المعاملات فيه هي راجعة إلى ما تشهد به الفطرة؛ لأن طلب المصالح من الفطرة، وتنسجم أحكام الشرع سواء كانت الاعتقادية أو العملية مع الفطرة الأولى؛ لأنها أمور عقلية، والثانية؛ لأنها تدرك بالعقل، فضلًا عن وحدة الغاية التي يشترك في تحقيقها كل من الفطرة والشرع، وهي المصلحة.
ويفسر التطابق بينهما تلازم أوصاف العموم والدوام والفطرة في الشرع، فلما أراد الشارع جعل الشريعة عامة خالدة مناسبة لجميع العصور وصالحة لجميع الأمم -جعل أحكامها متجاوبة تجاوبًا كاملًا مع النظام الجسدي والعقلي، المتقرر في نفوس الخلق، لا يستتب وصف الشرع بالعموم والدوام إلا إذا بنيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية، يعضد هذا التطابق النظر المنطقي الذي يؤكد أن الشرع لما كان عامًّا دائمًا استلزم منطقيًّا أن تكون أصوله وفروعه متطابقة مع مقومات الفطرة الجسدية والعقلية، كما أن الواقع التاريخي يدلل على مصداقية هذا النظر، ترى ذلك فيما آلت إليه الشرائع العملية المعاصرة لنزول القرآن الكريم؛ إذ تراها اليوم قد بادت جميعًا حتى في البيئات الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة فيها، بل قد طرحتها الأمم التي كانت تتشرع بشرعها، بخلاف الإسلام فقد بقي عبر القرون حيًّا في ...


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


...نفوس معتنقيه، في جميع بقاع الأرض من مشرقها إلى مغربها، حيًّا في عقائده، وعباداته، ومعاملاته بكافة فروعها، ومطبَّقًا في الأقطار الإسلامية، وإن تفاوتت النسب في هذا التطبيق.
يرتب الدكتور علال الفاسي على هذا التطابق، وجوب تعقل تكاليف الشريعة، حيث قال: ويترتب على كون الإسلام دين فطرة أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يبيح للإنسان تعقلها؛ لإباحة الدخول تحت حكمها، فالشريعة الإسلامية لكونها فطرية تتساوق مع الإمكانات الذاتية التي يقتدر بها المكلف على أداء التكاليف، استلزم ذلك منها أن تكون أحكامها معقولة من لدن المكلفين، ويبدو أنه انطلاقًا من هذا التأسيس الفطري العقلي، رأى الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- أن من الواجب على علماء الشريعة التعرف على علل التشريع ومقاصده، ظاهرها وخفيها، فإن بعض الحكم قد يكون خفيًّا.
وعليه فإن علل التشريع ومقاصده باعتبارها شواهد الفطرة وشواهد التشريع قد تظهر وقد تخفى، وفي الحالة الثانية، وهي حالة الخفاء، يتفاوت العلماء بحسب ممارستهم لحقائق الأشياء، وخبرتهم بتصاريف الشريعة، واستحضارهم لمقاصدها، وعصمة أنفسهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء، إنه على قدر اجتهاد المجتهد في هذه الاعتبارات يحصل له التقويم الفطري المطابق للشرع، فهذا العمل الصالح من أحسن أنواع التقويم بعد تفهم الشريعة؛ لأنه يزيد الفطرة رسوخًا، ولا زال المجتهد على هذه الحالة حتى ينطبق عليه قول عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فيما نقله عنه الإمام الشاطبي: إن المجتهد الحق قد أُدرجت النبوة بين جنبيه وإن لم يكن نبيًّا.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


حاصل تحديد مفهوم الفطرة عند الطاهر ابن عاشور أنها جملة من الإمكانيات الذاتية العقلية والجسدية، والتي جاء الشرع في أصوله وفروعه متمشيًا معها، وهذا التساوق بين الفطرة والشرع هو مناط التكليف، الذي يُلزَم الفقيه بتعقل أحكام الشرع من خلال الوقوف على علله ومقاصده.
يستمد مفهوم الفطرة أهميته في فقه الشريعة من الدور الذي أداه في بناء النظرية، جسدت الفطرة أصلًا كليًّا كبيرًا انبنت عليه جملة من المقاصد الشرعية؛ لأنه على قدر تساوق هذا المقصد الشرعي أو ذاك مع الفطرة، تتغير قيمته المقاصدية التشريعية، وفي ضوء هذا التأصيل الفطري للمقاصد يتفقه المجتهد مناحي التشريع، تفهمًا واستنباطًا.

التأصيل الفطري لمقاصد الشريعة
أعني بالتأصيل الفطري: كون الفطرة مثلت أساسًا متينًا تفرعت عنه مقاصد شرعية أخرى، سواء أكانت مقاصد عامة أو مقاصد خاصة:

المقاصد الخاصة
ولعل أهم مقصد منها تأسس على الفطرة، هو مقصد تعيين الحقوق عن طريق التكوين، يعد هذا الطريق طريقًا فطريًّا، ومعناه أن يكون أصل الخلقة قد كون الحق مع تكوين صاحبه، وقُرن بينهما، وهو أعظم حق في العالم.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


يعرض الطاهر ابن عاشور نماذج من هذه الحقوق التي يستلزم هذا المقصد الشرعي تعيينها، والمبنية على الفطرة بمعنى الخلقة، ومن هذه الحقوق ما يأتي:
أولًا: حق المرء في تصرفات بدنه، وحواسه، ومشاعره، مثل التفكير، والأكل، والنوم، والنظر، والسمع.
ثانيًا: حقه في ما تولد عنه، مثل حق المرأة في الطفل الذي تلده، ما دام لا يعرف لنفسه حقًّا، أو لم تثبت له الشريعة حقًّا، حقه في كل ما تولد من شيء ثبت فيه حق معتبر، مثل الأنعام المملوكة لأصحابها، وثمر الشجر، ومعادن الأرض.

المقاصد العامة
أما المقاصد العامة التي انبنت على وصف الفطرة، فهي كما يأتي: العموم، والمساواة، والحرية، والسماحة، وانتفاء الكناية عن الشريعة، والمقصد العام من التشريع.
فالعموم يتفرع عن الفطرة، وبيان ذلك: أن استواء البشر في الأصل الأول للخلقة يقتضي أن يستووا في الدعوة، والتشريع الفطري، ولكن إذا دخل على الفطرة شيء من الاختلاف ظهر لذلك الاختلاف أثر في التشريع.

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


والشاطبي-رضي الله عنه- وإن لم يبين صلة العموم بالفطرة، فقد أبدع في تصوير الوصف الأول، وذلك في رأس كل من المسألتين التاسعة، والثانية عشرة من النوع الرابع من مقاصد الشارع:
ففي شأن الأولى يقول: الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة، بمعنى لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يتحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف ألبتة.
أما في شأن الثانية فيقول: إن الشريعة كما أنها عامة في جميع المكلفين وجارية على مختلف أحوالهم، فهي عامة أيضًا بالنسبة إلى عالم الغيب، وأيضًا عالم الشهادة من جهة كل مكلف، فإليها نرد كل ما جاءنا من جهة الباطل، كما نرد إليها كل ما في الظاهر.
يباين في نظر ابن عاشور العموم الوارث للاستعمال اللغوي نظيره الوارث للاستعمال الشرعي، وذلك من الوجه الآتي:
إن المشرِّع في خطابه لا يقصد لفريق معين، فقرينة شموله قصد للحاضرين والغائبين ثابتة، غاية ما في الباب أن تعلقه بالحاضرين تعلق أصلي إلزامي، وتعلقه بالذين يأتون من بعد تعلق معنوي إلزامي، ارتبط الإلحاح على هذا الوصف في علاقته بالفطرة عند ابن عاشور وغيره، بالدفاع عن صلاح الشريعة بكافة الأزمان، وكافة الأقطار.

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


يأتي بعد ذلك المساواة، فيتفرع عن الفطرة مقصد المساواة، فكل ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه أو التفاوت فيه فالشرع قاض به، ومعنى ذلك أن الفطرة معيار في ضبط الموانع المعتبرة، إما في إجراء المساواة، أو في عدم إجرائها، فالعوارض التي تمنع إجراءها لا تخلو من أمرين: إما ظهور مصلحة راجحة في الإلغاء، وإما ظهور مفسدة عند إجراء المساواة، والمرجع في تقدير الموانع واعتبارها متمثل في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: المعنى، مثل: معرفة مساواة العالم بعلم ما لمن ليس بعالم به في آثار ذلك العلم.
الثاني: قواعد التقنين مثل: منع مساواة غير المسلم بقريبه المسلم في إرث قريبهما.
الأمر الثالث: العلم بأصل المساواة مثل: مساواة غير المسلم للمسلم في معظم حقوق المعاملات.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


أقسام الموانع التي تعوق إجراء المساواة وتنقسم الموانع التي تعوق إجراء المساواة إلى أربعة أقسام:
الموانع الجبلية، وبعضها دائم، والآخر غير دائم، أما الأولى فمثل منع مساواة المرأة للرجل في ما تقصر عنه، بموجب أصل الخلقة، مثل إمارة الجيش، والخلافة عند جميع العلماء، والقضاء في قول الجمهور، وحق كفالة الأبناء الصغار.

وأما الثانية فتنقسم إلى صنفين: صنف هو من آثار الجبلة، مثل منع مساواة الرجل للمرأة، أي أن زوجه تنفق عليه. وصنف هو من قابلية اكتساب صفات بقدر ما يؤثر في الخلقة، تكامل الإحساس والتفكير، مثل تفاوت العقول في التفكر.

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


السماحة، وانتفاء النكاية
ولما كان من مقتضيات نظام الفطرة النفور من الشدة، فإن الشريعة جاءت متطابقة مع هذا المقتضى، من خلال الإلحاح على ضرورة مراعاة السماحة، والأساس في هذا الوصف هو التوسط بين التشديد والتخفيف.
ويبقى بيان الإمام الشاطبي لمسلك الاعتدال بين هذين الطرفين، هو البيان الأصيل الذي يشهد لفقهه بالامتياز والتسديد، يظهر ذلك في المسألة الثانية عشرة من النوع الثالث من مقاصد الشارع، حيث يقول: الشريعة جاءت في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط العدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، وهكذا تجد الشريعة أبدًا في مواردها ومصادرها.
نجد هذا التفرع على السماحة بمعنى الاعتدال عند بعض الكاتبين المحدثين في المقاصد، مثل دكتور علال الفاسي، رأى بطريقته الخاصة أن مسلك التوسط الذي تفيده السماحة هو فرع من فروع الاستقامة على سمت الفطرة، لكن إذا كانت الفطرة ميزانًا لكل من التخفيف والتشديد، فإنها لا تقتضي دائمًا الميل إلى التخفيف والتسهيل؛ لأنه قد تحتف بسلوك المكلف ظروف يكون الحفاظ على فطرته أثناءها مستلزمًا الأخذ بالتشديد دون التخفيف، وهو ما انتبه إليه انتباهًا كاملًا الإمام الشاطبي في النص الآتي: فإذا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلًا إلى جهة طرف من الأطرف فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر، فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة ما غلب عليه الانحلال في ...


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


...الدين، وطرف التخفيف -وعامة ما يكون في التوجيه والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإن لم يكن هذا ولا ذاك، رأيت التوسط لائحًا ومسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه.

انتفاء النكاية

ثم تأتي بعد ذلك انتفاء النكاية:
وجه ارتباط هذا المقصد بالفطرة وتفرعه عنها، أنه بسبب شدة اتصال الشريعة بالفطرة، جاءت بالتسهيل والترخيص، هذا في جانب إقامة الفطرة، أما في جانب حمايتها ورد الناس إليها، فقد جاءت بالتشديد؛ مراعاة لمقصد الصلاح المساير للفطرة، ولذلك لم يجز أن تكون الزواجر والعقوبات والحدود إلا إصلاحًا لحال الناس، لما هو اللازم في نفعهم دون ما دونه، ودون ما فوقه؛ لأنه لو أصلحه ما دونه لما تجاوزته الشريعة إلى ما فوقه، ولأنه لو كان العقاب فوق اللازم للنفع لكان قد خرج إلى النكاية، دون مجرد الإصلاح.
إن هذا الانبناء على الفطرة من شأنه تحقيق مقصد الشريعة المتمثل في نفوذها واحترام أحكامها؛ لأنها اعتمدت في نظر ابن عاشور عند توجيه خطابها على سهولة قبول أحكامها في النفوس؛ انسجامًا مع كونها شريعة فطرية سمحة، وليست نكاية ولا حرجًا.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


ومما يوضح ذلك أن أي مبدأ من مبادئها أو مقصد من مقاصدها لم يكن يوما عصيًّا على التطبيق، أو يناقض الفطرة الإنسانية في أي من مقتضياتها وحاجاتها ومطالبها الحيوية.

المقصد العام من التشريع
ويرتهن الحفاظ على نظام العالم بالحفاظ على النظام الجسدي، والعقلي، الموضوع في كل مخلوق، أي في نهاية المطاف بالحفاظ على الفطرة.
إن استقراء تكاليف الشريعة في الزواج، والإرضاع، والتعاوض، وآداب المعاشرة، وحفظ الأنفس، والأنساب، وأنواع المعارف الصالحة، يفيد مسايرتها لحفظ الفطرة، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: يقيمها في نفس المكلف.
والثاني: يحميه من الانحراف عنها.
يتمثل الوجه الأول في أوامر الشريعة عقائد، وأحكامًا، قال الله تعالى: ((فََأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) [الروم: ٣٠].

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


ويتمثل الوجه الثاني في نواهيها، التي ترد المكلف عن الارتماء في أحضان الرعونات الفاسدة؛ وعليه فلا يمكن فهم أصول هذه الشريعة إلا على أساس تام من التفقه العميق لطبيعة مقومات الفطرة الإنسانية، تعتبر الفطرة طريقًا في جلب الصلاح ودرء الفساد، وذلك سبب في ملاحظة محققي العلماء لها في تعرفهم للأحكام، أو في سياستهم للأمة.
يظهر التأصيل الفطري لمقاصد الشريعة صلاحية وصف الفطرة كأصل كلي جامع لكليات الشريعة، ويلاحظ الطاهر ابن عاشور بحق غياب التنظير لهذا الوصف الأصيل في مباحث علماء الأصول، وإذا تقررت أهميته تعين على الفقهاء العناية به وملاحظته في فقههم؛ لأن هذا الوصف معيار صالح لتقويم الأعمال التي يأتي بها المكلف، فما أدى إلى فرق عظيم بوصف الفطرة اعتبر محرمًا، أما ما أدى إلى حفظ كيانه فهو واجب، أما إذا كان دون ذلك في الأمرين فهو منهي، أو مطلوب في الجملة، وأما ما لا يمسه فهو مباح.
فقد تتعارض مقتضيات هذا الوصف في عمل من الأعمال فإن أمكن الجمع فيها جمع، وإلا يصار إلى ترجيح العمل المبقي على حفظ الفطرة، ويوضح الطاهر ابن عاشور هذا النظر بقوله: إن كل فعل يحب العقلاء أن يتلبس به الناس وأن يتعاملوا به فهو من الفطرة، وكل فعل يكرهون أن يقابلوا به ويشمئزون من مشاهدته وانتشاره فهو انحراف عن الفطرة، فإذا تعارض فعلان أو خاطران مما تقتضيه الفطرة وجب اختيار أعرقهما في المعنى الفطري، أو أدومهما، أو أشيعهما في الناس، أو أليقهما بالإشاعة في البشر، على أنه إذا أمكن رعي أحد الفعلين في بعض الأزمان، أو بعض الأمكنة، أو لبعض الأمم، ما دام لمقتضيه مساس بحاجات الناس ...


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


...الملحة، وجب رعيه ورعايته، فإذا ضعفت الحاجة إليه رُجع إلى غيره.
والناظر في الاستنباطات الفقهية التي تكثر في فقه ابن عاشور -رحمه الله- يلاحظ استناد بعضها على مراعاة مفهوم الفطرة، فعندما تناول ابن عاشور -على سبيل المثال- اختلاف العلماء في مدلول قوله تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الَْأَمْرِ)) هل يفيد وجوب المشاورة، أو يفيد أن المشاورة مندوبة، أم هي خاصة بالرسول -صلى الله عليه وسلم- أم هي عامة له ولولاة أمور الأمة كلهم؟
رجح ابن عاشور -رحمه الله- في هذا الموضع القول بوجوبها؛ لأن في تركها تعريض مصالح المسلمين للخطر والفوات.
ومن بين مداركه في الترجيح مدرك الفطرة حيث قال: الشورى مما جبل الله عليه الإنسان في فطرته السليمة، أي فطره على محبة الصلاح، وتطلب النجاح في المساعي؛ ولذلك قرن الله -تعالى- خلق أثر البشر بالتشاور في شأنه إذ قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة؛ إذ قد غني الله عن إعانة المخلوقات في الرأي، ولكنه عرض على الملائكة مراده ليكون التشاور سنة في البشر، ضرورة أنه مقترن بتكوينه، فإن مقارنة الشيء بالشيء في أصل التكوين توجب إلفه وتعارفه.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


حاصل القول في شأن مفهوم الفطرة

أنه قام بدور تأسيسي في البناء النظري لنظرية المقاصد، فبعد إقامة ابن عاشور تطابقًا تامًّا بين الفطرة والشرع، أسس مقاصده كلها على الفطرة، ويكفي دلالة على ذلك المظاهر التسعة للفطرة في الشرع الإسلامي.

من مقاصد الشريعة: السماحة
مقصد الشريعة السماحة، فالسماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها، والسماحة معناها: سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهي راجعة إلى معنى الاعتدال، والعدل، والتوسط، ذلك المعنى الذي نوه به أساطين حكمائنا الذين عنوا بتوصيف أحوال النفوس والعقول، فاضلها ودنيها، وانتساب بعضها من بعض، فقد اتفقوا على أن قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال، أي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط؛ لأن هذين الطرفين يدعو إليهما الهوى الذي حذرنا الله -تعالى- منه في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ((وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) [ص: ٢٦)] ومنها قوله تعالى: ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)) [النساء: ١٧١] وقوله تعالى: ((فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)) [الحديد: ٢٧] فإن ذلك متعلق بأهل الكتاب ابتداء، ومراد منه موعظة هذه الأمة؛ لتجتنب الأسباب التي ...


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


...أوجبت غضب الله على الأمم السابقة وسقوطها، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في اليهود: ((لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم)).
فالتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط هو منبع الكمالات، وقد قال الله تعالى في وصف هذه الأمة، أو وصف صدر هذه الأمة: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) [البقرة: ١٤٣] روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في معنى هذه الآية أن الوسط هو العدل، أي بين طرفي الإفراط والتفريط، وبذلك جزم المحققون في تفسير هذه الآية، وبه فُسر أيضًا قول الله تعالى: ((قَالَ أَوْسَطُهُمْ)) [القلم: ٢٨] أي أعلمهم وأعدلهم وقد شاع هذا المعنى في الوسط، وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعي: "خير الأمور أوساطها" وبعضهم يرويه حديثًا وهو مشهور على الألسنة، ولكنه ضعيف الإسناد.
فالسماحة السهولة المحمودة فيما يظنه الناس التشديد فيه، ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضي إلى ضر أو فساد، وفي الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع سمحًا إذا اشترى سمحًا إذا اشترى سمحًا إذا اقتضى)) وقريب منه في رواية أبي هريرة -رضي الله عنه.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


ووصف الإسلام بالسماحة ثبت بأدلة القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) [الحج: ٧٨] وقال أيضًا: ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)) [المائدة: ٦] وقال: ((رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)) [البقرة: ٢٨٦].
وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)) رواه ابن أبي شيبة، وأخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا، وأخرجه في الأدب المفرد مسندًا، أي: أحب الأديان إلى الله دين الإسلام الذي هو الحنيفية السمحة، فقد أثبت أن السماحة هي وصف الإسلام.
وفيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه)) أي: كان الدين غالبًا، وفي الحديث أيضًا: "بعثت بالحنيفية السمحة" وهو ضعيف السند بهذا اللفظ، ولكنه في معنى الحديث الذي قبله.
واستقراء الشريعة دل على أن السماحة واليسر من مقاصد الدين، وفي الحديث الصحيح، في البخاري وغيره: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث عليًّا ومعاذًا إلى اليمن، وقال لهما: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) وعن عائشة -رضي الله عنها: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا)) والمراد من الإثم: ما دلت الشريعة على تحريمه.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


قال الشاطبي في الفصل الثاني من المسألة السابعة من نوع الموانع، وفي مواضع متكررة من كتابه: إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع، واستدل لذلك بكثير من الأدلة التي ذكرناها آنفًا.
وأقول: إن حكمة السماحة في الشريعة أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة، وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة، فهي كائنة في النفوس، سهل عليها قبولها.
ومن الفطرة النفور من الشدة والإعناد، قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا)) [النساء: ٢٨] وقد أراد الله تعالى أن تكون شريعة الإسلام شريعة عامة ودائمة، فاقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين الأمة سهلًا، ولا يكون ذلك إلا إذا انتفى عنها الإعنات، فكانت بسماحتها أشد ملاءمة للنفوس؛ لأن فيها إراحة النفوس في حالي خويصتها ومجتمعها.
وقد ظهر للسماحة أثر عظيم في انتشار الشريعة وطول دوامها، فعُلم أن اليسر من الفطرة؛ لأن في فطرة الناس حب الرفق، ولذلك كره الله من المشركين تغيير خلق الله، فأسنده إلى الشيطان، إذ قال عنه: ((وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)) [النساء: ١١٩] وذلك حيث يكون التغيير خلوًا عن المصلحة، فأما إذا كان لمعنى أدخل في الفطرة فلا يصير مذمومًا بل يكون محمودًا، مثل الختان، وتقليم الأظافر، وحلق الرأس في الحج وغير ذلك.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


وإذا نحن استقرأنا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان من كلياتها، ومن كليات دلائلها، ومن جزئياتها المستقرأة، أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلح الميهمن عليه وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه، وصلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه، قال الله تعالى حكاية عن رسوله شعيب، وتنويهًا به: ((إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ)) [هود: ٨٨] فعلمنا أن الله تعالى أمر ذلك الرسول بإرادة الإصلاح بمنتهى الاستطاعة، وقال تعالى في كتابه الكريم: ((وَقَالَ مُوسَى لَأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)) [الأعراف: ١٤٢] وقال تعالى: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الَأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْييِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)) [القصص: ٤] فعلمنا أن الصفات التي أجريت على فرعون كلها من الفساد، وأن ذلك مذموم، وأن بعثة موسى كانت لإنقاذ بني إسرائيل من فساد فرعون، فعلمنا أن المراد من الفساد غير الكفر، وإنما هو فساد العمل في الأرض؛ لأن بني إسرائيل لم يتبعوا فرعون في كفره، وقال الله تعالى حكاية عن شريعة شعيب لأهل مدين: ((وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الَأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)) [الأعراف: ٨٥] وفي آية أخرى: ((وَلا تَعْثَوْا فِي الَأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) [البقرة: ٦٠] وقال حكاية عن رسول ثمود: ((وَلا تَعْثَوْا فِي الَأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) [الأعراف: ٧٤] وقال الله تعالى مخاطبًا هذه الأمة: ((وَلا تُفْسِدُوا فِي الَأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)) [الأعراف: ٨٥] وقال: ((وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الَأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ)) [البقرة: ٢٠٥] ...


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


...وقال تعالى: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الَأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فََأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)) [محمد: ٢٢، ٢٣].
فهذه أدلة صريحة دلت على أن مقصد الشريعة الإصلاح وإزالة الفساد، وذلك في تصاريف أعمال الناس، وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم ذكر فيها الصلاح في معرض الحث والمدح، وذكر فيها أيضًا الفساد في معرض التحذير والذم، لم نذكرها هنا؛ لأنها لم تكن صريحة في أن المراد من الصلاح والفساد صلاح وفساد الأعمال، بل تحتمل أن يراد منها الإيمان والكفر.
وتتبعها أدلة من قبيل الإيماء جاءت دالة على أن صلاح الحال في هذا العالم منة كبرى يمن الله بها على الصالحين من عباده؛ جزاء لهم، قال تعالى: ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الَأَرْض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ)) [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦] وقال مخاطبًا المسلمين: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الَأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )) [النور: ٥٥] وقال في معرض الوعد: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)) [النحل: ٩٨] وامتن على بني إسرائيل بالإنقاذ من الأسر الدنيوي بقوله: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا)) [المائدة: ٢٠] فلولا أن صلاح هذا العالم مقصود للشارع ما امتن به على الصالحين من عباده.


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


ولقد علمنا أن الشارع ما أراد من الإصلاح المنوه به مجرد صلاح العقيدة، وصلاح العمل، كما قد يتوهم، بل أراد منه صلاح أحوال الناس وشئونهم في الحياة الاجتماعية، فإن قول الله تعالى: ((وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الَأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ)) [البقرة: ٢٠٥] أنبأنا بأن الفساد المحذر منه هنالك هو إفساد موجودات هذا العالم، وأن الذي أوجد هذا العالم، وأوجد قانون بقائه لا يظن فعله ذلك عبثًا، وهو يقول: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)) [المؤمنون: ١١٥].
ولولا إرادة انتظامه لما شرع الشرائع الجزئية الرادعة للناس عن الإفساد في الأرض، فقد شرع الله تعالى القصاص على إتلاف الأرواح، وعلى قطع الأطراف، وشرع غرم قيمة المتلفات، والعقوبة على الذين يحرقون القرى ويغرقون السلع، ولما أباح الطيبات والزينة، وأقامت الشريعة لإصلاح معاملة الناس بعضهم مع بعض نظام الحق، وهو لدفع الفساد قطعًا، كما صرح به قوله تعالى: ((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالَأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ)) [المؤمنون: ٧١] فجعل الحق ممانعًا للفساد.
ومن عموم هذه الأدلة ونحوها حصل لنا اليقين بأن الشريعة متطلبة لجلب المصالح ودرء المفاسد، واعتبرنا هذه قاعدة كلية في الشريعة، فقد انتظم لنا الآن أن المقصد الأعظم من الشريعة هو جلب الصلاح ودرء الفساد، وذلك يحصل بإصلاح حال الإنسان ودفع فساده، فإنه لما كان هو المهيمن على هذا العالم كان في صلاحه صلاح العالم وأحواله، ولذلك نرى الإسلام عالج صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه وهو النوع كله، فابتدأ الدعوة بإصلاح الاعتقاد الذي هو ...


٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية


...إصلاح مبدأ التفكير الإنساني، الذي يسوقه إلى التفكير الحق في أحوال هذا العالم، ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنه؛ لأن الباطن محرك الإنسان إلى الأعمال الصالحة، كما ورد في الحديث: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). وقد قال الحكماء: الإنسان عقل تخدمه الأعضاء.
ثم عالج بعد ذلك إصلاح العمل، وذلك بتفنن التشريعات كلها، فاستعداد الإنسان للكمال وسعيه إليه يحصل بالتدريج في مدارج تزكية النفس، ولنا من تطور التشريع من ابتداء البعثة إلى ما بعد الهجرة هاد يهدينا إلى مقصد الشريعة، من الوصول إلى الإصلاح المكتوب، وقد أشار إلى مجمل ما أطلناه ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم، عن أبي عمرة الثقفي أنه قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: ((قل آمنت بالله ثم استقم)).

٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية



٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية



٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية



٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية



٤.٥ علاقة الفطرة بالمقاصد الشرعية