![]() |
أولها: النص الصريح المعلل. |
![]() |
ثانيها: عادات الشرع وتصرفاته. |
![]() |
ثالثها: الاهتداء بالصحابة في فهم التشريع. |
![]() |
من المعلوم أنَّ الأمر من الشارع إنما يكون لاقتضائه الفعل، فوقوع الفعل عند وجود الأمر مقصود للشارع، وكذلك النهي معلوم أنه مقتض لنفي الفعل أو الكف عنه، فعدم وقوع الفعل مقصود للشارع، وإيقاعه مخالف لمقصوده، كما أن عدم اتباع المأمور به مخالف لمقصوده، فهذا ظاهر لما اعتبر مجرد الأمر والنهي من غير نظر إلى علة، لمن اعتبر العلل والمصالح أيضًا، فإن كان مجرد الأمر والنهي يدل على قصد الشارع، فدلالتهما مع التعليل أولى وأظهر. |
![]() |
والمتتبع لآيات التشريع في الكتاب الحكيم، وأحاديث الأحكام يجد معظمها مقرونًا بالتعليل وذلك واضح، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)) [الأنفال: ٦٠] فقد أمر الله فيها المؤمنين باتخاذ العدة للقتال لأجل إدخال الرعب في قلوب الكفار المحاربين، والمصلحة المقصودة من الجهاد هي حماية دينه وإعلاء كلمته، وحماية ديار المسلمين وأموالهم وأعراضهم. |
![]() |
وغير ذلك من الآيات العديدة والتي جاءت على هذا المنوال، ومعظم آيات الأحكام وردت معللة تصريحًا أو إيماءً. |
![]() |
أما السنة النبوية فقد جاءت فيها الأحكام أيضًا معللة مثال ذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم- في زجر المطولين في الصلاة من الأئمة الذين يؤمون الناس: (( يا أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة)) فبين الرسول -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث بواعث التحقيق، وفيه إشارة إلى أن الدين مبني على اليسر، وأن الطاعة إذا أدت إلى ضياع المصالح أو لحق الناس منها ضرر خرجت عن مقصود الشارع؛ لأنَّه يجلب الملل والكسل والانقطاع عن الصلاة. |
![]() |
أيضًا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء))، ففي هذا الحديث أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- الشخص القادر على تكاليف الحياة الزوجية بالتزوج، شارحًا له ما يترتب على ذلك من مصالح، مبينًا السبب في ... |
| ...هذا وهو حفظ البصر والفرج، الذي أمر الله تعالى بحفظهما في كثير من الآيات، وإذا حفظا -أي: البصر والفرج- كان الخير والفلاح فإنَّ معظم الشرور تنشأ عنهما. وفي الوقت نفسه يأمر العاجز بعلاج آخر وهو الصوم ليكسر به شهوته إلى أن يجد نكاحًا. |
![]() |
والطريق الثاني: استقراء تصرفات الشارع، جاء في (قواعد الأحكام) للعز بن عبد السلام -رحمه الله: من تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها وأن هذه لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. |
![]() |
فإذا كان فهم الشريعة يخلق الملكة القوية في معرفة المصالح والمفاسد المقصودة للشارع، فإن ذلك لا يتم إلا باستقراء تصرفات الشارع وباستقراء الجزئيات يمكننا أن نصل إلى مقصد كلي للشارع الحكيم، والاستقراء نوعان؛ لأنه إما أن يكون استقراء للأحكام، وإما أن يكون استقراء لأدلة الأحكام. ونوضح كل نوع بضرب الأمثلة. |
![]() |
النوع الأول: استقراء الأحكام :باستقرائنا للأحكام التي عرفت عللها وهذا الاستقراء في الواقع يئول إلى استقراء تلك العلل المثبتة بطريق مسالك العلل، فإنَّ باستقراء العلل يحصل العلم بمقاصد الشارع بسهولة؛ لأننا إذا استقرينا... |
| ... عللًا كثيرة متماثلة في كونها ضابطًا لحكمة متحدة، أمكننا أن نستخلص منها حكمة واحدة، فنجزم بأن هذه الحكمة هي مقصد شرعي، كما يستنتج من الجزئيات تحصيل مفهوم كلي، على حسب قواعد المنطق، وإليك البيان: | ||
![]() |
أننا إذا علمنا علة النهي عن المزابنة الثابتة بمسلك الإيماء في قوله -صلى الله عليه وسلم- لمن سأله عن بيع التمر بالرطب: (( أينقص الرطب إذا جف؟ قال السائل: نعم. قال: فلا إذن)) فيحصل لنا من ذلك أن علة تحريم المزابنة، وهي بيع مجهول بمعلوم أو مجهول بمجهول، من جنسه، وهي الجهل بمقدار أحد العوضين، وهو الرطب منهما، المبيع باليابس؛ لأنه ينقص بالجفاف، وإذا علمنا النهي عن بيع الجزاف بالمكيل، وعلمنا أن علته جهل أحد العوضين، بطريق استنباط العلة فإننا نصل إلى مقصد الشارع تجنب الغرر بقدر الإمكان، ومن ذلك نهيه -صلى الله عليه وسلم-عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص، أي الذي يغوص في البحر لأجل الجواهر، والعلة في جميع ذلك ترجع إلى الجهالة والغرر، وعدم القدرة على التسليم، وضربة الغائص المراد بذلك أن يقول من يعتاد الغوص في البحر لغيره ما أخرجته في هذه الغوصة فهو لك بكذا من السمك، فإن هذا لا يصح لما فيه من الغرر والجهالة. | |
![]() |
عد معرفة هذه العلل وغيرها في مجال العقود المنهي عنها لهذا السبب، يمكننا أن نستخلص منها قصدًا واحدًا، وهو إبطال الغرر في المعاوضات، وبذلك لا يبقى خلاف في أن كل تعاوض اشتمل على ... |
| ...خطر أو غرر وجهالة في ثمن أو مثمن، أو أجل فهو تعاوض باطل. | ||
![]() |
وخلاف العلماء في بعض صور بيوع الغرر يرجع إما إلى تعارض الأدلة، وإما إلى وجود ما يفيد الاستثناء من هذه القاعدة، وإما إلى اختلافهم في حقيقة أنَّ الغرض وحده هو المبطل، فهناك ثلاثة أمور من الممكن أي واحدة منها أن تجعل منها البيع باطلًا، وهي تعارض الأدلة، وجود ما يفيد الاستثناء عن هذه القاعدة، اختلاف في حقيقة أن الغرض وحده هو المبطل؛ لأن الغرر اليسير تجاوز عنه الشارع الحكيم، رحمة بالعباد لعسر الاحتراز عنه، ولذلك لا يتطرق الخلاف إلى أن الحكمة في منع بيع المزابنة وأمثالها هو اشتمال ذلك على الغرر، وبهذا نعرف أن قصد الشارع التحرز عن الغرر بقدر المستطاع، وهذا يرجع إلى قصد الشارع في المحافظة على الأموال، وهذا من المقاصد الكلية الضرورية المتفق عليها. | |
![]() |
أيضًا: إننا نعلم أن النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه وعن سومه على سومة أخيه، الوارد في قوله -صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه، حتى يذر )) ، ونعلم أنَّ علة ذلك هو ما فيه من بواعث التشاحن والتباغض والقطيعة التي تنشأ عن السعي في الحرمان من منفعة، فنستخلص من ذلك مقصودًا هو دوام الأخوة والمودة بين المسلمين. |
![]() |
ولذا نستطيع استخدام هذا القصد لإثبات الجزم بانتفاء حرمة الخطبة على الخطبة والسوم على السوم إذا كان الخاطب الأول والسائم الأول قد أعرضا عما رغبا فيه؛ لأنه في هذه الحالة لا يترتب عليه حينئذ هدم لمقصود الشارع، ولا نقض لما أبرمه، وبهذا المقصد نستطيع التعرف على كل ما لا يرضي الشارع في مجال المحافظة على دوام الأخوة الإسلامية، مثل الغيبة والنميمة وتتبع العورات، وكل ما يجلب بواعث الشحناء والبغضاء، ويسبب القطيعة بين الناس سواء أكان ذلك في مجال الاجتماع أو في مجال التعاون والتعامل، ومن هذا النوع نكاح المرأة على عمتها أو خالتها؛ لأنه جالب للقطيعة، كما تقدم بيانه، وهذا يرجع إلى المقصد العام في المحافظة على النفس؛ لأنَّ التشاحن والتباغض قد يؤدي إلى التقاتل، وإلحاق الأذى بالأنفس. | |
![]() |
النوع الثاني من أنواع الاستقراء: هو استقراء أدلة أحكام اشتركت في غاية واحدة، واشتركت في باعث واحد. |