![]() |
استعمل الإمام الشاطبي هذا التقسيم في عدة مواضع من كتابه (الموافقات) كما أن ابن تيمية -رحمه الله- نظر إلى المقاصد الأصلية المرادة من خطاب الشارع، كما نظر إلى المقاصد التابعة الفرعية لهذه الأصلية، والمعروف أن المقاصد التابعة الفرعية لا تناقض الأصلية، بل ترسخها وتثبتها، وإلا بطلت التابعة وحرمت، وأصبحت غير مقصودة للشارع، فالمقاصد الأصلية تمد المقاصد التابعة الفرعية وتثبتها والمقاصد التابعة الفرعية تكمل الأصلية وتحفظها، ومثال ذلك: النكاح فإنه مشروع للتناسل على القصد الأول، ويليه الطلب السكن، والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتجمل بالمرأة، والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج، ونظر العين، والازدياد من الشكر لمزيد من النعم من الله على عبده، وما أشبه ذلك، وذلك أن ما نص عليه من هذه المقاصد التوابع هو مثبت للمقصد الأصلي ومقوٍ لحكمته، ومستدع لطلبه وإدامته، ومستجلب لتوالي التراحم والتواصل والتعاطف التي يحصل بها قصد الشارع الأصلي من التناسل، فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما من شأنه ذلك مقصود للشارع أيضًا. |
![]() |
يقول ابن تيمية: الحسنات تعلل بعلتين: إحداهما: ما تتضمنه من جلب المصلحة والمنفعة، والثانية: ما تتضمنه من دفع المفسدة والمضرة، وكذلك السيئات، تعلل بعلتين: إحداهما: ما تتضمنه من المفسدة والمضرة، والثانية: ما تتضمنه من الصد عن المنفعة والمصلحة، ومثال ذلك: قول الله -تبارك وتعالى: ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)) [العنكبوت: ٤٥] فَبَيَّن الوجهين معًا، فقوله: ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)) بيان لما تتضمنه من دفع ... |
| ...المفاسد والمضار، فإن النفس إذا قام بها ذكر الله ودعاؤه لا سيما على الوجه المخصوص أكسبها ذلك صفة صالحة تنهانا عن الفحشاء والمنكر، كما يحث الإنسان من نفسه، وقوله: ((وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)) بيان لما فيه من المنفعة والمصلحة فما أمر به الشارع إما أن يكون مقصودًا للشارع أو لازمًا لمقصود الشارع، وهو ما لا يتم مقصود الواجب أو المستحب إلا به، والتعرف في المبحث الرخصة والعزيمة، اعتبر المقصود بالقصد الأول هو العزيمة، وأما الرخصة فمقصودة بالقصد الثاني، أي: التابع؛ لأنَّ العزيمة تمثل المصلحة الكلية الأصلية للتشريع، وأما الرخصة فجيء بها في بيان مواطن الحرج، قصد رفعه وهذه مصلحة جزئية عارضة؛ لذلك كانت العزائم مطردة مع العادات الجارية، والرخص جارية عند خرق تلك العادات. | |
![]() |
وقد ركز ابن تيمية -رحمه الله- فقال: النظر إلى المقاصد الأصلية والتبعية، وأن المقاصد التبعية مرادة ومقصودة للشارع إذا كانت مؤكدة ومثبتة للأصلية، وأن التبعية غير مقصودة للشارع إذا قصد بها إبطال المقاصد الأصلية، ومن هنا أبطل ابن تيمية -رحمه الله- الحيل، وحرم نكاح المتعة والتحليل، وذكر من أقسام الحيل أن يقصد حل ما حرم الشارع وقد حرمه من وجهين: |
![]() |
الوجه الأول: أنه ناقض الشارع. |
![]() |
الوجه الثاني: أنه قصد به مقصودًا ينافي حقيقته، ومقصوده الأصلي، كنكاح المحلل، فمن قال: بجوازه على اعتبار أن الرجل إذا قصد التحليل لم يقصد محرمًا، فإن عود المرأة إلى زوجها بعد زواج حلال، والنكاح التي يتوصل به إلى ذلك حلال، والحقيقة: أن عود المرأة إلى زوجها إنما هو حلال إذا وجد النكاح الذي هو النكاح، إذا قصد به ما يقصد بالنكاح، وليس المقصود بالنكاح في الشرع الطلاق. |
![]() |
مما تقدم نفهم أن هذا المسلك -من مسالك الطرق إثبات مقاصد الشريعة، والتي يتعلق بالعبادات، وفي مسألة خطيرة ألا وهي الابتداع في الدين، والتلاعب بالعبادات، وقد قصد بذلك ضرب البدع، وإغلاق الباب أمام المبتدعين، والالتزام بالعبادات، فروضها، وواجباتها، وسننها ومستحباتها، دون أي زيادة وابتداع، ومن المستغرب: أن هذا المسلك لم يتطرق له العلامة ابن عاشور -رحمه الله- في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية) والذي علق عليه الدكتور أحمد الريسوني بقوله: وواضح أيضًا أنَّ هذا المسلك، سكوت الشارع عن الحاكم أضيق مجالًا بالنسبة للمسائل الأخرى؛ ولهذا فهو أقلها أهمية، ومن هنا أهمله الشيخ ابن عاشور، ولم يقل به، بل لم يذكره. |