٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


من المعلوم أنَّ قصد الشارع من وضع الشريعة هو دخول المكلف تحت أحكامه، ليخرج بذلك عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما أنه عبد له اضطرارًا، وقد جاءت الأدلة بذلك كما تقدم في إثبات مقاصد الشرع من التشريع، كما جاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية بذم اتباع الهوى، ودلت التجارب والعادات على أنَّ: اتباع الهوى والمشي مع الأغراض والجري وراء الشهوات بدون قيد لا بد من أن يؤدي ذلك إلى التهارج والتقاتل وإهلاك الحرث والنسل المضاد لمقاصد الشارع، فاتباع الأهواء أمر قد توارد النقل والعقل السليم على ذمه.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا يجوز لأحد أن يدعي على الشريعة أنها وضعت على مقتضى تشهي العباد وأغراضه، أما الوجوب والتحريم فمصادمتهما لمقتضى الاسترسال في متابعة الهوى والأغراض فظاهرة؛ لأنه بمثابة القول له افعل كذا كان لك فيه غرض أم لا ولا تفعل كذا كان لك فيه غرض أم لا، فإن اتفق المكلف فيه غرض يوافقه وهوى باعث على مقتضى الأمر أو النهي فبالغرض لا بالأصل.
وأما بقية الأقسام، وإذا كان ظاهرها الدخول تحت خيرة المكلف فإنما دخلت بإدخال الشرع لهذه الأشياء، ولهذه الأقسام تحت اختياره، فهي راجعة إلى إخراجها عن اختياره؛ لأنه يستطيع رفع حكم الإباحة مثلًا، أو تغييره ولا يستطيع الخروج عن دائرته، ويترتب على توارد الأهواء والأغراض على الشيء الواحد انخرام النظام، ولذلك قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)) [المؤمنون: ٧١] وقد ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ضمن الثلاثة المهلكات الهوى المتبع، فإنَّ إباحة المباح مثلًا لا توجب دخوله تحت اختيار المكلف إلا من حيث كان قضاء من الشارع، وإذ ذلك يكون ...


٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


...اختياره تابعًا لوضع الشارع وغرضه مأخوذ من تحت الإذن الشرعي، فإن قيل: إن وضع الشرائع إما أن يكون عبثًا أو لحكمة؟ فالأول باطل باتفاق، وقد قال تعالى: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)) [المؤمنون: ١١٥] وقال جل شأنه: ((وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ)) [الدخان: ٣٨، ٣٩].
وإن كان لحكمة أو لمصلحة، فالمصلحة إما أن تكون راجعة إلى الله أو إلى العباد، ورجوعها إلى الله محال؛ لأنه غني عن العالمين، فيستحيل رجوع المصالح إليه حسب ما تبين ذلك في علم الكلام، فلم يبقَ إلا رجوع المصلحة إلى العباد، وذلك مقتضى أغراضه؛ لأنَّ كل عاقل إنما يطلب مصلحة نفسه وما يوافق هواه في دنياه وأخراه، والشريعة تكلفت لهم في هذا المطلب بضمن التكاليف، فكيف ينفي أن تضع الشرائع على وجه أغراض العباد ودواعي أهوائهم.
والإجابة عن ذلك: أن وضع الشريعة إذا سلم أنَّها لمصالح العباد فهي عائدة عليهم بحسب أمر الشارع، وعلى الحد الذي حده، لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم، ولذلك كانت التكاليف الشرعية ثقيلة على النفوس، ويشهد بذلك الحس والعادة والتجربة؛ لأنَّ الأوامر والنواهي مخرجة لها عن دواعيه وأغراضه حتى يأخذها من تحت الحد المشروع، وهذا هو المراد، وهو عين مخالفة الأهواء والأغراض.


٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


أما إنَّ مصلحة التكليف عائدة على المكلف في العاجل والآجل فصحيح، ولا يلزم من ذلك: أن يكون ميله لها خارج عن حدود الشرع، وعليه فلا تناقض ولا تعارض بين هذا الكلام وبين ما تقدم؛ لأنَّ ما تقدم نظر في سوء الحظ الغرض من حيث أثبته الشارع لا من حيث اقتضاه الهوى والشهوة، وهذا هو المراد.
وإذا كانت الشريعة موضوعة لتكون ميزانًا يزن به أفعال المكلفين في جميع الأحوال، وكان للشارع في هذه الأحكام مقاصد معينة، وهي جلب مصالح الدارين ودفع مفاسدهما؛ فلا يتوصل -إذن- إلى شيء من تلك المصالح إلا بطريق الشرع وفي ضمن تكاليفه.
فإذا خالف المكلف ما جاء به الشرع، فعمله يعتبر مناقضًا لقصد الشارع، وكل عمل يناقض قصد الشارع من التشريع يعتبر باطلًا ولا يستحق القبول ولا الإثابة عليه.
أما بطلان العمل المناقض للشريعة فهو ظاهر؛ لأنَّ المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح، ودرء المفاسد، فإذا خالف المكلف في ذلك في فعل من أفعاله لم يكن في تلك الأفعال التي خالف فيها جلب مصلحة ولا دفع مفسدة؛ لأنَّ الأفعال والتروك متمثلة قبل ورود الشرع؛ إذ لا تحسين ولا تقبيح كما تقدم في علم الكلام، فإنَّ العقل لا يحسن ولا يقبح -عند جمهور أهل السنة- وإنما الذي يحسن، بمعنى: أن هذا الفعل يؤجر عليه ويثاب عليه الإنسان في الآخرة، وأن هذا الفعل الآخر يذم عليه، ويعاقب عليه الإنسان في الآخرة، الذي يحكم بهذا إنما هو الشرع، ولذلك يقول الله تعالى: ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)) [الإسراء: ١٥] إذا جاء ...


٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


...الشارع بتعيين أحد المتمثلين للمصلحة، وتعيين الآخر للمفسدة فقد بَيَّن الوجه الذي منه تحصل المصلحة فأمر به أو أذن فيه، وبين الوجه الذي به تحصل المفسدة فنهى عنه رحمة بعباده.
فإذا قصد المكلف عين ما قصده الشارع بالإذن فقد قصد وجه المصلحة على أتم الوجوه، فهو جدير بأن تحصل له، وإن قصد غير ما قصد الشارع لم يكن في ذلك القصد جلب مصلحة ولا دفع مفسدة في نظر الشارع لا في نظر المكلف.
وأما كون اعتبار عمل المكلف المخالف لما جاء به الشرع مناقضًا لقصد الشارع فالدليل عليه من أمور:
أولًا: أنَّ المكلف الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك يعتبر في الحقيقة آخذًا في غير المشروع؛ لأنَّ الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالغرض، فإذا قصد المكلف غير ذلك الأمر المطلوب فلم يأتِ بذلك المشروع أصلًا، وإذا لم يأتِ به فقد ناقض الشارع في ذلك الأخذ، من حيث صار كالفاعل لغير ما أمر الله به، والتارك لما أمر به، وهذا مناقضة لا ريب فيها.
ثانيًا: أن المكلف إذا خالف قصده قصد الشارع فقد جعل ما قصده الشارع مهمل الاعتبار وما أهمله الشارع مقصودًا معتبرًا؛ لأنَّ حاصل قصد الشارع ما يراه حسنًا وهو عند المكلف المخالف ليس بحسن، وما لم يره الشارع حسن فهو عند المكلف حسن، وذلك واضح وظاهر لمناقضته الشريعة.


٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


ثالثًا: أنَّ المكلف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها في الأمر والنهي، فإذا قصد غير ذلك كانت بغرض القاصد وسائل لما قصد، لا مقاصد؛ لأنه لم يقصد بها قصد الشارع، بل جعل أحكام الشارع كالآلة المعدة لاقتناص أغرضه، كالمرائي يتخذ الأعمال الصالحة سلمًا لما في أيدي الناس، وكل المفاسد في الدنيا تأتي من هذا الطريق، وهذا ظاهر؛ لأنَّ كل عصر لا يخلو من فئة تجعل من الدين وسيلة إلى الأغراض والمصالح غير المشروعة بأحكام الشارع، أو تجعله ستارًا لدفع المضار الدنيوية فقط، فعلى هذا يجعل الشارع الرياء من الشرك.
رابعًا: ورود النصوص من الكتاب والسنة التي ترشدها إلى هذا البطلان، فقد قال الله -عز وجل: ((وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)) [النساء: ١١٥] ولهذا ما لم يأخذ به رسول -صلى الله عليه وسلم- من حيث القصد إلى تحصيل المصالح ودرء المفاسد مشقة ظاهرة، وكل مشقة لرسول -عليه الصلاة والسلام- فهي مناقضة لما جاء به من عند ربه، كما جاء ذلك في قول عمر بن عبد العزيز: سنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر من بعده سنن الأخذ به تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله، من عمل به مهتدٍ، ومن انتصر به منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. ومن النصوص الدالة على أن العمل المناقض لقصد الشارع باطل:

٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


قوله -صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
وقوله -صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))، وفي رواية: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)).
فهذان الحديثان من أصول الإسلام العظيمة فحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) ميزان للأعمال في باطنها، وحديث: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا)) ميزان للأعمال في ظاهرها، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله. فالحديث الأخير بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، والمراد بأمره دينه وشرعه فأعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جاريًا تحت أحكام الشريعة، موافقًا لها فهو مقبول، ومن كان خارجًا عن ذلك فهو مردود.


٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


انقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية

ننتقل بعد ذلك إلى انقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية عند الدكتور يوسف العالم.
فالدكتور يوسف العالم يقول: يجدر بنا في هذا المقام أن نبين أنَّ المقاصد الشرعية تنقسم إلى: أصلية وتبعية، يعني: أن للشارع في أحكامه العادية والعبادية مقاصد أصلية ومقاصد تابعة ومكملة لها، كما في النكاح مثلًا، فإنه مشروع للتناسل بقصد الأصل، ويليه طلب السكن والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية والمودة والرحمة والانتفاع بمال المرأة أو قيامها على شئونه وشئون أولاده وإخوته وقصد الإعفاف والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين وما أشبه ذلك، فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح فمنه ما هو منصوص عليه أو مشار إليه، ومنه علم بالاستقراء والاستنباط من النصوص والقواعد وما نص عليه أو استنبط من هذه المقاصد والتوابع مؤكد للقصد الأصلي، ومقول لحكمته، ومشروع لطلبه وإدامته، وقصر مثل هذا النوع لا يناقض قصد الشارع ولا يبطل العمل، وإن كانت هذه التوابع تعتبر من مقاصد المكلف؛ لأنَّها تابعة لقصد الشارع ومؤكدة له.
أما إذا كان مضادًا لقصد الشارع، كما في نكاح المتعة، ونكاح المحلل، ونحو ذلك فإن ذلك يضاد الاستدامة المطلوبة، استدامة عقد النكاح؛ لأنَّ قصد دوام المواصلة في عقد النكاح مطلوب شرعي، والتوقيت في ...


٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


...نكاح المتعة ونكاح المحلل يضاد قصد الشارع؛ ولذلك قال جمهور العلماء ببطلان نكاح المتعة ونكاح المحلل، وهكذا العبادات فإنَّ القصد الأصلي منها التوجه إلى الواحد المعبود وإفراده للعبادة، ويتبع ذلك قصد التعاقد لنيل الدرجات في الآخرة، وليكون العابد من أولياء الله، وما أشبه ذلك.
فإنَّ مثل هذه التوابع مؤكدة للمقصود الأصلي وباعثة عليه ومقتضية للدوام فيه سرًّا وجهرًا، بخلاف ما إذا كان القصد إلى التابع لا يقتضي دوام المتبوع ولا تأكيده كالتعبد بقصد حفظ المال والدم، أو لينالوا منه حظًّا مما في أيدي الناس، أو تعظيمهم له فإن القصد إلى مثل هذه الأمور ليس بمؤكد ولا باعث على الدوام، بل هو مقوي لداعية الترك أو الكذب عن الفعل؛ ولذا لا يدوم عليه صاحبه إلا ريثما يترصَّد به مطلوبه ومقصده فإنه بعد عليه تركه أو تكاسل عنه كما جاء في قوله تعالى: ((وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)) [الحج: ١١].
فمثل هذا القصد مضاد لقصد الشارع فإذا قصد العمل لأجله، وأما إن كان مقتضاه حاصلًا بالتبعية من غير قصد فلا يضر، فإنَّ الناكح على القصد المؤكد لبقاء القصد الأصلي -وهو الدوام والاستدامة- قد يحصل له الفراق فيستوي مع النكاح بالمتعة أو التحليل، والمتعبد لله على القصد المؤكد يحصل له حفظ الدم والمال ونيل المراد والتعظيم، فيستوي مع المتعبد للرياء والسمعة، ولكن الفرق بينهما ظاهر من جهة أنَّ القاصد للتابع المؤكد حر بالدوام، وقاصد التابع غير المؤكد حر بالانقطاع.


٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


وقد وضح لنا مما تقدم: أنَّ لله تعالى مقاصد من تشريع أحكامه وإنه لا بد لصحة الأعمال وقبوله والمثوبة عليها بأن تكون الأعمال موافقة لقصد الشارع، فيكون قصد المكلف موافق لقصد الشارع واتباعه، بحيث يكون الشارع حاكمًا، وقصد المكلف محكومًا وتابعًا، فإن ناقض قصده قصد الشارع أو جعله تابعًا لقصده، فإن عمله يكون باطلًا غير مقبول عند الله -عز وجل- وهذا بخلاف ما لو قصد ما يؤكد ويقوي القصد الأصلي للشارع، فإن ذلك لا يؤثر في صحة العمل وقبوله؛ لأنه تأكيد وتقوية فإذا جعل المكلف قصده مخالفًا لقصد الشارع، أو أراد أن يكون قصد الشارع تابعًا لقصده انطبق عليه حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به لا يكون ما جئت به تبعًا لهواه)).
وقبل أن نترك هذا الأمر يقتضي المقام أن نشير إلى مسألة مشهورة اختلفت فيها وجهات النظر عند علماء الأصول، ولها علاقة وثيقة بهذا الأمر، وهي مسألة تأثير النهي في المنهي عنه:
فالمنهي عنه إما أن يكون فعلًا فالنهي عنه شرب الخمر والنهي عن الزنا والنهي عن السرقة، وإما أن يكون قولًا كالنهي عن شهادة الزور والنهي عن اللهو وغير ذلك، فالفعل مثل قوله تعالى: ((وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى)) [الإسراء: ٣٢] ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل)) [البقرة: ١٨٨] فالقرب فعل، والأكل فعل، والمراد بالقول ما وضعه الشارع سببًا لارتباط بين طرفين كلفظ البيع والكفالة والوقف، فإنَّ البيع من المعلوم هو: الإيجاب والقبول، بعت وقبلت، ارتباط بين البائع والمشتري، والنذر، والوقف، ارتباط بين ...


٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


...العبد وربه فإذا نظر الإنسان شيئًا حين يكون ارتبط المكلف بشيء بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وكذلك الوقف الاختياري فإن كان فعلًا لكان المنهي عنه فعلًا، كان النهي عنه لذاته، لذات الفعل، فيفقد صلاحيته لأن يكون سببًا لحكم هو نعمة، إلا إذا قام دليل خاص على النهي عن ذلك الفعل لوصف منفك عنه مجاور له، كالنهي عن قربان الحائط في قوله تعالى: ((وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)) [البقرة: ٢٢٢] فهنا قام دليل خاص على أنَّ النهي عن قربان الزوجة هو كونها حائض لوصف هذا الوصف منفك عن الفعل، فلا يفقد هنا سببيته للحكم فيترتب عليه الحكم كما يترتب على الفعل المأذون فيه من جنسه، ولذا يثبت به الحل للزوج الأول، وتكميل المهر، وإحصان الرجم، ولا يبطل به إحصان القذف.
وإن كان المنهي عنه قولًا من الأقوال التي ثبت عن الشارع جعلها لأحكام تبني عليها، وهي المعبر عنها بالتصرفات الشرعية، فذلك على ثلاثة أوجه:
أنَّ يكون المحل الذي ورد عليه القول مما لا تقبل ذاته ذلك القول كبيع الميتة وبيع الحر ونحو ذلك، فمن المعلوم: أنَّ بيع الميتة حرام بقوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة)) [المائدة: ٣] وأيضًا بيع الحر لا يجوز؛ لأنَّ الله تعالى حرم أن يرق الأحرار.

٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


أما الوجه الأول والثاني فلا يترتب عليهما شيء من الآثار اتفاقًا لعدم محلية الأول، ولعدم الفائدة في الثاني؛ لأنَّ الأثر هو الحل ولا حل مع النهي، فيكون نكاح المحارم باطلًا كبيع المعدوم، وأما الثالث فإنَّ النهي فيه لا يخرج القول عن سببيته لما رتب عليه، وهو الملك في البيع، مثلًا، ولكن أثره في الحكم باقٍ، فيكون هذا البيع حرام، الذي بيع بأجل وهذا الأجل غير معلوم، فيكون الملك خبيثًا، يلزم الطرفين فيه أن يزيلا هذا الخبث بقدر الإمكان، وهذا هو المسمى عند الحنفية بالعقد الفاسد، وهو ما شرع بأصله دون وصفه؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ الحنفية فرقت بين العقد الباطل والعقد الفاسد، فقالوا: إنَّ الباطل ما لم يكن مشروعًا لا بأصله ولا بوصفه، كبيع ما في بطون الأمهات من الأجنة، فهذا البيع غير مشروع أصلًا، ولكن البيع الذي في أصله مشروع، ولكنه امتنع لاشتماله على وصف زائل، فهذا يسمى فاسد، وذلك كبيع الربا فإنَّ الربا أصله مبادلة مال بمال، ومبادلة المال بالمال هو البيع، والبيع حلال، لكنه فسد لما طرأ عليه من وصف، وهو زيادة في أحد الطرفين، فهنا الحنفية فرقوا بين الباطل والفاسد، فهذا مسمى عند الحنفية بالعقد الفاسد، وهو ما شرع بأصله دون أصل، وبذلك انقسمت العقود عند الحنفية إلى باطل، وفاسد، وصحيح. وقد رُوعي في هذا مقتضى السببية في السبب ومقتضى النهي في التحريم ما لم يحصل تنافي، وهذا الذي تقدم هو طريقة الحنفية.
وهناك رأي آخر لغيره من الأصوليين، وهو أنَّ النهي عن التصرف، يفقده سببيته مطلقًا، سواء كان هذا النهي لعدم المحلية أو لوصف ملازم أو منفك أو لخارج، وهؤلاء أبطلوا البيع وقت نداء الجمعة عملًا بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)) [الجمعة: ٩].


٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية


ويوجد رأي ثالث لجمهور المتكلمين، وهو أنَّ النهي عن التصرف لذاته أو لجزئه أو لوصف مقترن بأحد أجزائه يفقد سببيته، أما النهي لشيء خارج فلا، وهؤلاء لا فرق عندهم بين بيع الميتة الذي فقدت محلية المبيع، والبيع المقترن بشرط لم يجزه الشارع، فكلاهما باطل لا يترتب عليه حكم وهو الملك؛ لأنَّ الأول لا يملك، والثاني يحرم الانتفاع به، والملك وحل الانتفاع متلازمان عندهم، فالبيع لا بد أن يترتب عليه ملك وأن يترتب عليه حل انتفاع.
والظاهر من كلام الحنفية: أنَّهم يمنعون هذا التلازم والخلاف في هذه القضية يرجع إلى الاختلاف في المنهي عنه بصفة من صفاته هل يعتبر في هذه الحالة مصادمًا لقصد الشارع كما في المنهي عنه لذاته أو لا؟ فمن رأى أنه يصادم قصد الشارع لا يفرق بين ما نهى عنه لذاته أو لصفة من صفاته، وبالتالي لم يفرق بين الباطل والفاسد، ومن رأى أنه لا يصادم قصد الشارع قال بعدم البطلان، وأعده حكمًا رتب عليه بعض الآثار مع اعترافهم ببقاء الحكم.

٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية



٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية



٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية



٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية



٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية



٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية



٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية



٤.٣ العمل المناقض لقصد الشارع باطل وانقسام المقاصد إلى أصلية وتبعية