١.٣ طريق الاستقراء


تعريف الاستقراء
الاستقراء لغةً: استقرأت الأشياء أي تتبعت أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصها، وأما استقرأه معناه طلب إليه أن يقرأ.
أما الاستقراء اصطلاحًا: فهو الحكم على كليّ لوجوده في أكثر جزئياته؛ لأن الحكم لو كان في جميع جزئياته لم يكن استقراءً بل كان قياسًا مقسمًا، يسمى هذا استقراء؛ لأنَّ مقدماته لا تحصل إلا بتتبع الجزئيات، كقولنا: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ؛ لأنَّ الإنسان والبهائم والسباع كذلك، وهو استقراء ناقص، وهذا الاستقراء الناقص لا يفيد اليقين، وإنما يفيد الظن لجواز أي وجود جزئي لم يستقر، ويكون حكمه مخالفًا لما استقرئ كالتمساح فإنه يحرك فكه الأعلى عند المضغ.
أما الإمام الغزالي -رحمه الله- فقد عرّف الاستقراء بقوله: الاستقراء عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات، مثال ذلك قولنا: الوتر ليس بفرض؛ لأنه يؤدى على الراحلة، والفرض لا يؤدى على الراحلة، فيقال: عرفناه بالاستقراء، إذ رأينا القضاء والأداء والمنذور وسائر أصناف الفرائض لا تؤدى على الراحلة، فقلنا: كل فرض لا يؤدى على الراحلة.
ولقد كان الإمام الشاطبي مهتمًّا، بل حريصًا على تتبع الأدلة الاستقرائية، حيث يعتبرها من الأمور المهمة، وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت القطع، ومعلوم أن القطع أو أن الشيء المقطوع به هو ...


١.٣ طريق الاستقراء


...الذي لا يحتمل معه احتمالًا آخر، أما المظنون فهو الذي يحتمل معه احتمالًا ولو كان مرجوحًا، كما أنَّ الإمام الشاطبي -رحمه الله- ربط بين الاستقراء والكشف عن مقاصد الشريعة في بداية كتابه (الموافقات) بقوله:
ولما بدا من مكنون السر ما بدا ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى، ثم أذل وقيد من أوابده، وأضم من شوارده تفاصيل وجمل معتمدة على الاستقراءات الكلية، وغير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبينًا أصولها النقلية بأطراف من القضايا الفعلية حسب ما أعطته الاستطاعة والمنة في بيان مقاصد الكتاب والسنة.


١.٣ طريق الاستقراء


أنواع الاستقراء

إن الاستقراء نوعان:
استقراء الأحكام المعروفة عللها الآثر إلى استقرار ذلك العلل المثبتة بطرق مسالك العلة، فإن باستقراء العلل حصول العلم بمقاصد الشريعة الإسلامية بسهولة؛ لأننا إذا استقرأنا عللًا كثيرة متماثلة في كونها ضابطًا لحكمة متحدة أمكن أن نستخلص منها حكمة واحدة، فنجزم بأنها مقصد شرعي، كما يستنتج من استقراء الجزئيات تحصيل مفهوم كلي بحسب قواعد المنطق، وقد ذكر عدة أمثلة في ذلك.

١.٣ طريق الاستقراء


وقد قسم الدكتور يوسف العالم إلى نوعين أيضًا نفس تقسيم العلامة ابن عاشور:
استقراء الأحكام باستقرائنا للأحكام التي عرفت عللها وهذا الاستقراء في الواقع يئول إلى استقراء تلك العلل المثبتة أو المثبتة بطريقة مسالك العلة، فإن باستقراء العلل يحصل العلم بمقاصد الشريعة بسهولة.

١.٣ طريق الاستقراء


ومنهم من جعل أنواع الاستقراء أيضًا نوعان:
استقراء تام وهو ما يكون فيه حصر الكلي في جزئياته، ثم إجراء حكم واحد على تلك الجزئيات؛ ليتعدى ذلك الحكم إلى ذلك الكلي، فلا بد في الاستقراء التام من تصحف جميع الجزئيات؛ ليحكم بما ثبت لجميعها بثبوته في الكلي.

١.٣ طريق الاستقراء


يقول الدكتور يوسف العالم: إذا استقرينا موارد الأحكام التي جاء بها الكتاب والسنة وجدنا جميعها ترمي إلى تحقيق مقاصد الشارع من تشريع تلك الأحكام، ثم راح يوضح ما جاء في الكتاب من موارد الأحكام التي تحقق مقاصد الشرع، كقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [النحل: ٩٠] والمقصود هنا مراعاة التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل شيء، فالعدل بين الناس مقصود للشارع، ويبرز هذا المعنى تصريح الآية بمفهوم المخالف للعدل المأمور به، وهو النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي. وقد ذكر الكثير من الأمثلة في كتاب الله نرى أن نرجع إليها بعد قليل -بإذن الله.
ثم ذكر استقراء ما جاء به في السنة المطهرة من أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- ذاكرًا في ذلك أمثلة كقوله -صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) فقد جمع -صلى الله عليه وسلم- حقيقة الدين بين طرفين اثنين، بدأ أولهما بعقيدة التوحيد من هذه البداية منتهيًا بآخر الطرف الثاني وهو أبسط نموذج لخدمة المقاصد العامة، كإماطة الأذى عن الطريق، وبذلك ندرك أنَّ مقاصد الشارع بين وجوه المصالح كبيرة كانت هذه المصالح أو صغيرة.

١.٣ طريق الاستقراء


حجية الاستقراء
إنَّ الاستقراء إن كان تامًّا صالح للقطعيات، وإن لم يكن تامًّا لم يصلح إلا للفقهيات؛ لأنه مهما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن أنَّ الآخر كذلك، والاستقراء التام هو حجة بلا خلاف؛ لأنَّ الحكم إذا ثبت لكل فرد من أفراد شيء على التفصيل فهو لا محالة ثابت لكل أفراده على الإجمال، بينما الاستقراء الناقص ففيه خلاف؛ لأنَّ بعض الجزئيات يحتمل أن تتخلف عن الحكم، فهو يفيد الظن الغالب، وقد احتج الشافعي -رحمه الله- بالاستقراء في مواضع كثيرة، كما أنَّ المقاصد الاستقرائية تمتاز بالقطع، فقد أكد الشاطبي -رحمه الله- على قطعية الاستقراء سواء أكان تامًّا أو ناقصًا متجاهلًا بذلك ما يتردد عن كثير من الأصوليين والمناطقة من كون الاستقراء الناقص يفيد الظن ولا يفيد العلم اتباعًا منهم للمنطق الأرسطي.
وقد يكون صدق نتيجة الاستقراء تامًا أي يقينيًا، وقد يكون في غاية الرجحان دون الوصول إلى مرتبة اليقين، وفي كلتا الحالتين يجب العمل به؛ لأنَّ العمل بالقضايا الراجحة أمر لا مفر منه، وإلا تعطلت الحياة البشرية ليس فقط في جانبها التشريعي، بل في جميع مناحيها، ومَنْ مِن الناس في هذا الكون يستطيع الزعم بأنه لا يعمل إلا بما يتوفر له فيه عنصر اليقين المنطقي؟! نعم، يشترط اليقين في جانب العقائد لماذا؟ لخطورتها في حياة البشرية، أما الأحكام العملية فيكفي فيها الظن الراجح، وعلى ذلك فالأحكام العلمية تحتاج إلى اليقين التي هي متعلقة بأصول الدين والعقائد، أما الأحكام العملية التي هي متعلقة بأعمال المكلفين وأفعالهم فيكفي فيها الظن الراجح.


١.٣ طريق الاستقراء


وليس من اللازم استقصاء جميع الجزئيات الموجودة والمتوقع وجودها، وإنما يكفي أن نثبت أن معنى من المعاني، أو قيمة من القيم مقصود للشارع من خلال طلب الشارع تحصيله أو اجتنابه وإزالته، ومن خلال بثّ ذلك في عدد كبير من أحكامه وتصرفاته، فيكون المستوى الثاني خادمًا ومكملًا للمستوى الأول، وهذا الذي يجب أن يفهم من الاستقراء المعنوي.
ولما كان الاستقراء المعنوي في مجال إثبات المقاصد لا يعني كثيرًا بمحاولة استقصاء جميع الجزئيات وهو ما يسمى بالاستقراء التام؛ لأنَّ المقصود بالدرجة الأولى هو إثبات المقصد، وهو معنى من المعاني الذي بَيَّنَها الشارح في أحكامه، أي إثبات كون الشارع قاصدًا إلى اعتباره في أحكامه، وليس المقصود استقراء وجود ذلك المقصد في كل التصرفات والأحكام، كان اشتراط كون الاستقراء تامًّا في الكشف عن مقاصد الشارع ليس فقط عسير التحقيق، وإنما لا تدعو إليه ضرورة ولا حاجة.
ومن أمثلة القرآن الكريم في اعتبار المنهج الاستقرائي للاستدلال قوله -سبحانه وتعالى- في سورة الإسراء: ((كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا)) [الإسراء: ٣٨] ورد هذا بعد استقراء الآيات السابقة أمهات الرذائل التي ينبغي اجتنابها.

١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء


noteit
وبهذا نكون قد ألقينا شيئًا من الضوء على مفهوم حقوق الإنسان وواجباته في القرآن والسنة.

١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء



١.٣ طريق الاستقراء