٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه


شرط المشتق
قلنا: إن المشتق هو ما دل على ذات وصفة، ومعلوم أن المشتق فيه المشتق منه وزيادة، ولذلك يقول العلماء: إن المشتق منه جزء من المشتق، وإذا كان الكل لا يصدق إلا بتحقق أجزائه، فالمشتق لا يصدق إلا حيث صدق المشتق منه، وإلا لزم تحقق الكل بدون أجزائه وهو باطل، وهذا أمر لا ينبغي الخلاف فيه؛ لأنه يكاد يكون بدهيًّا، ولكن ثبت أن المعتزلة ما يقتضي بأنهم يخالفون في هذا، فيقولون بصدق المشتق من غير أن يصدق المشتق منه، في الذات التي أطلق عليها هذا المشتق.
وتوضيح ذلك أن المعتزلة أنكروا صفات المعاني بالنسبة لله تعالى، وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، ولكن أثبتوا له -سبحانه وتعالى- الصفات المعنوية فقالوا: هو سبحانه قادر ومريد وعالم وحي وسميع وبصير ومتكلم، مع أن هذه الصفات مشتقة من القدرة والعلم... إلى آخره، فأخذ من كلامهم هذا أن المشتق قد يصدق حيث لم يتحقق المشتق منه.
ومن أجل هذا جعل الأصوليون هذا الشرط مختلفًا فيه، فالأشاعرة وبعض المعتزلة يثبتونه ولذلك يقولون: لا يصدق المشتق على ذات إلا إذا كان المشتق منه صادرًا وصادقًا على تلك الذات، أما بعض المعتزلة كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم فيقولون: "لا يشترط ذلك بالنسبة لإطلاق المشتق على الله تعالى".

٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه


وقد استدل الأشاعرة على مدعاهم بأن المشتق منه جزء من المشتق، ولا يوجد الكل بدون أجزائه، فلا يصدق المشتق في ذات بدون صدق المشتق منه على تلك الذات، فمثلًا ضارب معناه ذات ثبت لها الضرب، ففيه المشتق منه وهو الضرب، ويزيد عليه دلالته على الذات، فصدق ضارب في ذات يقضي بصدق الضرب على تلك الذات، وإلا لزم وجود الكل بدون أجزائه وهو ظاهر البطلان، ويقال ذلك في كل مشتق، وبذلك فلا يصدق المشتق إلا إذا صدق المشتق منه وهو ما ندعيه.
أما أبو علي ومن معه فقد استدلوا على مدعاهم بأن المشتق منه يعتبر بمثابة العلة للمشتق، والذي يفتقر إلى العلة هي الحوادث لأنها ممكنة، فلا يوجد المشتق إلا عند إطلاقه على الحوادث بدون المشتق منه، وإلا لو وجد المعلول بدون علة وهو باطل، أما الواجبات كصفات الله تعالى مثل عالم وقادر ومتكلم، فلا تفتقر إلى علة؛ لأن هذه العلة إن كانت ممكنة لزم أن تكون ذاته تعالى محلًّا للحوادث وهو باطل اتفاقًا، وإن كانت واجبة لزم تعدد القدماء وهو باطل كذلك؛ لأن الله تعالى كفّر من قال بالتثليث حيث قال جل شأنه: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)) [المائدة: ٧٣] فمن قال بقدماء ثمانية يكون كافرًا بطريق الأولى.
أجاب الأشاعرة عن ذلك بأن القدرة والإرادة وما معهما من صفات المعاني، واجبة لذاته تعالى وهي قديمة، وتعدد القدماء في الصفات مع كون الذات واحدة ليس باطلًا، وإنما الباطل تعدد القدماء في الذوات، ولذلك كفر الله تعالى من عدد في الذات حيث قال: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)) [المائدة: ٧٣] ثم قال سبحانه ردًّا عليهم: ((وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ)) [آل عمران: ٦٢].


٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه


متى يكون المشتق حقيقة؟
المراد من المشتق في هذا الكلام اسم الفاعل واسم المفعول فقط، وليس المراد به كل مشتق حتى يكون ذلك شاملًا للفعل؛ لأن العلماء متفقون على أن الفعل حقيقة في معناه، فالفعل الماضي حقيقة في الماضي، وفعل الأمر حقيقة في الحال، والفعل المضارع حقيقة في الاستقبال وحده، أو فيه وفي الحال.
وقد اتفق العلماء على أن اسم الفاعل أو اسم المفعول حقيقة في الحال، أي: عند وجود المشتق منه وقت الإطلاق، فضارب حقيقة وقت وجود الضرب، ومضروب حقيقة كذلك عند وقوع الضرب على المفعول، واتفقوا كذلك على أن كلًّا منهما مجاز في الاستقبال، فإذا قيل ضارب لمن يضرب، أو قيل مضروب لمن سيقع عليه الضرب في المستقبل، يكون هذا الإطلاق مجازًا اتفاقًا.
واختلفوا فيما إذا كان المعنى المشتق منه قد وجد في الماضي، أي: قبل الوقت الذي أطلق فيه المشتق، ولم يستمر هذا المعنى إلى وقت الإطلاق، هل يكون حقيقة أو يكون مجازًا؟ اختلفوا فيه على أقوال ثلاثة:

٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه


يكون هذا الإطلاق مجازًا مطلقًا، كان المعنى المشتق منه ما يمكن استمراره إلى وقت الإطلاق كالضرب والأكل، أو كان المعنى مما لا يمكن استمراره كالكلام والخبر والقول، وهذا القول هو المختار للإمام البيضاوي، فالإمام البيضاوي يرى أن هذا الإطلاق مجاز.

٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه


دليل القول الأول: الذي هو مختار الإمام البيضاوي، وهو أن هذا الإطلاق مجازًا مطلقًا، سواء كان المعنى المشتق منه مما يمكن استمراره أو مما لا يمكن استمراره، استدلوا على ذلك بأن المشتق لو كان حقيقة باعتبار الماضي، لما صدق نفيه عند زوال المشتق منه، لكن المشتق يصدق نفيه عند زوال المشتق منه، فلم يكن حقيقة باعتبار الماضي، فتعين أن يكون مجازًا وهو ما ندعيه.
دليل الملازمة: وهي أن المشتق لو كان حقيقة باعتبار الماضي لما صدق نفيه وعند زوال المشتق منه، أن اللفظ متى كان حقيقة في معنى لا يصح نفيه عن هذا المعنى؛ لأن من علامات الحقيقة عدم صحة النفي، كما أن من علامات المجاز صحة النفي، ولذلك صح أن يقال: الرجل الشجاع ليس بأسد؛ لأن إطلاق الأسد على الرجل الشجاع من باب المجاز، ولم يصح القول أن الحيوان المفترس ليس بأسد؛ لأن إطلاق الأسد على الحيوان المفترس حقيقة فيه وليس مجازًا.
دليل الاستثنائية: وهي قوله: لكن المشتق يصدق نفيه عند زوال المشتق منه، فلم يكن حقيقة باعتبار الماضي أنه يصدق قولنا: زيد ليس ضاربًا في الحال، إذا كان ضاربًا بالأمس، ومتى صدق هذا صدق زيد ليس بضارب؛ لأن هذا جزء من القول الأول، وصدق الكل يقضي بصدق أجزائه، وإذا صدق زيد ليس بضارب، لم يصدق زيد ضارب؛ لأنهما نقيضان والنقيضان لا يجتمعان، وبذلك يكون قولنا: ليس بضارب حقيقة، فيكون قولنا: زيد ضارب، باعتبار الماضي مجاز وهو المطلوب.

٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه


وقد نوقش هذا الدليل من قبل المعتزلة بأن قولنا: زيد ليس بضارب، لا يناقض قولنا: زيد ضارب؛ لأنهما قضيتان مطلقتان، ولا تناقض بين القضايا المطلقة؛ لجواز أن يكون وقت السلب غير وقت الإيجاب، بمعنى أنه يجوز أن يكون وقت وجود الضرب غير وقت عدم الضرب، وشرط التناقض عدم اختلاف الزمن، وبذلك يكون كل منهما صادقًا، ويحمل قولنا: زيد ليس بضارب، على الحال كما يحمل قولنا: زيد ضارب على الماضي، ويكون كل منهما حقيقة، فلم يتم لك ما تقول يا أيها البيضاوي.
أجاب الإمام البيضاوي على ذلك بأن هاتين القضيتين مقيدتان عرفًا بحال التكلم، ويدل لذلك أن أهل العرف يستعملون كلًّا من القولين في تكذيب الآخر، فيجعلون قول القائل: زيد ليس بضارب مكذبًا لقول القائل: زيد ضارب، والعكس بالعكس، فلو كانت القضيتان مطلقتين لما كان كل من القولين مكذبًا للآخر؛ لجواز أن يحمل كل منهما على زمن يخالف زمن الآخر، وبذلك يصح قولنا أن الإطلاق مجاز وليس حقيقة، أما ابن سينا ومن معه فاستدلوا على أن الإطلاق بأربعة أدلة:

٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه


الضارب لغة هو من وجد منه الضرب، وهذا معنى كلي صادق بالماضي وبالحال، وضارب حقيقة في الحال اتفاقًا، فيكون حقيقة في الماضي كذلك؛ لأن كلًّا منهما فرد من أفراد المعنى الذي وضع له اللفظ، والمشترك المعنوي حقيقة في كل فرد من أفراده، فالقول بأنه حقيقة في الحال وليس حقيقة في الماضي تحكم، وترجيح بلا مرجح، وإذا ثبت ذلك في ضارب ثبت في غيره من المشتقات؛ لأنه لا فارق بين مشتق ومشتق آخر، وبذلك يكون المشتق حقيقة باعتبار الماضي وهو ما ندعيه.

٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه


وقد أجيب عن هذا بأن إطلاق لفظ مؤمن على النائم مجاز، باعتبار الإيمان السابق قبل النوم، إذ لو كان حقيقة فيه لصح إطلاق لفظ كافر على من سبق منه كفر قبل الإيمان؛ لأن الحقيقة يجب اطرادها، ولكن لا يصح إطلاق لفظ كافر على من سبق منه الكفر اتفاقًا، للإجماع على امتناع ذلك بالنسبة للصحابة الذين وُجدوا في زمن الجاهلية، كأبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم جميعًا.
وأما المفصل الذي يرى أنه يكون حقيقة في حال مجازًا في حال أخرى، فقد استدلوا على ذلك بأنهم رأوا أن اشتراط بقاء المعنى المشتق منه في إطلاق المشتق فرع إمكان هذا الشرط، وهذا الشرط لا يمكن تحققه فيما لم يمكن اجتماع أجزائه في الوجود، كمتكلم ومخبر ومحدث وقائل، فكان هذا الإطلاق حقيقة في هذه الحالة لعدم تحقق الشرط، أما ما يمكن فيه بقاء المعنى عند الإطلاق، فاشتراط البقاء في الإطلاق حقيقة ممكن، فوجب البقاء عملًا بالأصل، فإن أطلق عند عدم البقاء كان الإطلاق مجازًا، وبهذا ظهر وجه التفصيل السابق، وظهر أيضًا أن هذا الرأي وهذا المذهب هو الراجح.
تنبيه مهم: وهو أنهم أطلقوا في المسألة السابقة- كما قلنا- الخلاف عن ابن سينا وأبي هاشم، وفي هذا الإطلاق نظر بينه الإمام الأصفهاني في شرح (المحصول) أما ابن سينا فلا يوجد له موضوع في أصول الفقه ولا في العربية، حتى يؤخذ خلافه منهما، نعم قال: "إن الاصطلاح في علم المنطق أن قولنا: كل جيم باء، أنّا لا نعني به ما هو الجيم دائمًا، أو في الحال، أو في وقت معين، بل ما هو أعم من ذلك، وهو أن ما صدق عليه أنه جيم، سواء كان في ذلك الماضي أو المستقبل أو الحال دائمًا أو غير دائم، فهذا ما اصطلح عليه.

٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه


فعلى هذا إذا قيل: الضارب متحرك، لا يلزم أن يكون ذلك حكمًا على الضارب في الحال، بل على ما صدق عليه الضارب، سواء كان ذلك الصدق في الماضي أو المستقبل أو الحال، ومن المعلوم أن الاصطلاحات لا مناقشة فيها، ولا يلزم من ذلك الاصطلاح المنطقي أن يكون موافقًا للأوضاع اللغوية العربية، إلا إذا ادعى صاحب الاصطلاح الموافقة، وابن سينا وغيره من المنطقيين يدّعون غير ذلك.
على أن الإمام الرازي في كتبه المنطقية، قد وافق ابن سينا في هذا الاصطلاح، وأما ما نقل عن أبي هاشم ففيه بحث أيضًا؛ لأنه نقل عنه في المسألة السالفة، أنه يجوز صدق المشتق بدون ما منه الاشتقاق، فكيف يستقيم منه أنه يشترط في صدق المشتق أن يقوم به ما منه الاشتقاق، وذلك تناقض ظاهر؛ لأن الإمام يقول: "إن الضارب لا يصدق حقيقة إلا في حال صدور الضرب من الضارب" وأبو هاشم يقول: "يكفي في صدق الضارب حقيقة أن يكون الضرب وجد في الوجود وانقضى، فإن لم يكن وجد أصلًا فلا يقول بصدق الضارب حقيقة، فيلزمه التناقض إلا أن يقال: إن ما نقل عنه أولًا صورته في صفات الله تعالى خاصة، بخلاف غيرها من المشتقات، فحينئذ ينتظم الكلام" لكن الإمام الرازي -رحمه الله- جعل المسألتين من حيث اللغة، بذلك يكون نقل الخلاف عن ابن سينا وأبي هاشم فيه نظر، فليتفطن لذلك.

٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه



٢.٤ شرط المشتق، وصدق المشتق منه