![]() |
تكلم الإمام البيضاوي على التأكيد بعد كلامه على الترادف متبعًا في ذلك الإمام الرازي لما بينهما من الشبه، وقد سبق الفرق بينهما، وعرفه البيضاوي بقوله: التأكيد هو تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر مستقل بالإفادة. ليس هذا نص عبارة البيضاوي، ولكن هذا هو ما يقصده من التعريف. |
![]() |
فقوله: تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر جنس يشمل التوكيد وغيره كالتابع، ويخرج عنه الترادف؛ لأنّه لا تقوية فيه. وقوله: مستقل بالإفادة فصل يخرج التابع؛ لأنّه لا يستقل بالإفادة، بل لا بد له من المتبوع، وقد اتفق جمهور العلماء على أنّ التوكيد جائز عقلًا وواقع في اللغة؛ لأنّ المقصود به الاهتمام ودفع توهم المجاز من اللفظ المؤكد، وهذا غير ممتنع عقلًا ولا شرعًا ولا لغة. |
![]() |
وخالف في جوازه بعض الناس محتجًّا بأنه لا يفيد فائدة جديدة، والأصل في الكلام التأسيس دون التأكيد، وهذا قول لا عبرة به بعد وقوع التوكيد في اللغة، ووروده في القرآن والسنة النبوية، والتوكيد بالمعنى الذي ذكره البيضاوي أعم من التأكيد بالمعنى الذي قصده النحويون؛ لأنَّ الأصوليين يجعلون أن الداخلة على الجملة من ألفاظ التوكيد، والنحويون لا يجعلون ذلك من التوكيد المصطلح عليه عندهم. |
![]() |
وجملة ما قاله الإمام البيضاوي في التأكيد أنَّ التأكيد قسمان: |
![]() |
أحدهما: تأكيد اللفظ بنفسه سواء كان مفردًا نحو: جاء زيد زيد، أو مركب نحو قوله -عليه الصلاة والسلام: ((لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا)). |
![]() |
وثانيهما: تأكيده بغيره، وهذا تحته نوعان: |
![]() |
ثم يتكلم عن أن الشيء إما أن يؤكد بنفسه أو بغيره كما فسرنا ذلك، والذي يؤكد بغيره على ثلاثة أقسام؛ فإنّ لفظ التأكيد إما أن يختص بها المفرد، وهو لفظ العين والنفس، أو المثنى وهو كلا وكلتا، أو الجمع وهو أجمعون وأكتعون وأبصعون والكل، ولفظة الكل يسمونها أم الباب. وقد يكون داخلًا على الجمل مقدم عليها، كصيغة إن وما يجري مجراها. |
![]() |
أيضًا تكلم الإمام الرازي عن حسن استعمال التوكيد، والخلاف فيه مع الملاحدة الطاعنين في القرآن، والنزاع إنّما يقع في جوازه عقلًا أو في وقوعه، أما الجواز فهو معلوم بالضرورة؛ لأنّ التأكيد يدل على شدة اهتمام القائل بذلك الكلام، وأما الوقوع فاستقراء المذاهب بأسرها يدل عليه. |
![]() |
نعم التأكيد واقع في اللغة، وحكاه الطرطوشي عن قوم أنهم أنكروا التأكيد، ومن أنكره -كما قلنا- فهو مكابر؛ إذ لولا وجوده لم يكن لتسميته تأكيدًا فائدة، فإن الاسم لم يوضع إلا لمسمى معلوم، وكذلك وقع في القرآن الكريم والسنة النبوية، وأنكرت الملاحدة وقوعه في السنة، لكن كما نقلنا عن الإمام الرازي في (المحصول) أن خلافهم أيضًا في القرآن وهو ممنوع، فإنهم حكموا بكونه في لسان العرب لنوع من القصور عن تأدية ما في النفس، فاحتيج إلى التأكيد، والله تعالى غني عن ذلك. |
![]() |
وضلوا من حيث جهلوا؛ لأن القرآن الكريم نزل بلغة العرب ومنوال كلامهم، وهو -أي: التوكيد- من محاسن الكلام، فهل التأكيد حقيقة؟ إذا ثبت وقوعه لغة فهو حقيقة، لكن رأينا أن هناك بعض الناس زعم أن التوكيد مجاز؛ لأنه لا يفيد إلا ما أفاده المذكور الأول حكاه الطرطوشي، ثم قال: "ومن سمى التأكيد مجازًا فيقال له: إذا كان التأكيد بلفظ الأول نحو: عَجِل عجل ونحوه، فإن جاز أن يكون الثاني مجازًا كان الأول كذلك؛ لأنهما لفظ واحد على معنى واحد، وإذا بطل حمل الأول على المجاز بطل حمل الثاني عليه؛ لأنه مثله". |
![]() |
فالتأكيد ينقسم إلى لفظي ومعنوي، فاللفظي يجيء لخوف النسيان، أو لعدم الإصغاء أو للاعتناء، وهو تارة بإعادة اللفظ وتارة يُقوى بمرادفه، ويكون في المفردات والمركبات، وزعم الإمام الرافعي في الطلاق أنه أعلى درجات التأكيد. قال إمام الحرمين: "وينبغي فيه شيئان: |
![]() |
أما المعنوي: وهو إما أن يختص بالمفرد كالنفس والعين وجمعاء وكتعاء، أو بالاثنين ككلا وكلتا، أو بالجمع ككل وأجمعين وجَمْع وكَتْع، وكل ما في معناه للتجزي والنفس والعين للمتشخص غير المتجزي، وإما أن يختص بالجمل ككأنّ وإنّ وما في معناهما، وفائدته تمكين المعنى في نفس السامع ورفع التجوزات المتوهمة، فإن التجوز يقع في اللغة كثيرًا، فيطلق الشيء على أسبابه ومقدماته، فإنه يقال: ورد البرد إذا وردت أسبابه، ويطلق اسم الكل على البعض، نحو: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)) [البقرة: ١٩٧] و((الْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)) [البقرة: ٢٣٣] قيد بالكمال ليخرج احتمال توهم بعض الحول الثاني". |
![]() |
والتوكيد يحقق أن اللفظ حقيقة، فإذا قيل: إن كان رافعًا لاحتمال التخصيص في نحو قولهم: قام القوم كلهم، ورافعًا أيضًا للمجاز في نحو قولهم: جاء زيد نفسه، فهذه فائدة جديدة، فكيف أطبقوا على أن المقصود من التوكيد التقوية؟ |
![]() |
يقول الزركشي: "إن الاحتمال المرفوع تارة يكون اللفظ مترددًا فيه وفي غيره على السواء، وتارة يكون احتمالًا مرجوحًا، ورفع الاحتمال الأول فائدة زائدة؛ لأن التردد اللفظي بينه وبين غيره ليس فيه دلالة على أحدهما، كما أن الأعم لا يدل على الأخص، فدفع ذلك الاحتمال تأسيس، أما الاحتمال المرجوح فهو مرفوع بظاهر اللفظ؛ لأن اللفظ ينصرف إلى الحقيقة عند الإطلاق، والتأكيد يُقوي ذلك الظاهر". |
![]() |
وها هنا أمور أثبت الإمام ابن مالك قسمًا ثالثًا، وهو ما له شبه بالمعنوي وشبه باللفظي وإلحاقه به أولى، كقولك: أنت بالخير حقيق قَمِين، ونوزع في هذا المثال ولا نزاع؛ لإجماع النحويين على أن من التوكيد: مررت بكم أنتم. |