..١.٢ تجليات أصول الفقه في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- والمقولات


تجليات أصول الفقه في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم

بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حدثت قضايا ووقعت نوازل لا عهد للصحابة -رضوان الله عليهم- بها من قبل، وازدادت الوقائع والنوازل وبخاصة بعد ما كثرت الفتوح وتوسعت الدولة الإسلامية، فكان لا بد لأهل الحل والعقد منهم أن يجتهدوا لاستنباط الأحكام الشرعية لها، وقد اجتهد الصحابة في هذه الحوادث وقد صدروا في اجتهادهم عن أصول وقواعد تحكم ذلك الاجتهاد دون أن يصرحوا بها ويفحصوا عنها غالبا وقد تجري على ألسنتهم قواعد مهدت بعد ذلك للتدوين والتصنيف، لكن ما لم يصرحوا به يمكن معرفته عند التأمل في طريقتهم في الاستنباط.

قال إمام الحرمين: نحن نعلم قطعا أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عد ولا يحويها حد فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة والوقائع تترى والنفوس إلى البحث طلعة وما سكتوا عن واقعة صائرين إلى أنه لا نص فيها والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام نصا وظاهرا بالإضافة إلى الأقضية والفتاوي كغرفة من بحر لا ينزف، وعلى قطع نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكل ما يعن لهم من غير ضبط وربط وملاحظة قواعد متبعة عندهم وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة من كتاب الله تعالى فإن لم يصادفوه فتشوا في سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن لم يجدوها اشتوروا ورجعوا إلى الرأي.


..١.٢ تجليات أصول الفقه في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- والمقولات


والذي يوضح ما ذكرناه أنهم مع اختلاف مذاهبهم في مواقع الظنون ومواضع التحري ما كانوا ينكرون أصل الاجتهاد والرأي وإنما كان بعضهم يعترض على بعض ويدعوه إلى ما يراه هو ولو كان الاجتهاد حائدا عن مسالك الشريعة لأنكره منهم منكر.

أمثلة على اجتهاد الصحابة

أما اجتهادهم فيما فيه نص واضح الدلالة فهو محل وفاق بين الجميع وهم أسوة الدنيا بعدهم في هذا الأمر. أما ما لم يرد فيه نص واضح الدلالة، أو كان فيه نص تخفى دلالته فهذا هو محل الاجتهاد.

وإليك بعضا من اجتهاداتهم وتوجيهها:
قول علي رضي الله عنه في عقوبة شارب الخمر: "إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى: فحدّوه حدّ المفتري"، وهو بذلك يستعمل القياس وإن لم يصرح به وذلك بإلحاق شارب الخمر على القاذف أو يكون ذلك بناء على سد الذرائع، أو على المصلحة على ما نبه عليه الأصوليون.

..١.٢ تجليات أصول الفقه في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- والمقولات


فتوى عبد الله بن مسعود أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع الحمل، ويستدل لذلك بأن سورة النساء القصرى "الطلاق" نزلت بعد آية عدّة الوفاة، وهذا يعني قاعدة "الخطاب المتراخي ينسخ حكم الخطاب المتقدم".
يدل على ذلك قول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما غيرت النار.
وانظر إلى هذا القياس الذي أعمله ابن عمر فيما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له إن الناس كائن بينهم قتال وإنا نخاف أن يصدوك فقال: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)) [الأحزاب: ٢١] إذًا أصنع كما صنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال ما شأن الحج والعمرة إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجا مع عمرتي وأهدى هديا اشتراه بقديد ولم يزد على ذلك فلم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول وقال ابن عمر رضي الله عنهما كذلك فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

وقايس علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في المكاتب، وقايسه في الجد والإخوة؛ فشبهه علي بسيل انشعبت منه شعبة، ثم انشعبت من الشعبة شعبتان، وقايسه زيد على شجرة انشعب منها غصن، وانشعب من الغصن غصنان، وقولهما في الجد إنه لا يحجب الإخوة، وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع، وقال: أعتبرها بها.


..١.٢ تجليات أصول الفقه في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- والمقولات


وقال عبد الله بن مسعود وقد سئل عن المفوضة: أقول برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء.

وعن عبد الله بن مسعود قال: من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى فيه نبيه -صلى الله عليه وسلم- فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض فيه نبيه -صلى الله عليه وسلم- فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه، فإن لم يحسن فليقم ولا يستحي.

وكان ابن عباس إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله قال به، وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان عن أبي بكر وعمر قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أبي بكر وعمر اجتهد رأيه.

وعن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان هذا؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا.


..١.٢ تجليات أصول الفقه في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- والمقولات


سد الذرائع عند الصحابة

ويتجلى ذلك في هذه المناظرة بين ابن مسعود وأبي موسى، فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري فقال له أبو موسى: لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا أما كان يتيمم ويصلي، فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة "المائدة" ((فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)) [المائدة: ٦]. فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد. قلت: وإنما كرهتم هذا لذا. قال: نعم. فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا" فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه. فقال عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار.
وزاد يعلى عن الأعمش عن شقيق كنت مع عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثني أنا وأنت فأجنبت فتمعكت بالصعيد فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرناه فقال: "إنما كان يكفيك هكذا" ومسح وجهه وكفيه واحدة.


..١.٢ تجليات أصول الفقه في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- والمقولات


ففي هذا الحديث: بناء الأحكام على سد الذرائع، ورد الحديث إذا أنكره صاحب الواقعة أو بعضهم وهي محل اجتهاد، وقد لزم المتذكر ولم يلزم الناسي، ولم يقدح في عدالة الناسي ولا المتذكر، وفيه: اجتهاد الصحابة في النوازل في حياة الرسول، وأنه يصيب ويخطئ، وأن النبي لا يسكت على الخطأ في الاجتهاد وإنما يصوبه.
وهناك أمثلة كثيرة تدل على عمل الصحابة وعلمهم بمناهج الاستدلال والاستنباط ومراتب الأدلة من حيث الاحتجاج بها، ولكن نظرًا لسلامة اللغة في عهدهم واعتدال الفطرة وحسن المقصد لم يكونوا في حاجة إلى وضع قواعد للاستنباط يرجعون إليها.

إعمال المصلحة ومراعاتها
وقد ورد إعمال المصلحة في كثير من اجتهادات الصحابة ومن ذلك ما جاء في جمع القرآن، فقد أورد البخاري عن زيد بن ثابت قال: بعث إلي أبو بكر لمقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟! فقال عمر: هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك؛ قد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتتبع القرآن فاجمعه ... إلخ.