١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


فهم المقاصد وفق مقتضيات اللسان العربي
سبقت الإشارة إلى أن الشاطبي أقحم في مقاصد الشرع نوعًا سماه قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام، وهو النوع الثاني، وقد ذكرت أن مسائل هذا النوع إنما تتعلق بكيفية فهم مقاصد الشارع، فلنعد إليها الآن هذا مكانها فيما نرى.
المسألة الأولى من هذا النوع، افتتحها الإمام الشاطبي بقوله: إنَّ هذه الشريعة المباركة عربية لا مدخل فيها للألسن الأعجمية. وهو لا يريد بهذا التطرق إلى مسألة ما إذا كان هناك في القرآن ألفاظ ذات أصول أعجمية أم لا؟ إنما المبحث المقصود هنا أنَّ القرآن الكريم نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمِه إنما يكون من هذا الطريق خاصة، فمن أراد تفهمه، فمن جهة لسان العرب يُفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة، هذا هو المقصود من المسألة.
ومن هنا يجب أن ينظر إلى مقاصد الشريعة في ضوء لغتها العربية وفي ضوء المعهود من أساليب العرب ومن ذلك أنَّ العرب فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه آخر، وبعام يراد به الخاص، والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، والعرب تتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد، وكل ذلك معروف عند العرب، لا ترتاب في شيء منه هي، ولا من تعلق بعلم كلامها.


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


فإذا كان كذلك فالقرآن الكريم في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب، لأنه كما سبق أن قلنا: إن القرآن نزل بلغة العرب، وهو يكثر من التأكيد على أهمية احترام والتزام حلول وقواعد اللغة العربية في فهم مقاصد النصوص، ويتعرض لهذه الفكرة كل ما وجد لذلك مناسبة؛ لأنَّ لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشارع، ومن هنا فإنَّ الشريعة الإسلامية لا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم أيضًا؛ لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدأ في فهم العربية فهو مبتدأ في فهم الشريعة أو متوسطًا فمتوسط في فهم الشريعة، وهكذا، فكلما أمكن في اللغة العربية كان أقدر على إدراك مقاصد الشريعة إدراكًا سليمًا.
وقد رد أهم أسباب الابتداع والانحراف في الدين إلى سببين رئيسين، هما الجهل وتحسين الظن بالعقل، فقال الإمام الشاطبي: فأما جهة الجهل فتارة تتعلق بالأدوات التي تفهم بها المقاصد وتارة تتعلق بالمقاصد، والأدوات التي تعرف بها المقاصد في اللغة العربية هي نفس أساليب اللغة العربية، فعلى الناظر في الشريعة الإسلامية والمتكلم فيها أصولًا وفروعًا ألا يتكلم بشيء من ذلك حتى يكون عربيًّا أو كالعربي، فإذا كان كذلك صح له أن ينظر في القرآن ويستخرج معانيه ومقاصده، على أن يسلك في الاستنباط منه والاستدلال به مسالك كلام العرب في تقرير معانيها ومنازعها في أنواع مخاطبتها خاصة، فإنَّ كثيرًا من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل فيها، لا بحسب ما يفهم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبير وخروج عن مقصود الشارع.


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


الأوامر والنواهي الشرعية بين التعليل والظاهرية
هذه الكيفية من كيفيات معرفة مقاصد الشريعة، هي امتداد لسابقتها، وتطبيق لها؛ لأنَّ الأمر والنهي موضوعان في الأصل اللغوي لإفادة الطلب. الأمر لطلب الفعل والنهي لطلب الترك، فالآمر قاصد إلى حصول الفعل والناهي قاصد إلى منع حصول الفعل، كما أنني أجمع هنا بين الجهتين الأولى والثانية من الجهات الأربع التي ذكرها الإمام الشاطبي، أن بها تعرف مقاصد الشرع، وهو كما تقدم مجرد الأمر والنهي لابتداء التصريح، اعتبار علل الأمر والنهي وتقييده للأمر أو النهي الذي يستفاد منه قصد الشارع بالابتداء، معناه الذي قصد الشارع الأمر به أو النهي عنه ابتداء وأصالة، ولم يأت به تعضيدًا لأمره أو نهيه، وبعبارة أخرى: يكون المأمور به أو المنهي عنه مقصودًا بالقصد الأول لا بالقصد الثاني، مثال ذلك قول الله تعالى: ((فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ)) [الجمعة: ٩] فالأمر الأول: ((فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)) أمر ابتدائي مقصود بالقصد الأول، فهو دال على قصد الشارع إلى حمل الناس على تحقيق المأمور به، بينما الأمر الثاني، وهو نهي في نفس الوقت: ((وَذَرُوا الْبَيْعَ))، ليس أمرًا ابتدائيًّا، بل هو أمر تبعي، قصد به تعضيد الأمر الأول وتقويته، فهو مقصود بالقصد الثاني، فلا يصح أن يستدل به على قصد الشارع إلى منع البيع، بخلاف الأمر الأول، فيعبر عن قصد الشارع ويدل عليه.
والقيد الثاني: وهو أن يكون الأمرُ أو النهي تصريحيًّا أراد به إخراج الأمر أو النهي الذي يكون ضمنيًّا؛ لأنه أيضًا لا يكون مقصودًا إلا بالقصد الثاني، على سبيل التعضيد والتأكيد للأمر أو النهي الصريح، ومن هذا القبيل ...


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


... كل ما يكون مطلوبًا من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فما كان من هذا القبيل فهو من الوسائل لا من المقاصد، أو هو من المقصود الثاني التبعي كالأمر بالحج مع ما يستلزمه. فالأمر بالحج صريح والأمر بأخذ مستلزماته والقيام بها أمر ضمني، فالأول مقصود بالقصد الأول والثاني مقصود بالقصد التبعي.
إذن فالأوامر والنواهي إذا جاءت ابتدائية تصريحية دلت على مقصود الشارع، الأوامر تدل على القصد إلى حصول المأمورات، والنواهي تدل على القصد إلى منع حصول المنهيات، فهذا وجه ظاهر عام لمن اعتبر مجرد الأمر والنهي من غير نظر إلى علة، ولمن اعتبر العلل والمصالح، وهو الأصل الشرعي، بمعنى أن الوقوف عند مجرد الأمر والنهي واعتباره مقصودًا للشارع يسع الظاهري والمعلل، فالأول هذا شأنه فلا إشكال، والثاني وإن كان ينظر إلى علل الأحكام ومصالحها، فإن عللها ومصالحها منوطة بالأمر الأول، فالوقوف عندهما محقق لها، وهذا لا يعني عدم اتباع العلة وعدم اعتمادها في تحديد مقاصد الشارع وعدم تحكيمها في ظواهر النصوص، بل العلة إن كانت معلومة اتبعت، فحيث وجدت وجد مقتضى الأمر والنهي من القصد وعدمه، وإن كانت غير معلومة فلا بد من التوقف عن القطع، على أن الشارع أنه قصد كذا أو كذا.
وقد بحث الإمام الشاطبي هذه المسألة بشكل أكثر تفصيلًا في باب "الأوامر والنواهي" من كتاب (الموافقات في أصول الأحكام) حيث انتهى بعد حوار شائق طويل إلى ضرورة احترام ظواهر النصوص، وعدم تعطيلها، لكن من غير مغالاة، وجمود، ومن غير تنكر للعلل والمصالح الثابتة، فالعمل بالظواهر على تتبع وتغالٍ بعيد عن مقصود الشارع، كما أن إهمالها إسراف...


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


... أيضًا، فإذا ثبت هذا وعمل العامل على مقتضى المفهوم من علة الأمر والنهي فهو جار على السنن القويم، موافق لقصد الشارع في وروده وصدره.

المقاصد الأصلية والمقاصد التبعية
هذا التقسيم من المقاصد استعمله الإمام الشاطبي كثيرًا، وفي عدة مواضع من كتابه (الموافقات) وقد يستعمل اصطلاحًا آخر مرادفًا له وهو القصد الأول والقصد الثاني، ومضمن هذا التقسيم، أن للأحكام الشرعية مقاصد أساسية تعتبر الغاية الأولى والعليا للحكم الشرعي، ولها مقاصد ثانوية تابعة للأولى، ومكملة لها، مثال ذلك: النكاح فإنه مشروع للتناسل على القصد الأول، ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتجمل بمال المرأة، وقيامه عليه وعلى أولاده منها، أو من غيرها أو إخوته، والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين، والازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله تعالى على العبد، وما أشبه ذلك.
فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح فمنه منصوص عليه أو مشار إليه، ومنه ما علم بدليل آخر، ومسلك آخر استقرئ من ذلك المنصوص، وذلك أنَّ ما نص عليه من هذه المقاصد التوابع هو مثبت للمقصد ...


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


...الأصلي، ومقوي لحكمته، ومستدع لطلبه وإدامته، ومستجلب لتوالي التراحم والتواصل والتعاطف، الذي يحصل به مقصد الشارع الأصلي من التناسل.
فاستدلالنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما من شأنه ذلك، مقصود للشارع أيضًا.
وفي سياق كلامه على أقسام الحكم الشرعي لاحظ هذا المعنى في علاقة أنواع الحكم الشرعي بعضها ببعض، وبصفة خاصة في علاقة المندوب بالواجب، وعلاقة المكروه بالمحرم وفي هذا القول: المكروه إذا اعتبرته كذلك مع الممنوع كان كالمندوب مع الواجب، وبعض الواجبات منه ما يكون مقصودًا وهو أعظمها، ومنه ما يكون وسيلة وخادم للمقصود الأول، كطهارة الحدث وستر العورة واستقبال القبلة، والأذان للتعريف بالأوقات وإظهار شعائر الإسلام مع الصلاة، فكلها مكملات للصلاة وكلها واجبة، فواجب الصلاة بالنسبة لبقية الواجبات المكملة لها هو صورة أخرى من صور اعتبار الشارع لما يخدم ويكمل مقاصده الأصلية والأساسية.
وفي هذا سند للقول بأن ما يخدم ويقوي مقصودًا للشارع فهو مقصود أيضًا، وإن كان قصدًا تبعيًّا، وعلى هذا النهج جرى، عندما تعرض -في المقدمات- لطلب العلم، وما ينبغي لطالبه، وما لا ينبغي له، حيث اعتبر أنَّ للعلم مقصودًا أصليًّا بالنسبة لطلبه، وهو التعبد، وله مقاصد تابعة قال: فالمقصد الأصلي هو ما تقدم ذكره، وأما التابع فهو الذي يذكره الجمهور من كون صاحبه شريفًا، وأن قوله: نافذ، وأن تعظيمه واجب على جميع المكلفين، إذ قام لهم مقام النبي؛ لأنَّ العلماء ورثة الأنبياء.... إلى سائر ما له في ...


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


...الدنيا من المناقب الحميدة والمياسر الحسنة والمنازل الرفيعة، فذلك كله غير مقصود من العلم شرعًا، كما أنه غير مقصود من العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، وإن كان صاحبه يناله.
ورغم أنَّ هذه المقاصد التبعية غير مقصودة من العلم في الأصل، إلا أنها قد تصبح مشروعة ومقصودة قصدًا تبعيًّا؛ لأنَّ كل تابع من هذه التوابع، إما أن يكون خادمًا للقصد الأصلي أو لا، فإن كان خادمًا له فالقصد إليه ابتداء صحيح، وقد قال الله في معرض المدح: ((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)) [الفرقان: ٧٤] وفي القرآن عن إبراهيم -عليه السلام: ((وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ)) [الشعراء: ٨٤].
وإن كان غير خادم له، فالقصد إليه ابتداء غير صحيح، كتعلمه رياءً أو ليماري به السفهاء، أو يباهي به العلماء أو يستميل به قلوب العباد أو لينال من دنياهم أو ما أشبه ذلك.
وكذلك عندما تعرض الإمام الشاطبي لمبحث الرخصة والعزيمة، اعتبر أن المقصود بالقصد الأول هو العزيمة، وأما الرخصة فمقصودة بالقصد الثاني؛ لأنَّ العزيمة تمثل المصلحة الكلية الأصلية للتشريع وأما الرخصة فجيء بها في مواطن الحرج قصد رفعه وهذه مصلحة جزئية عارضة، ومن هنا كانت العزائم مطردة على العادات الجارية، والرخص جارية عند انخراق تلك العوائد، وقد سبق في ...


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


...أثناء عرض النظرية أنه اعتبر أنَّ المقاصد الأصلية هي الضروريات، التي لا حَظَّ فيها للمكلف، بمعنى أنه ملزم بحفظها، أحب أم كره، وأن المقاصد التبعية هي التي رُوعي فيها حفظ المكلف، ويدخل فيه حاجياته وكمالياته، فهذه المصالح رُوعي فيها حظ المكلف.
وواضح أنه هنا يتحدث عن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية بينما الأمثلة التي سبق عرضها تتعلق بالمقاصد الجزئية الخاصة بهذا التشريع أو ذاك. وفي كل المجالين نجد مقاصد أصلية أساسية ومقاصد تابعة مكملة، عمومًا وخصوصًا.
وهذا يعكس مدى التناسق الذي يحكم نظرة إمامنا الشاطبي للشريعة في كلياتها وجزئياتها، غير أن ما يدعو للاستغراب، هو أنَّ هذه القاعدة التي أصلها واعتمد عليها الإمام الشاطبي مرارًا، وهي أن ما كان خادمًا ومقويًّا ومكملًا لمقصود شرعي، فهو أيضًا مقصود الشرع تبعًا لهذه القاعدة، نجده قد وهنها عند كلامه على الجهة الأولى، مما يعرف به مقصود الشرع، وذلك عندما قيد الأمر أو النهي الذي يستفاد منه قصد الشارع، بأن يكون تصريحيًّا بمعنى أنه لا تدخل فيه الأوامر والنواهي الضمنية، كالنهي عن الأضداد المأمور به الذي تضمنه الأمر، والأمر الذي تضمنه النهي عن الشيء، فإن النهي والأمر هنا إن قيل بهما فهو بالقصد الثاني لا بالقصد الأول.
وهذه بعض الأمثلة التي توضح القاعدتين -أي القاعدة الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده-: قول الله تعالى: ((وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر)) [البقرة: ٢٢٨] فهذا نهي ...


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


...عن الكتمان ولكنه في نفس الوقت أمر بضده، وهو التصريح والإظهار قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)) [الحجرات: ٢] فالنهي عن رفع الصوت أمر بخفضه. قوله تعالى: ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِم)) [النور: ٣٠] فيه أمر بغض البصر وهو أيضًا نهي عن النظر المحرم.
وكذلك يقال في قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" فالأمر بالجهاد أمر بلوازمه، والأمر بالعلم أمر بلوازمه، والأمر بالحج أمر بلوازمه، وهكذا. ولهذا قيل: والتحقيق كل ما لا يتوصل إلى المطلوب إلا به فهو مطلوب، والحقيقة أنه كان يكفينا ما قرره الإمام الشاطبي مرارًا بأن كل ما هو خادم مكمل للمقصود فهو مقصود، لولا ما أبداه هنا من تحفظ مراعاة لإمام الحرمين الجويني وأبي حامد الغزالي.


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


سكوت الشارع

ومعلوم أن الشارع قد يسكت عن أمور، وعن أحكام؛ لعدم توافر أسبابها ونوازلها، ما هو ما فتح لأجله باب الاجتهاد والقياس فهذا ليس هو المقصود هنا، وإنما المقصود هنا سكوت الشارع عن إعطاء حكم أو وضع تشريع مع أن موجبه المقتضى قائم، فلم يقرر فيه الحكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أنه لا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه، كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع، إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حده هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه.

الاستقراء عند الإمام الشاطبي
هذا المسلك باعتبار أهميته حقه أن يكون الأول، ولكن الغريب أنَّ الإمام الشاطبي لم يذكره أصلًا مع الجهات الأربع التي تعرف بها مقاصد الشارع، والتي خصص لها خاتمة كتابه المقاصد، فهو لم يجعله لا الأول ولا الخامس، وما زلت منذ قراءة هذه الخاتمة أتعجب لعدم ذكره فيها الاستقراء ضمن الطرق الموصلة إلى معرفة المقاصد، وزاد من عجبي أنَّ كلام الشاطبية حيثما كان مليء بذكر الاستقراء استشهادًا به إو إحالة عليه أو تنويهًا بقيمته، وأهميته، وقد أحصي من ذلك حوالي مائة مرة في ...


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


...أجزاء (الموافقات) الربعة فكيف لم يجعله جهة مستقلة واضحة فيما يعرف به قصد الشارع، هل ترك ذكره هنا اكتفاء بالإحالات والإشارات الواردة في ثنايا الكتاب أم أن ذلك جاء عن غفلة أتت عليه عند تحرير الفصل الخاتم لكتاب المقاصد أم لمعنى يتعلق برؤيته للموضوع؟ إلى الآن لا يوجد جواب يُرتاح إليه.
ومهما يكن الأمر فإنَّ الذي يمكن الجزم به باطمئنان هو أن الاستقراء عند الشاطبي هو أهم وأقوى الطرق وأحقها طريق لمعرفة وإثبات مقاصد الشريعة، فلأهمية الاستقراء عند الشاطبي نجد أنه في المقدمة الأولى من المقدمات الثلاث عشرة لكتاب (الموافقات) ينص الشاطبي على أن أصول الفقه -أي: الأسس والكليات التي ينبي عليها- لا بد أن تكون قطعية، ولا يقبل فيها الظن، والدليل على ذلك الاستقراء المفيد للقطع؛ لأنَّ كليات الشريعة لا تستند إلى دليل واحد، بل إلى مجموع أدلة، تواردت على معنى واحد، فأعطته صفة القطع، وتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكل لا يخرجه عن كونه كليًّا، وأيضًا فإنَّ الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي.
ومن هنا كان الإمام الشاطبي حريصًا على نشدان الأدلة الاستقرائية لما يقوله ولما يقرره، وكان يرى أنَّ هذه إحدى أبرز سمات كتابه، وإلى هذا يشير بقوله: وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد، حتى أفادت القطع، ثم يذكر هذه المزية لكتابه صراحة في قوله: فكذلك الأمر في مأخذ الأدلة في هذا الكتاب، وفي مكان متأخر من (الموافقات) يعود لتذكيرنا بهذه الميزة لكتابه، وبعبارة أوضح: ومرّ أيضًا بيان كيفية اقتناص القطع من الظنيات، وهي خاصة هذا الكتاب لمن تأمله والحمد لله.


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


وممن تأملوه، وأكدوا هذه الخاصية فيه الشيخ عبد الله دراز -رحمه الله- وهو من درس (الموافقات) دراسة دقيقة كاملة، وقد نوه بطريقة الشاطبي في كونه يتبع الظنيات في الدلالة أو في المتن أو فيهما، والوجوه العقلية كذلك، ويضم قوة منها إلى قوة، ولا يزال يستقرئ حتى يصل إلى ما يعد قاطعًا في هذا الموضوع، فهذه خاصية هذا الكتاب في استدلالاته، وهي طريقة ناجحة أدت إلى وصوله إلى المقصود، اللهم إلا في النادر رحمه الله رحمة واسعة.

هذه فكرة موجزة عن الاستقراء عند الإمام الشاطبي تبين أهميته عنده، ومدى اعتماده عليه بصفة عامة. ولنعد الآن إلى موضوعنا الخاص، وهو: معرفة المقاصد، وإثباتها عن طريق الاستقراء.

معرفة المقاصد، وإثباتها عن طريق الاستقراء
الشاطبي -رحمه الله- يربط بين الاستقراء والكشف عن المقاصد منذ خطوته الأولى في كتابه (الموافقات) وذلك في خطبة الكتاب، وهو يشرح قصة هذا التأليف، وقد تحدث الشاطبي بطريقة استقرائية عن إثبات حفظ الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وفي مباحث الأوامر والنواهي من كتاب الأحكام ذكر أن الأوامر والنواهي يمكن أخذها على ظاهرها، ويمكن أخذها بالنظر إلى قصد الشارع فيها، حسبما يعطيه الاستقرار.


١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


وقد تقدم أنه ثبت بالاستقراء أن ما كان خادمًا ومقويًّا لمقصود شرعي فهو أيضًا مقصود للشارع، وإن كان بالقصد الثاني.
وفي سياق محاربته للبدع وتفنيده لمستندات المدافعين عنها في كتاب (الاعتصام) تطرق إلى القول بأن قاعدة المصالح المرسلة لا دخل لها في مجال العبادات وأن أحكام العبادات قائمة على التوقيف والتحكم الشرعي، ولإثبات هذا لجأ إلى استقراء عدد من أحكام العبادات التي يمكن إدخالها تحت النظر العقلي، والتعليل المصلحي، ثم قال: إنَّ في هذا الاستقراء معنى يعلم من مقاصد الشرع أنه قصد قصده ونحا نحوه واعتبر جهته، وهو أن ما كان من التكاليف من هذا القبيل فإن قصد الشارع أن يقف عنده ويعزل عنه النظر الاجتهادي جملة، وأن يوكل لواضعه ويسلم له فيه، ثم قال: وبذلك كله يعلم قصد الشارع أنه لم يكل شيئًا من التعبدات إلى آراء العباد فلم يبقَ إلا الوقوف عند ما حده النص.

١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي



١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي



١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي


noteit
وبهذا نكون قد ألقينا شيئًا من الضوء على مفهوم حقوق الإنسان وواجباته في القرآن والسنة.

١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي



١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي



١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي



١.٤ إثبات المقاصد عند الإمام الشاطبي