٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم


استعمل الإمام الشاطبي هذا التقسيم في عدة مواضع من كتابه (الموافقات) كما أن ابن تيمية -رحمه الله- نظر إلى المقاصد الأصلية المرادة من خطاب الشارع، كما نظر إلى المقاصد التابعة الفرعية لهذه الأصلية، والمعروف أن المقاصد التابعة الفرعية لا تناقض الأصلية، بل ترسخها وتثبتها، وإلا بطلت التابعة وحرمت، وأصبحت غير مقصودة للشارع، فالمقاصد الأصلية تمد المقاصد التابعة الفرعية وتثبتها والمقاصد التابعة الفرعية تكمل الأصلية وتحفظها، ومثال ذلك: النكاح فإنه مشروع للتناسل على القصد الأول، ويليه الطلب السكن، والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتجمل بالمرأة، والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج، ونظر العين، والازدياد من الشكر لمزيد من النعم من الله على عبده، وما أشبه ذلك، وذلك أن ما نص عليه من هذه المقاصد التوابع هو مثبت للمقصد الأصلي ومقوٍ لحكمته، ومستدع لطلبه وإدامته، ومستجلب لتوالي التراحم والتواصل والتعاطف التي يحصل بها قصد الشارع الأصلي من التناسل، فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما من شأنه ذلك مقصود للشارع أيضًا.
يقول ابن تيمية: الحسنات تعلل بعلتين: إحداهما: ما تتضمنه من جلب المصلحة والمنفعة، والثانية: ما تتضمنه من دفع المفسدة والمضرة، وكذلك السيئات، تعلل بعلتين: إحداهما: ما تتضمنه من المفسدة والمضرة، والثانية: ما تتضمنه من الصد عن المنفعة والمصلحة، ومثال ذلك: قول الله -تبارك وتعالى: ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)) [العنكبوت: ٤٥] فَبَيَّن الوجهين معًا، فقوله: ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)) بيان لما تتضمنه من دفع ...


٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم


...المفاسد والمضار، فإن النفس إذا قام بها ذكر الله ودعاؤه لا سيما على الوجه المخصوص أكسبها ذلك صفة صالحة تنهانا عن الفحشاء والمنكر، كما يحث الإنسان من نفسه، وقوله: ((وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)) بيان لما فيه من المنفعة والمصلحة فما أمر به الشارع إما أن يكون مقصودًا للشارع أو لازمًا لمقصود الشارع، وهو ما لا يتم مقصود الواجب أو المستحب إلا به، والتعرف في المبحث الرخصة والعزيمة، اعتبر المقصود بالقصد الأول هو العزيمة، وأما الرخصة فمقصودة بالقصد الثاني، أي: التابع؛ لأنَّ العزيمة تمثل المصلحة الكلية الأصلية للتشريع، وأما الرخصة فجيء بها في بيان مواطن الحرج، قصد رفعه وهذه مصلحة جزئية عارضة؛ لذلك كانت العزائم مطردة مع العادات الجارية، والرخص جارية عند خرق تلك العادات.
وقد ركز ابن تيمية -رحمه الله- فقال: النظر إلى المقاصد الأصلية والتبعية، وأن المقاصد التبعية مرادة ومقصودة للشارع إذا كانت مؤكدة ومثبتة للأصلية، وأن التبعية غير مقصودة للشارع إذا قصد بها إبطال المقاصد الأصلية، ومن هنا أبطل ابن تيمية -رحمه الله- الحيل، وحرم نكاح المتعة والتحليل، وذكر من أقسام الحيل أن يقصد حل ما حرم الشارع وقد حرمه من وجهين:
الوجه الأول: أنه ناقض الشارع.

٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم


الوجه الثاني: أنه قصد به مقصودًا ينافي حقيقته، ومقصوده الأصلي، كنكاح المحلل، فمن قال: بجوازه على اعتبار أن الرجل إذا قصد التحليل لم يقصد محرمًا، فإن عود المرأة إلى زوجها بعد زواج حلال، والنكاح التي يتوصل به إلى ذلك حلال، والحقيقة: أن عود المرأة إلى زوجها إنما هو حلال إذا وجد النكاح الذي هو النكاح، إذا قصد به ما يقصد بالنكاح، وليس المقصود بالنكاح في الشرع الطلاق.

طرق إثبات المقاصد الشرعية
من طرق إثبات المقاصد الشرعية: سكوت الشارع عن الحكم: سكوت الشارع عن الحكم هو ضربان اثنان:

الضرب الأول

أن يسكت عن الحكم؛ لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقدر لأجله، كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنها لم تكن موجودة، وإنما حدثت بعد ذلك؛ فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها، وإجرائها على ما تقرر في كلياتها، كجمع المصحف وتدوين العلم، فجمع المصحف جاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبي بكر الصديق، وقال له: يا خليفة رسول الله، إن القراء قد ذهبوا في حرب، فأرى أن يجمع المصحف حفاظًا على ...


٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم


... القرآن الكريم، فقال له أبو بكر: كيف أفعل فعلًا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال له: يا خليفة رسول الله، والله إنه لهو الخير، وما زال به عمر -رضي الله عنه- حتى شرح الله صدره لما شرح له صدر عمر، فأرسل إلى زيد بن ثابت، وطلبا منه أن يجمع المصحف، فقال كيف تفعلان فعلًا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالا له: إنه هو الخير، وما زالا به حتى شرح الله صدر زيد لما شرح له صدر أبي بكر وعمر، وكلف زيد بن ثابت بجمع المصحف بشرط أنّ يشهد على كل آية يضعها في المصحف شاهدين، رجلين أو رجل وامرأتين: إنهما سمعاه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيقول زيد: والله لو كلفني بحمل جبل أحد لكان أوهن علي من ذلك، فذهب زيد يجمع المصحف من صدور الرجال، ومن عسف النخل، ومن الجلود، ومن عظام الحيوانات... وغيرها، حتى بقي آيتان لم يجدهما ولم يجد يحفظهما إلا هو، وهما آخر سورة التوبة، فلم يجد غير واحد من الصحابة كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جعل شهادته تعدل شهادة رجلين في موقعة حصلت قبل ذلك، وتم جمع المصحف الكريم، وتحقق بذلك وعد الله -سبحانه وتعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر: ٩] فجمع المصحف لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن حدث بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فاحتاج القائمون على الأمر إلى النظر في ذلك كما رأينا، وإجرائها على ما تقرر في الكليات.


٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم


الضرب الثاني

أن يسكت عنه، وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكمًا عند نزول النازلة زائدًا على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب المسكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع ألا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هناك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عندما حد هناك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه، كما أن الإمام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: الترك الراتب سنة كما أن الفعل الراتب سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتضىً، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعضه من المقتضيات والشروط، وجواز المانع ما دلت عليه الشريعة حينئذٍ، كجمع القرآن في مصحف، وجمع الناس في التراويح على إمام واحد، وتعلم العربية، وأسماء النقلة للعلم، وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، وحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه -صلى الله عليه وسلم- لفوات شرط أو لوجود مانع، فأما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعًا لفعله، أو أذن فيه، ولو فعله الخلفاء بعده والصحابة فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلال، ويمتنع القياس في مثله، وإن جاز القياس في النوع الأول، وهل مثل قياس صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف على الصلوات الخمس في أن يجعل لها آذان وإقامة كما فعله بعض المروانية في العيدين، وقياس حجرته -صلى الله عليه وسلم- ونحوها من مقابر الأنبياء على بيت الله في الاستلام والتقبيل، ونحو ذلك من الأقيسة التي تشبه ...


٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم


...قياس الذين حكى الله تعالى عنهم ((إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)) [البقرة: ٢٧٤] فكل آمر يكون المقتضى لفعله على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موجودًا ولو كان مصلحة، ولم يفعله -صلى الله عليه وسلم- يعلم فإنه ليس بمصلحة، وأن ما حدث للمقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق، فقد يكون مصلحة.

والحقيقة: أنَّ لهذا المسلك أهمية عظيمة في الوقوف في وجه المستحدثين، وأصحاب البدع، فلا بد من الالتزام بالعبادات دون أي زيادة أو ابتداع في هذا الدين الذي اختاره الله لنا ليحقق كل المصالح الدنيوية والأخروية.

٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم


مما تقدم نفهم أن هذا المسلك -من مسالك الطرق إثبات مقاصد الشريعة، والتي يتعلق بالعبادات، وفي مسألة خطيرة ألا وهي الابتداع في الدين، والتلاعب بالعبادات، وقد قصد بذلك ضرب البدع، وإغلاق الباب أمام المبتدعين، والالتزام بالعبادات، فروضها، وواجباتها، وسننها ومستحباتها، دون أي زيادة وابتداع، ومن المستغرب: أن هذا المسلك لم يتطرق له العلامة ابن عاشور -رحمه الله- في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية) والذي علق عليه الدكتور أحمد الريسوني بقوله: وواضح أيضًا أنَّ هذا المسلك، سكوت الشارع عن الحاكم أضيق مجالًا بالنسبة للمسائل الأخرى؛ ولهذا فهو أقلها أهمية، ومن هنا أهمله الشيخ ابن عاشور، ولم يقل به، بل لم يذكره.

٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم



٣.٣ دلالة المقاصد الأصلية على التبعية وسكوت الشارع عن الحكم