٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


يأتي بعد ذلك علم الأصول، الاستدلال ومجال التطبيق، مقدمات علم الأصول عند الشاطبي كلها قطعية، سواء أكانت عقلية أو عادية أو شرعية مثل الأخبار المتواترة اللفظ القطعية الدلالة، أو الأخبار المتواترة المعنى أو الأدلة المستقرأة من موارد الشريعة، وإذا تأسس الاستدلال الفقهي عنده على القطع فإنَّ على الناظر فيه أن يلاحظ أمرين: الأول: هو وضع كل من العقل والنص فيه، والثاني: هو كيفية استعمال الدليل العقلي، إنَّ العقل بالنسبة للأمر الأول هو في وضع تبعي للنص.
قال الإمام الشاطبي: إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل، وبقيد الوضع السالف الوظيفة المحددة لكيفية استعمال العقل في علم الأصول فلا استقلال للعقل بالدلالة على الأحكام الشرعية فيه؛ لأنَّ النظر فيها نظر في أمر شرعي والعقل ليس بشارع، وإنما الشارع والحاكم هو الله سبحانه وتعالى، والرسول -صلى الله عليه وسلم- مبلغ عن الله شرعًا، تتجدد وظائف العقل ضمن هذا الوضع في الحالات التالية:
تركيب الدليل العقلي على الدليل السماعي، كأن تكون إحدى المقدمات عقلية والباقي شرعية.
إعانة الدليل العقلي في طريق تحصيل الدليل السمعي، كأن يكون الدليل سمعيًّا ويستعان على تحقيق نتيجته بدليل عقلي.


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


تحقيق العقل مناط الدليل السمعي، ويتحدد مجال تطبيق علم الأصول في مجال السلوك العلمي للمكلف الذي تضبطه أحكام الشريعة الحاصلة بالاستدلال، وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي: كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية، أي: لا فائدة فيها، والحاصل من هذا التقرير أنَّ الناظر في علم الأصول بحسب الشاطبي هو ناظر في علم تتميز أصوله ومقدماته بصيغة القطع، أما الأدلة المؤسسة على تلك الأصول المقطوعة فلا تخلو، إما أن تكون عقلية وإما أن تكون شرعية مستقرأة، ولما كانت العقلية تابعة للمستقرأة فلا يمكن أن تستقل وحدها للدلالة على الأحكام المنزلة على السلوك العملي للمكلف.
ومجمل القول أنَّ مسالك الأصوليين في تناول إشكال القطع والظن يمكن ردها إلى اتجاهين عامّين، سعى الاتجاه الأول إلى ضرورة بناء الاستدلال على أسس منطقية مستقاة من المنطق الأرسطي مثل مسلك ابن الحزم، وأقام الاتجاه الثاني للاستدلال الفقهي على أصول قطعية باعتبارها مقصودة من لدن الشارع، سواء أكانت مقصودة من خطابه أم مقصودة من أحكامه، ويمكن أن ندرج في إطار الاتجاه الثاني محاولات كل من الإمام الجويني والعزّ بن عبد السلام والقرافي والطوفي وابن تيمية وتلميذه ابن القيم والإمام الشاطبي.
ويستخلص مما سبق أن إشكال القطع والظن هو الإطار المنهجي الذي يندرج فيه البحث في المقاصد الشرعية، وفي سياقه العلمي ترتبط نظرية ابن عاشور في المقاصد، إنها تطرح وجهة نظر في ...


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


...البحث الأصولي هادفة منه أساسًا ضبط جملة من الأصول القطعية، تصلح أساسًا لتأسيس علم جديد هو علم مقاصد الشريعة، وذلك ما نتبينه عند مراتب مقاصد الشريعة بين القطعية والظنية عند الطاهر ابن عاشور، حيث قال -رحمه الله- في هذا المبحث: وهو مقاصد الشريعة مرتبتان قطعية وظنية، على الباحث في مقاصد الشريعة أن يطيل التأمل ويجيد التثبت في إثبات مقصد شرعي، وإياه والتساهل والتسرع في ذلك؛ لأن تعيين مقصد شرعي كلي أو جزئي أمر تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط، ففي الخطأ فيها خطر عظيم، فعليه ألا يعين مقصدًا شرعيًّا إلا بعد استقراء تصرفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه، وبعد اقتفاء آثار أئمة الفقه ليستضيء بأفهامهم وما حصل لهم من ممارسة قواعد الشرع، فإن هو فعل ذلك اكتسب قوة استنباط يفهم بها مقصود الشارع، ثم هو بعد الاطلاع بهذا العمل العظيم لا يجد الحاصل في نفسه سوى اليقين بتعيين مقصد الشرع؛ لأن قوة الجزم بكون الشيء مقصدًا شرعيًّا تتفاوت بمقدار فيض ينابيع الأدلة ونضوبها، وبمقدار وفرة العثور عليها واختفائها، وليس هذا التوفير وضده بعالة على استفراغ جهد الفقيه الناظر واستكمال نشاطه، بل إنَّ الأدلة على ذلك متفاوتة في الكثرة والقلة في أنواع التشريعات بحسب سعة وضيق الزمان الذي عرض في وقت التشريع، وبحسب كثرة وقلة الأحوال التي عرضت للأمة في وقت التشريع، ألا ترى أنَّ مسائل العبادات والآداب الشرعية أكثر أدلة وآثارًا عن الشارع في مسائل المعاملات والنوازل، إذ كان معظم التشريع قبل الهجرة مقصورًا على النوعين الأولين دون الثالث؛ لأن جهل الأمة في مبدأ أمرها بمعرفة الله ورسله واليوم الآخر والعبادات كان أعرق وأشد من جهلهم بطرائق الإنصاف في المعاملة، وعلى هذا فالحاصل للباحث عن المقاصد الشرعية قد يكون علمًا قطعيًّا أو قريبًا من القطعي.


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


وقد يكون ظنًّا ولا يعتبر ما حصل للناظر من ظنّ ضعيف أو دون، فإن لم يحصل له من عمله سوى هذا الظن الضعيف فليفرضه فرضًا مجردًا ليكون تهيئة لناظر يأتي بعده، كما أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ قال: «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وإن أعظم ما يهمّ المتفقهين إيجاد ثلة من المقاصد الشرعية ليجعلوها أصلًا يسار إليه في الفقه والجدل، وقد حاول بعض النظّار من علماء أصول الفقه أن يجعلوا أصولًا للفقه قطعية فطفحت بذلك كلمات منهم، لكنهم ارتبكوا في تعيين طريقة ذلك، وأحسب أن أول من حاول ذلك هو إمام الحرمين في كتابه (البرهان) فإنه قال في تفسير أصول الفقه: إنها القواطع في عرف الأصوليين، ولا شك أنه يعني بها القواطع من الأدلة السمعية، إذ لا سبيل إلى تحصيل القواطع العقلية إلا في أصول الدين.


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


ثم قال: وأقسامها: نصّ الكتاب، ونصّ السنة، والإجماع، قال المازري في شرحه على (البرهان): قيد في الدليلين الأولين ولم يقيد في الإجماع؛ لأمرين:
أن يكون جعل الألف واللام في الإجماع للعهد، يعني: الإجماع الذي هو حجة؛ أي حجة قاطعة.

ثم قال إمام الحرمين: فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا تلفى إلا في أصول الفقه وليست بقواعد، قلنا: حظ الأصول إبانة القاطع في وجوب العمل بها، ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط به الدليل، فجعل حظ القطعي من هذه الأمور الظنية هو القطع باعتبارها أدلة شرعية، يجب العمل بها على الجملة لا في تفصيل جزئياتها.


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


قال عز الدين بن عبد السلام في قواعده الفقهية في مبحث: ما خالف القياس من المعاوضات، بعد ذكر المثال الحادي والعشرين: "إن من عاشر إنسانًا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وسطر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فيها فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة".

مثال المقاصد الشرعية القطعية
ما يؤخذ من متكرر أدلة القرآن الكريم تكرارًا ينفي احتمال قصد المجاز والمبالغة، نحو كون مقصد الشرع التيسير فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ)) [البقرة: ١٨٥] وقال: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ)) هذا التأكيد الحاصل بقوله: (( وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ)) عقب قوله: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ)) قد جعل دلالة الآية قريبة من النصّ ويضم إليه قوله تعالى: (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) [الحج: ٧٨] وقوله تعالى في آخر سورة البقرة: (( رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا)) [البقرة: ٢٨٦] وقوله: (( رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)) [البقرة: ٢٨٦] وقوله تعالى: (( عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ)) [البقرة: ١٨٧] وقوله تعالى: (( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)) [النساء: ١٢٨] وقول النبي -صلى الله عليه وسلم:(( بعثت بالحنيفية السمحة)) وقوله: (( عليكم من الأعمال ما تطيقون)) وقوله: (( إن هذا الدين يسر وليس بالعسر)) وقوله لمعاذ وأبي ...


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


...موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: (( يسرا ولا تعسرا)) وقوله: (( إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)).
فمثل هذا الاستقراء يخول للباحث عن مقاصد الشريعة أن يقول: إن مقاصد الشريعة التيسير؛ لأن الأدلة المستقرأة في ذلك كله عمومات متكررة وكلها قطعية، قطعية النسبة إلى الشارع؛ لأنَّها من القرآن والقرآن الكريم قطعي الثبوت.
ومثال المقاصد الظنية القريبة من القطعي ما قاله الإمام الشاطبي في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة: الدليل الظني إما أن يرجع إلى أصل قطعي مثل قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (( لا ضرر ولا ضرار)) فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى، فإنَّ الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة الإسلامية كلها في وقائع جزئيات وقواعد كليات كقوله تعالى: (( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا)) [البقرة: ٢٣١] وقوله سبحانه وتعالى: (( وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)) [الطلاق: ٦] وقوله جل شأنه: (( لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)) [البقرة: ٢٣٣].
واعلم أن مراتب الظنون في فهم مقاصد الشريعة متفاوتة بحسب تفاوت الاستقراء المستند إلى مقدار ما بين يدي الناظر من الأدلة، وبحسب خفاء الدلالة وقوتها، فإنَّ دلالة تحريم الخمر على كون مقصد الشريعة حفظ العقول عن الفساد العارض دلالة واضحة، ولذلك لم يكد يختلف المجتهدون في تحريم ما يصل بالشارب إلى حد الإسكار، وأما دلالة تحريم الخمر فلأن مقصد الشريعة سدّ ذريعة إفساد العقل حتى نأخذ من ذلك تحريم القليل من الخمر وتحريم النبيذ الذي لا يغلب إفضاؤه إلى الإسكار فتلك دلالة خفية؛ ولذلك اختلف في مساواة تحريم الأنبذة بتحريم الخمر، وفي مساواة تحريم شرب قليل الخمر لشرب كثيره، فمن غلب ظنه بذلك ...


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


...سوى بينهما في التحريم وإقامة الحد والتجريح به، ومن جعل بينهما فرقًا لم يسوِّ بينهما في تلك الأمور، على أنه لاحتمال قيام المعارضات لشواهد استقراء الفقيه أثرًا بينًا في مقدار قوة ظنه وضعفه، كما تقرر ذلك في علم الحكمة، أي: إن أبعد العلوم عن الشك وأقربها إلى اليقين العلم الذي لا تتعارض فيه الأنظمة والنواميس، مثل علم الحساب ثم علم الرياضيات لقلة احتمالات المخالفة، ثم علم الطبيعة؛ لأن الباحث فيه وإن وجد القضية العلمية وهي الناموس الطبيعي فهو لا يجزم بانتفاء ناموس آخر يعاكس ذلك الناموس، ثم علم الفلسفة والنفس.
فإنَّ صاحب هذا المقام تلوح له عند النظر شواهد الأدلة بينة، لا يشذ عليه منها شيء أو إلا شيئًا قليلًا، فإنَّ قصر الاستقراء وامتد احتمال المعارض ضعف الظن بالمقصد الشرعي، والطريقة التي رسمها الفقهاء لأنفسهم في الاستدلال في الفقه وأصوله ألجأتهم بغير اختيار منهم إلى الاقتصار على الاستدلال بألفاظ الكتاب والسنة وأفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- وسكوته، وبالإجماع على أن تلك الأقوال قد تفيد أحكامًا كلية مثل قوله تعالى: (( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) [المائدة: ١] وقوله تعالى: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ)) وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: (( ما أسكر كثيره فقليله حرام)) وقوله -صلى الله عليه وسلم: (( لا ضرر ولا ضرار)).
وقد تفيد أحكامًا جزئية وهو الغالب كقوله -صلى الله عليه وسلم:(( أمسك يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر ثم أرسل إلى جارك)) والفقهاء -رحمهم الله- ينتزعون من كل ذلك فروعًا، إما بطريق تحقيق المناط في الأحكام الكلية؛ لأنَّ المنتزعات جزئيات لتلك القضايا الكلية، أو بطريق القياس في الأحكام الجزئية؛ لأنَّ المنتزعات مشابهة لتلك الجزئيات في...


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


... وصف آذنت به أحكامها على تفاوت بين الملحقات، بسبب ظهور الأوصاف التي بها الشبه وخفائها؛ لتفاوت مسالك العلم، ثم عمدوا إلى أحكام ثبت صدورها من الشارع في علم المجتهد، وخفي عنه مراد الشارع منها، فاتهم علمه وبذل جهده في جنب سعة الشريعة فسموه بالتعبدي، أي أن الشريعة تعبدتنا بذلك الحكم ولم تشرح مرادها منه في نظر ذلك المجتهد، روى البخاري عن أبي الزناد أنه قال: (إن السند ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بدًّا من اتباعها، وذلك أنَّ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة)، وفي (الموطأ) أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: (عجبًا للعمّة تورث ولا ترث) فكانت الأحكام عندهم قسمين: معلل، وتعبدي، وقد تفاوت المجتهدون في إثبات هذا النوع، غير أننا وجدنا الفقهاء الذين خاضوا في التعليل والقياس قد أوشكوا أن يجعلوا تقسيم أحكام الشريعة بحسب تعليلها ثلاثة أقسام: قسم معلل لا محالة وهو ما كانت علته منصوصة عمومًا عليها أو نحو ذلك، وقسم تعبدي محض وهو ما لا يهتدى إلى حكمته، وقسم متوسط بين القسمين وهو ما كانت علته خفية واستنبط له الفقهاء علة، واختلفوا فيه كتحريم ربا الفضل في الأصناف الستة، ومنع كراء الأرض على الإطلاق عند القائلين بالمنع على الإطلاق من الصحابة والتابعين.
وفي إثبات هذا النوع من العلل خطر على التفقه في الدين، فمن أجل إلغائه وتوقيه مالت الظاهرية إلى الأخذ بالظواهر ونفوا القياس، ومن الاهتمام به تفننت أساليب الخلاف بين الفقهاء وأنكر فريق منهم صحة أسانيد كثير من الآثار، ولقد نرى كثيرًا من الفقهاء الذين جعلوا من أصولهم التمسك بظاهر لفظ الشارع، أو بالوصف الوارد عند التشريع لم يسلموا من الوقوع فيما يشبه ...


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


...أحوال أهل الظاهر من الاعتبار بالتعبد، مثال: ما وقع لبعض الفقهاء من القول في آية القتل العمد الموجبة للقود، فقد نقل عن بعضهم أنه أخذ بما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (( كل شيء خطأ إلا السيف))، وعندي أنه أخذ بالصفة التي كانت الغالبة على آلات القتل في الزمن الذي ورد فيه حكم القود وهي السيف، ثم ألحق بالسيف كل آلة محددة بطريق القياس في وصف الأصل، ثم ألحق الخنق المزهق بالروح والحرق بالنار والذبح بالقصب بطريق القياس أيضًا، ووقف عند ذلك فنفى القصاص في القتل برمي صخرة صماء من علوّ على جالس تحته، والقتل بضرب الرأس بدبوس والإغراق مكتوفًا والتجويع أيامًا متوالية وما ذلك إلا لأنه جعل أصله في هذا الحكم اللفظ أو الوصف دون المقصد الشرعي.
وأنت إذا نظرت إلى أصول الظاهرية تجدهم يوشكون أن ينفوا عن الشريعة نوط أحكامها بالحكمة؛ لأنَّهم نفوا القياس والاعتبار بالمعاني، ووقفوا عند الظواهر فلم يجتازوها؛ ولذلك نرى حجاجهم وجدلهم لا يعدو الاحتجاج بألفاظ الآثار وأفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ويتجلى ذلك واضحًا إذا طالعت كتاب (الإعراب عن الحيرة والالتباس الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس) لابن حزم، فقد كان هذا الأصل محور مناظراته مع أصحاب القياس، على أن أهل الظاهر يقعون بذلك في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يرو فيه الشارع حكم من حوادث الزمان، وهو موقف خطير يخشى على المتردد فيه أن يكون نافيًا عن شريعة الإسلام صلاحها لجميع العصور والأقطار، ورحم الله الإمام أبا بكر ابن العربي إذ قال في كتاب (العارضة) عند الكلام على ...


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


... حديث افتراق الأمة وذكر مذهب الظاهرية فأنشد فيهم أبياتًا منها قوله:
قَالُوا الظَّواهِرُ أَصْلٌ لَا يَجُوزُ لَنَا   عَنْهَا الْعُدُولُ إِلَى رَأْيٍ وَلَا نَظَرِ
إِنَّ الظَّوَاهِرَ مَعْدُودٌ مَوَاقِعُهَا   فَكَيْفَ تَحْصِي بَيَانَ الْحُكْمِ فِي الْبَشَرِ
ولذلك كان واجب الفقه عند التحقق أن الحكم تعبدي أن يحافظ على صورته، وألا يزيد في تعبديتها كما لا يضيّع أصل التعبدية، ومثال ذلك كله يتضح في مسألة العول في الميراث فمقادير الفرائض مثبتة بنصّ القرآن متلقاة عند الأمة بتلقي التعبدي؛ لأنَّ الله تعالى أمر بذلك في قوله: (( آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)) [النساء: ١١] فلم يسع لنا زيادة في المقدار ولا نقص على حسب زيادة النفع أو البر أو الصلة وقلة ذلك، ثم لما نزل بالمسلمين حادث ميراث كانت فرائض أصحاب الفرائض فيه أكثر من المال المغموس، وكان ذلك في زمن عمر -رضي الله عنه- لم يتأخر عمر عن استشارة الصحابة وعن إعمال الرأي والتعليل في ذلك بطريقة العول، وتلك قضية أن امرأة ماتت وتركت زوجها وأمها وأختها فأشار العباس أو علي بن أبي طالب وقال: "أرأيت لو أن رجلًا مات وعليه لرجال سبعة دنانير ولم يخلف إلا ستة دنانير: أليس يجعل المال سبعة أجزاء ويدخل النقص على جميعهم؟ فصوبه عمر ومن حضر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم" فهنا نراهم قد احتفظوا على معنى التعبد في أصل إعطاء الجميع على نسبة واحدة، وفي عدم إهمال البعض من الورثة، ولكنهم لم يحتفظوا على معنى التعبد في المقادير؛ لتعذر ذلك فأدخلوا التعليل في هذا المكان خاصة.


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


وكان عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- يرى خلاف ذلك ويقول: "من باهلني باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددًا -يعني: الله سبحانه وتعالى- لم يجعل المال نصفًا ونصفًا وثلثًا -أي: لم يجعل في الأجزاء نصفين وثلثًا- قال: إن النقص يدخل على الأخت من مقدار فرضها؛ لأنها أضعف من الزوج ومن الأم" فابن عباس -رضي الله عنهما- لم يقل بالعول ويرى أن النقص يدخل على الأخت من مقدار فرضها؛ لأنها أضعف من الزوج ومن الأم؛ لأنها قد تنتقل من أن تكون ذات فرض إلى أن تكون من العصبة، أي: مع البنات، فأبى ابن عباس -رضي الله عنهما- من إدخال التعليل ومن نقص فرضي الأم والزوج، وجعل الأخت تأخذ البقية بطريقة أن المال قد نفد، فلم يعمل التعليل هنا ولكنه أعمل شيئًا من الترجيح بالتنظير.
وكان حقًّا على أئمة الفقه ألا يساعدوا على وجود الأحكام التعبدية في تشريع المعاملات، وأن يوقنوا بأن ما ادعي التعبد فيه منها إنما هو أحكام قد خفيت عللها، فإنَّ كثيرًا من أحكام المعاملات التي تلقاها بعض الأئمة، تلقي الأحكام التعبدية قد عانى المسلمين من جرائها متاعب جمة في معاملاتهم، وعلى الفقيه أن يجيد النظر في الآثار التي يتراءى منها أحكام خفيت عللها ومقاصدها ويمحص أمرها، فإن لم يجدها لها محملًا من المقصد الشرعي نظر في مختلف الروايات لعله أن يظفر بمسلك الوهم الذي دخل على بعض الرواة فأبرز مرويه في صورة تؤذن بأن حكمه مسلوب الحكمة والمقصد، وعليه أيضًا أن ينظر إلى الأحوال العامة في الأمة التي وردت تلك الآثار عند وجودها، مثال ذلك في الأمرين حديث رافع بن خديج وأنس بن مالك: (( أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المحاقلة)) -أي: ...


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


...كراء المزارع- فيقول ابن عمر: "كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسًا حتى جاء رافع بن خديج وأخبرنا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك". فهذا الحديث قد حمله ابن عباس على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم ينه عنه، ولكنه قال: لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ خراجًا معلومًا، وحمله الإمام مالك وابن شهاب وابن المسيب على تفسير أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المحاقلة، والمحاقلة كراء الأرض بالحنطة، ولذلك ترجم هذا الحديث مع غيره في (الموطأ) بترجمة المزابنة والمحاقلة، فلم ير للمحاقلة معنًى غير هذا.
وسلك بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- والأئمة مسلك النظر إلى الحالة التي هي مورد النهي، وهي ما ورد في حديث رافع بن خديج في صحيح البخاري: (( كنا أهل المدينة مزدرعًا، فكنا نكري الأرض بالناحية منها مسمًى لسيد الأرض -أي: بالزرع الذي يحصل في الناحية المعينة- فمما يصاب من ذلك وتسلم الأرض -أي: بقيتها- ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك -أي: ما في الناحية المعينة لرب الأرض- فنهينا عن ذلك، وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ)) وفي رواية: (( فلربما أنبتت هذه ولم تنبت الأخرى)) كل ذلك قال الليث بن سعد: "كأنّ -بتشديد النون- الذي نهى عنه من ذلك -أي: من كراء الأرض- ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة" رواه عنه البخاري في كتاب المزارعة


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


واعلم أن أبا إسحاق الشاطبي ذكر في المسألتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من النوع الرابع من كتاب (المقاصد) كلامًا طويلًا في التعبد والتعليل معظمه غير محرر ولا متجه، وقد أعرضت عن ذكره هنا، والكلام هنا للإمام ابن عاشور لطوله واختلاطه فإن شئت فانظره وتأمله ثم اعرضه على ما ذكرته لك هنا.
وجملة القول: إن لنا اليقين بأن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي حِكم ومصالح ومنافع، ولذلك كان الواجب على علماء الأمة تعرف علل التشريع ومقاصده ظاهرها وخفيها، فإن بعض الحكم قد يكون خفيًّا، وإن أفهام العلماء متفاوتة في التفضل لها، فإذا أعوز في بعض العصور الاطلاع على شيء منها، فإن ذلك قد لا يعوز من بعد ذلك، على أن من يعوزه ذلك يحقّ عليه أن يدعو نظرائه للمفاوضة في ذلك مشافهة ومراسلة؛ ليمكن لهم تحديد مقادير الأحكام المتفرعة من كلام الشارع، فإن هم فعلوا ذلك فاستمر عوز الكشف عن مراد الشارع وجب عليهم ألا يتجاوزوا المقدار المأثور عن الشارع في ذلك الحكم، ولا يفرعوا على صورته ولا يقيسوا فلا ينتزعوا منه وصفًا ولا ضابطًا؛ لأنَّ فوارق الأحوال المانعة من القياس تخفى عند عدم الاطلاع على العلة، ومن الفوارق مؤثر وغير مؤثر، وإذا جاز لنا أن نثبت أحكامًا تعبدية لا علة لها ولا يطلع على علتها فإنما ذلك في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية، فأما هذان فلا أرى أن يكون فيها تعبدية، وعلى ...


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


...الفقيه استنباط العلل فيها؛ ولذلك جزم الإمام مالك والإمام أبو حنيفة والشافعي -رحمهم الله جميعًا- بالقياس على الأصناف الستة: الربوية وهي الواردة في قوله -صلى الله عليه وسلم: (( الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يدًا بيد كيلًا بكيل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى))، فالأصناف الستة هم الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. هذه تسمى الأصناف الستة الربوية؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الربا في هذه الأصناف الستة، أي: عن الزيادة في بيعها، فلا تبيع أردب قمح بأردب وشيء زائد عليه من نفس القمح؛ لأنَّ ذلك يعتد ربًا فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (( يدًا بيد، سواء بسواء، أو كيل بكيل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى))، ومعلوم أنَّ الربا قد حرم في الإسلام.
فالإمام مالك وأبو حنيفة والشافعي جزموا بالقياس على الأصناف الستة الربوية باستنباط علة لتحريم ربا الفضل فيها، إلا أن جميعهم إنما استنبط لها علة ضابطة ولم يبين لها حكمة، فبعضهم يقول: إنَّ العلة هي القوت، وبعضهم يقول: إنَّ القوت مع الجنس أو الادخار مع الجنس أو الطعم مع الجنس أو الكيل والوزن مع الجنس، ولم يبينوا حكمة الشارع من هذه العلل. بهذا ينتهي كلام الطاهر ابن عاشور على مراتب مقاصد الشريعة الإسلامية بالقطعية والظنية، وأيضًا التعبدي والمعلل منها.


٤.٤ القطع والظن في علم الأصول


ننتقل بعد ذلك إلى مقاصد التشريع العامة، وبذلك نرى أنَّ المقاصد الشرعية دارت بين القطعية والظنية، ومعلوم أنَّ القطع هو الذي لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، فالإدراك القطعي هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، ومعلوم أنَّ المدارك ستة وهي: العلم، والقطع، وأيضًا الاعتقاد، والجهل، فالاعتقاد هو: الإدراك الجازم المطابق للواقع، والجهل هو: الإدراك غير الجازم غير المطابق للواقع، ثم يأتي بعد ذلك الإدراك غير الجازم، والإدراك غير الجازم هذا إما أن يكون إدراكًا لطرف راجح، أو إدراكًا لطرف مرجوح، أو يتساوى الطرفين في الإدراك، فالأول منها يسمى الظن، فالظن هو الإدراك الراجح، والوهم هو الإدراك المرجوح، والشك هو تساوي الطرفين. هذه جملة تفصيل المدارك العقلية.

٤.٤ القطع والظن في علم الأصول



٤.٤ القطع والظن في علم الأصول



٤.٤ القطع والظن في علم الأصول



٤.٤ القطع والظن في علم الأصول