٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
ضرورة العلم باللغة العربية واللسان العربي
 |
إن العلم باللغة العربية أمر ضروري لإمكانية فهم الكلام فهمًا سليمًا، ولمعرفة مقاصد نصوص الوحي ومراده، فاللغة إنما هي أداة تواصل وتعبير عما يتصوره الإنسان ويشعر به، فهي وعاء للمضامين المنقولة سواء كان مصدر هذه المضامين الوحي أم الحس أم العقل، كما أنها أداة لتمحيص المعرفة الصحيحة، ولضبط التخاطب السليم فهي من لوازم المنهج العلمي؛ لذلك يرى ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم) أن تعلم اللغة العربية من الدين، وأنه فرض واجب لفهم مقاصد الكتاب والسنة ومراد الشارع من خطابه، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان -أي الكتاب والسنة- إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. |
 |
إذن مقدمة الواجب واجبة، فإذا كان العلم بكتاب الله يتوقف على العلم باللغة العربية لفظًا ومعنى، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وما جاء في الكتاب مفروضًا، وما جاء للأدب والإرشاد والإباحة أي الفرق بين الأمر الذي هو للوجوب على أصله، وبين الأمر الذي دلت عليه القرائن والأدلة على أنه ليس للوجوب؛ لأنه معلوم أنَّ الأمر يأتي للوجوب حقيقة، ففعل الأمر إذا تجرد عن القرائن فهو للوجوب مثل قوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاة)) [البقرة: ٤٣] فهنا الأمر تجرد عن القرائن فهو حقيقة في الوجوب أما إذا احتفت به قرينة تصرفه من الوجوب إلى غيره فلا يكون للوجوب، كما في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)) [البقرة: ٢٨٢] كلمة ((فَاكْتُبُوهُ)) فعل ... |
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
|
... أمر ومع ذلك فكتابة الدين ليست واجبة؛ لأنَّ هناك قرينة مقالية، أي: قرينة لفظية بعد ذلك في قوله تعالى: ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ)) [البقرة: ٢٨٣]. هذه القرينة أخرجت فعل الأمر من الوجوب إلى الندب. |
 |
أيضًا قوله تعالى: ((كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين)) [البقرة: ٦٥] هذا أمر وليس للوجوب، إنما هو للتسخير والتكوين. أيضًا قوله تعالى: ((فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)) [النور: ٣٣] فهناك قرينة حالية أخرجت الأمر هنا من الوجوب إلى الندب، وهي القرينة الحالية هي أنَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندهم عبيد، وهؤلاء العبيد كان فيهم خير كثير، ومع ذلك لم يكاتبوهم ولم ينكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليهم عدم مكاتبتهم، فدل ذلك على أن الأمر بالمكاتبة ليس بواجب. |
 |
الأصل في معرفة مقاصد الشارع هو ما يدلنا عليه من مراده بتصرفاته وعاداته، واللغة العربية وسيلة لذلك، فهي محكومة لا حاكمة، ومن الضروري هنا لفت النظر إلى أنه ما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، ولما كان الكلام يقصد به تيسير التفاهم بين الناس، فإن الأصل فيه يحمل على ما يتبادر إلى الأذهان من معانيه وهو الظاهر إلا إذا دلت قرائن لغوية أو حالية على أن الظاهر ليس هو المقصود في هذا المقام، فنلجأ عند ذلك إلى التأويل كما وضح هذا القول الإمام الشافعي -رحمه الله- فقال: فكل كلام كان عامًّا ظاهرًا في ... |
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
|
...سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو على ظهوره وعمومه حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأبي هو وأمي يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في ظاهر بعض الجملة دون بعض. |
 |
ومن هنا جاء اتفاق من يعتد برأيه من الأصوليين على وجوب العمل بما دل عليه النص والظاهر حتى يقوم دليل التأويل أو النسخ، وإن اختلفوا بعد ذلك في هذا الوجوب، هل الوجوب هذا هو على سبيل القطع أم على سبيل الظن فقط؟ بناء على اختلافهم في الاحتمال البعيد الناشئ عن غير دليل هل يطعن في قطعية الدلالة وفي قطعية الدليل أم لا يطعن في ذلك؟ وبناء على كل ذلك فإنه لا داعي إلى صرف اللفظ عن ظاهره إلا في حالة معارضته لنصوص شرعية أخرى، أو معارضته لأصول الشريعة ومبادئها العامة، أو معارضة معناه لصريح العقل. |
 |
فإذا ما روعيت هذه الأمور جميعها فإنَّ الفجوة بين العلماء والأصوليين لا بد وأنها ستضمر وتنتهي الخلافات، وبهذا نكون قد أوضحنا ما للغة العربية من دور مهم وأساسي في إثبات المقاصد الشرعية ومعرفتها. |
 |
يأتي بعد ذلك الكلام على سياق الخطاب: إذا فهم الخطاب فهم القصد من المتكلم، وإن كان الخطاب مبهمًا لم يعلم المقصود، فالعلاقة بين المقاصد والخطاب الشرعي علاقة وطيدة جدًّا، إذ هما توءمان لا ينفصمان فهما وسيلة إلى إدراكها وفهمها مع كون منبعها ومصدرها، وعند الكلام لا بد من ربطه ببعضه أوله بآخره وسببه بهدفه حتى يمكن معرفة المراد منه، فيكون طريق فهم المراد تقدم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة، ثم إن كان نصًّا لا يحتمل التأويل كفى فيه معرفة اللغة، وإن تطرق إليه ... |
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
|
...الاحتمال فلا يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة إلى اللفظ، والقرينة إما لفظ مكشوف -كما قلنا هي القرينة المقالية- وإما إحالة على دليل الفصل وهي القرينة الحالية، وإما قرائن وأحوال من إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق لا تدخل تحت الحصر والتخمين، وكل ما ليس له عبارة موضوعة في اللغة فتتعين فيه القرائن. |
 |
ولا بد هنا أن نشير إلى أهمية سياق الخطاب، فإنَّ السامع للكلام مشافهة غالبًا ما يكون أدرى بمقصود المتكلم ممن نقل إليه الكلام، وربّ مبلغ أوعى من السامع، ولذلك كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أدرى الناس جميعًا بمقاصد الشريعة. |
 |
إن لسياق الخطاب دور كبير في معرفة مقاصد الشرع، وذلك في مجالين: |
فهم الكتاب والسنة وتفسيرهما، ومعرفة المراد بهما والاستنباط منهما.
معرفة الاستدلال لهما، والاعتراض والجواب، وطرد الدليل أو نقضه، وهذا نافع في كل علم خبري أو إنشائي، وفي كل استدلال أو معارضة من الكتاب والسنة وفي سائر أدلة الخلق.
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
العناصر التي تتحكم في فهم الخطاب
فهي كثيرة، منها:
 |
العنصر الأول: لغة الخطاب فكلما كانت لغة الخطاب أكثر سهولة ووضوحًا كلما كان إدراك الخطاب المقصود منها أيسر وأسهل، ويتحكم في وضوح لغة الخطاب أمران: |
|
 |
الأول نوع الكلمات التي يختارها المخاطب أي المتكلم وأسلوبه وفصاحته. |
|
 |
الثاني: طبيعة اللغة نفسها فمنها ما يحتمل معنى واحدًا، ومنها ما يحتمل أكثر من معنى على التساوي أو على ترجيح أحدهما على الآخر، ومنها ما يحتاج إلى بيان للمتكلم نفسه، أو عن طريق قرائن ودلائل، فما يحتمل معنى واحدًا مثل كلمة "محمد" علمًا على ذلك الإنسان بالذات فهو لا يحتمل غيره، أما ما يحتمل معنيين متساويين فمثلًا كلمة "قرء" تحتمل أن تكون للطهر، وتحتمل أن تكون للحيض، وهذا ما يسمى بالاشتراك اللفظي. |
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
 |
أما ما يحتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر فكالحقيقة والمجاز، فمثلًا كلمة "أسد" تحتمل أن تكون للحيوان المفترس هذا هو معناها الحقيقي إذا تجرد عن القرائن، ويحتمل أن تكون معناه الرجل الشجاع إذا اقترنت به قرينة، ويدخل تحت هذه الفكرة فهم اللغة على معهود العرب، أي إدراك أساليب العرب في خطابها بحيث لا تحمل على غير ما تعارفوا بها من معانٍ، فمعرفة معهود العرب في التخاطب مهم جدًّا في فهم كثير من النصوص القرآنية خاصة في العموم والخصوص، والتقديم والتأخير، والإظهار والحذف، والتأكيد وغير ذلك كما تضح أهمية أساليب العرب في الخطاب في الترجيح بين الاحتمالات الواردة في معنى نص من النصوص وما يشكل من الألفاظ. |
 |
العنصر الثاني الذي يتحكم في فهم الخطاب: المخاطِب، وهو المتكلم، والمخاطِب هنا العنصر الثاني المتحكم في فهم الخطاب، ويكون من عدة جوانب: |
|
 |
قدرة المخاطب على التعبير عما يريد تبليغه للمخاطبين مما يعرف بالفصاحة والبلاغة، وكان -صلى الله عليه وسلم- أفصح العرب، وقد أوتي جوامع الكلم، حيث قال -صلى الله عليه وسلم: ((أنا أفصح من نطق بالضاد)) وقال: ((أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي)) ومنها: ((وأوتيت جوامع الكلم)). |
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
|
|
 |
أولًا: قرائن معنوية كالإسناد والتخصيص والنسبة والتبعية. |
|
|
 |
ثانيًا: قرائن لفظية، كالعلاقة الإعرابية والتقديم والتأخير، والصيغة والمطابقة، والربط وغير ذلك، وكلا القرينتين تحدد المعنى النحوي للكلمات ووضوح المعنى للمقال، ثم ينظر هل هذا المعنى هو ظاهر النص أي المقصود أم أن هناك قرائن تحدد المقصود منه؟ |
|
 |
النوع الثاني: السياق الاجتماعي: ويدخل فيه الظروف الاجتماعية والنفسية السائدة، ويدخل فيه أيضًا أسباب النزول، وأسباب ورود الحديث ووقت ورود النص الشرعي، هذه الظروف كلها مجتمعة تجعل من العسير جدًّا على غير أهل هذه البيئة التفاعل مع الخطاب بهذه اللغة، وفي هذه الظروف، ومن هنا نرى التفسيرات الخاطئة من قبل كتاب المستشرقين للنصوص الشرعية، والأحداث التاريخية، حتى إذا تجاوزنا تحامل هؤلاء وأحقادهم وسوء نواياهم، فمثلًا: هؤلاء لا يمكن أن يدركوا مرتبة الإيثار التي وصل إليها الصحابة -رضوان الله عليهم- وإخلاصهم لدينهم، ولو على حساب مصالحهم الشخصية، فالكلام المشافه به أوضح دلالة على مراد المتحدث من المنقول أو المكتوب؛ بسبب افتقاره لقرائن تساعده على دفع الاحتمالات التي تتطرق إلى الكلام، وقد لا يقصدها المتكلم من كلامه.
كون الصحابة أقرب الناس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وألصقهم به جعلهم من أفقه وأفهم البشر بمقاصده -صلى الله عليه وسلم- فالخلفاء الراشدون وسائر العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم، هم أعلم ... |
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
|
|
...الأمة وأخصها بعلم الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما أنه من الطرق التي نتعرف بها على مقاصد الشارع الاهتداء بالصحابة -رضي الله عنهم- والاقتداء بهم في فهم الأحكام من الكتاب والسنة وتطبيقها على الواقع، وذلك لما توفر فيهم من صدق الإيمان، وفصاحة اللسان، وأصول البيان، ومعاصرتهم لنزول القرآن، ومشاهدتهم لمن كلف ببيان القرآن بأفعاله وأقواله وتقريراته؛ ولذلك نرى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) وقد كان الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها، وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده، ولم يكن أحد منهم يظهر له مراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم يعدل إلى غيره البتة.
والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه، وتارة من عموم علته، والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبير.
فالصحابة -رضي الله عنهم- جميعًا عاصروا نزول الوحي والتشريع ودافعوا عنه، ونصروه، فهم أجدر الناس بفهم ومعرفة مقاصده، عن طريقهم وصلت الشريعة إلينا؛ لذا كان الصحابة -رضوان الله عليهم- جديرين أن نجعلهم قدوتنا في فهم مقاصد الشريعة، فقد منحوا حقائق العبادات وخالص الديانات وإحاطة بأسرار الأمور وبواطنها ما لم يمنح غيرهم، كيف لا يكون ذلك، وقد نهلوا من رأس النبع الصافي الذي لا غبار عليه أبدًا.
|
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
|
ومن الأمور المهمة الدالة على اهتمام الصحابة الكرام بالمقاصد قول ابن تيمية -رحمه الله- إن المقاصد التي يحبها الله ويرضاها التي حصلت لأبي بكر أكمل مما حصل لعمر، والتي حصلت لعمر أكمل مما حصل لعثمان، والتي حصلت لعثمان أكمل من التي حصلت لعلي، وأن الصحابة كانوا أعلم الخلق بالحق، وأتبعهم له، وأحقهم بالعدل، وأنه لم يقدح فيهم إلا مفرط في الجهل بالحقائق التي بها يستحق المدح والتفضيل، وبما أتاهم الله من أن يهديهم إلى سواء السبيل، كما أكد ونبه ابن رشد على إدراك الصحابة للمقاصد إذا كانوا هم أقعد بمفهوم الأحوال، ودلالات الأقوال، وهؤلاء الصحابة الكرام أفضل الأمة رأيًا وأبرها قلوبًا؛ لأنهم فهموا مقاصد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وشاهدوا أفعاله وأحواله وسيرته. |
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد
٢.٣ دور اللغة العربية في فهم النصوص واهتمام الصحابة بالمقاصد