الاشتقاق: هو افتعال من الشق بمعنى الانقطاع أو الاقتطاع، من انشقت العصا إذا تفرقت أجزاؤها، فإن معنى المادة الواحدة تتوزع على ألفاظ كثيرة متقطعة منها، أو هو من شققت الثوب والخشب، فيكون كل جزء منها مناسبًا لصاحبه في المادة والصورة، وهو يقع باعتبار حالين:
الحالة الأولى: أن ترى اللفظين اشتركا في الحروف الأصلية والمعنى، وتريد أن تعلم أيهما أصل أو فرع.
الحالة الثانية: أن ترى لفظًا قضت القواعد بأن مثله أصل، وتريد أن تبني منه لفظًا آخر، والأولى تقع باعتبار عام غالبًا، والثانية تقع باعتبار خاص، إما بحسب الإحالة على الأول أو بحسب ما يخصها، فمن الأولى الكلام في المصدر والفعل أيهما أصل والآخر فرع، ومن الثانية الكلام في كيفية بناء الأسماء كاسم الفاعل من له الطلاق مثلًا، واعلم أن الأسماء المشتقة تفيد المعرفة بذلك الشيء ووصله، وقد قال ابن السمعاني في ذلك نقلًا عن الحسن بن هانئ:
وإن اسم الحسنى لوجهها صفة
ولا أرى ذا لغيرها اجتمع
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
فهي إذا سميت فقد وصفت فيجمع اللفظ معنيين معًا، وقال الأئمة: الاشتقاق من أشرف علوم اللغة وأدقها، وعليه مدار علم التصريف في معرفة الأصلي والزائد والأسماء والأفعال لبنية يحتاج إلى معرفتها في الاشتقاق.
جوازه مطلقًا، فيشتق ما يمكن اشتقاقه وما يبعد أو يستحيل، قاله ابن درستويه. يقول الزركشي في كتابه (البحر المحيط): "وكذلك قاله أبو إسحاق الزجاج، صنف كتابًا وذكر فيه اشتقاق جميع الأشياء".
منع الاشتقاق مطلقًا، وليس في الكلام مشتق من آخر، بل الجميع موضوع بلفظ جديد، وهو مذهب نفطويه قال: "وكان ظاهريًّا في ذا وفي مذهبه، وكان من أجلة أصحاب داود ووافقه أبو بكر المقري". وهذان المذهبان طرفان، أي: أن هناك طرفًا يقول بالجواز مطلقًا وطرفًا يقول بالمنع مطلقًا.
وهو الصحيح المشهور، وعليه الحذاق من أهل اللسان وعلماء اللغة كالخليل وسيبويه والأصمعي وقطرب وغيرهم أن في الكلام مشتقًّا وغير مشتق وهو المرتجل. قال ابن السراج: "لو جمدت المصادر وارتفع الاشتقاق من كل كلام لم توجد صفة لموصوف، ولا فعل لفاعل، ولولا الاشتقاق لاحتيج في موضع الجزء من الكلمة إلى كلام كثير،
ألا ترى كيف تدل التاء في تضرب على معنى المخاطبة والاستقبال، والياء في يضرب على معنى الغيبة والاستقبال، وكذا باقي الحروف المضارعة، ولو جعل لكل معنى لفظ يتبين به من غير أصل يرجع إليه لانتشر الكلام، وطال وبعد الإفهام ونقصت القوة".
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
تعريف الاشتقاق
الاشتقاق هو اقتطاع فرع من أصل، يدور في تصريف الأصل، قال ابن الخشاب: "وهذا الحد صحيح وهو عام لكل اشتقاق، سواء كان الاشتقاق صناعيًّا أو غير صناعي". وقال الرماني: "هو الإنشاء عن الأصل فرعًا يدل عليه، وهو أيضًا ما يكون منه النحت والتغيير لإخراج الأصل بالتأمل، كأنك تشق الشيء ليخرج منه الأصل، وكأن الأصل مدفون فيه فأنت تشقه لتخرجه منه".
والتحقيق أن الاشتقاق يحد تارة باعتبار العلم وتارة باعتبار العمل، فباعتبار العلم إذا أردت تقرير أن الكلمة مما اشتقت، فإنك تردها إلى آخر لتعرف أنها مشتقة، وفي الثاني- وهو باعتبار العمل- إذا أردت أن تشتق الكلمة من شيء، فإنك تأخذها منه فقد جعلتها مشتقة منه، فالتفاوت إنما يحصل من الرد والأخذ، فهذا قبل الاشتقاق والأول بعده.
والمختار على الأول أن الاشتقاق هو رد لفظ إلى آخر، أبسط معنى منه حقيقة أو مجازًا، لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلي، كضارب وضرَب من ضرْب، فحكمنا باشتقاق ضرب وضارب؛ لأن ضربًا أبسط منه، والبسيط قبل المركب، فشمل ألفاظ الأسماء والأفعال على المذهبين، وكذلك الحروف.
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
قال ابن جني: "الاشتقاق كما يقع في الأسماء يقع في الحروف، فإن نِعْمَ حرف جواب، وأرى أن نعم والنعم والنعماء والنعيم مشتقة منهم، كذلك أنعم صباحًا؛ لأن الجواب به محبوب للقلوب، وكذلك سوّفتُ من سوف الذي هو حرف تنفيس، ولوْلَيت إذا قلت له: لولا، وليليت إذا قلت له: لا لا، ثم قد يكون المعنى في المشتق حقيقة كضارب من الضرب، وقد يكون مجازًا على جهة الاتساع نحو: ضرب في الغنيمة وغيرها بسهم، أي: أخذ، وضارب لفلان بماله ومال فلان ضربت به، أي: نَيْل؛ لأنهم كانوا إذا اقتسموا غنيمة أو غيرها ضربوا عليها بسهام القرعة، وهي الأقلام، ثم اطرد ذلك في كل من أخذ نصيبًا من شيء قد ضرب فيه بسهم، والمضاربة بالمال مشتقة من الضرب في الأرض وهو السفر؛ لأن المضارب يسافر عالمًا ليطلب الربح، ثم اطرد ذلك في كل مسافر وإن لم يضارب.
وخرج باشتراط المناسبة ما لا يناسبه أصلًا، وخرج بالحروف عما لا يوافقه في الحروف بل في المعنى كمنع وحبس، فلا يقال: إن أحدهما مشتق من الآخر، وخرج بالأصلية التناسب في الزيادة كدخل، فإنه مشتق من الدخول مع أنه غير موافق لمصدره في الواو؛ لأنها زائدة، والمناسبة في المعنى خرج به ما يوافق في اللفظ دون المعنى، كضرب بمعنى سافر، لا يكون مشتقًا من الضرب بمعنى القتل.
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
وشرط بعضهم الترتيب في الحروف، أي أن تبقى حروف الأصل في الفرع على ترتيبها في الأصل، وترجع تفاريع المادة الواحدة منه إلى معنى مشترك في الجملة، كضرب من الضرب، وكما دل قولنا: إلى آخر على تغير اللفظين، كذلك قولنا: لمناسبة بينهما في المعنى، يدل على تغير المعنيين؛ إذ الشيء لا يناسب نفسه وحينئذ فلا يرد المعدول؛ لأنه لا مناسبة بين المعدول والمعدول عنه في المعنى".
ما فائدة الاشتقاق؟
قال ابن الحُوبي: "فائدة الاشتقاق تسهيل السبيل على الواضع والمتعلم جميعًا، فإن المعنى الواحد في الحقيقة يختلف بالعوارض، فإن وضع لكل واحد اسم على حدة من حروف متباينة احتاج الواضع إلى صيغ كثيرة والمتعلم إلى حفظ أفراد كثيرة من الصيغ، فإذا قال الواضع ما على وزن الفاعل من كل فعل هو لفاعل ذلك الفعل لم يحتج إلى وضع الضارب والقاتل والشاتم والمتعلم، إذا علم ضرب وعلم الضارب والمضروب، والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والغيبة والحضور، وهذا هو عمدة اللغة العربية".
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
أقسام الاشتقاق
أقسام الاشتقاق ثلاثة: أصغر، وأكبر، وأوسط، فالأصغر هو ما كانت الحروف الأصلية فيه مستوية في التركيب نحو: ضرب يضرب فهو ضارب ومضروب، والأكبر: ما كانت الحروف فيه غير مرتبة، كالتراكيب الستة في كل من جهة دلالتها على القوة، فترد مادة اللفظين فصاعدًا إلى معنى واحد، ونحو ما ذهب إليه ابن جني من عقد التغاليب الستة في القول على معنى السرعة والخفة، نحو: القول، والقَلْو، والوَلَق، والوَقَل، واللوَق، وكذلك الكلام على الشدة كالمِلك والكَمْل واللكْم".
قال الشيخ أبو حيان: "ولم يقل بهذا الاشتقاق الأكبر أحد من النحويين إلا أبا الفتح ابن جني، وحكي عن أبي علي الفارسي أنه كان يتأنس به في بعض المواضع. قال أبو حيان: والصحيح أن هذا الاشتقاق غير معول عليه لعدم اطراده".
يقول الزركشي: "قد ذهب إليه أبو الحسن بن فارس، وبنى عليه كتابه (المقاييس في اللغة) فيرد تراكيب المادة المختلفة إلى معنى واحد مشترك بينهما، وقد يكون ظاهرًا في بعضها خفيًّا في البعض الآخر، فيحتاج في رده إلى ذلك المعنى إلى تلطف واتساع في اللغة ومعرفة المناسبات، مثاله من مادة الصاد والراء والباء: تصبر تربص تبصر، والتراكيب الثلاثة راجعة إلى معنى التأني نحو: تصبَّر على ...
هذا هو الاشتقاق الأصغر والأكبر، أما الاشتقاق الأوسط فهو: أن تتفق أكثر حروف الكلمة، كـ"فلق" و"فرح" و"فَلِد" بدل من الشَق، ووقع هذا في كلام الزمخشري في مواضع.
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
...
فلان إنه معسر ثم طالبه، يقول الشاعر:
تربص بها ريب المنون لعلها
تطلق يومًا أو يموت حليلها
ومن مادة عبر التي هي العين والباء والراء: عبر ورَبَع وبَعَر وبرع ورَعُب، وهذه المادة ترجع إلى معنى الانتقال والمجاوزة،
ومن ذلك: حسد حاء والسين والدال تأتي منها حسد ودَحَس وحَدَس، ترجع إلى معنى التضييق، والحدس جودة الفراسة
وإصابتها؛ لأن الحادس يضيق مجال الحكم عليه حتى يتعين له محكوم واحد".
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
أركان الاشتقاق
وهو أربعة: المشتق والمشتق منه، والمشاركة بينهما في الحروف الأصلية، والتغيير اللاحق، فلا بد من التغيير اللفظي، ويحصل التغيير المعنوي بطريق التبع.
أقسام أخرى للاشتقاق
ولم يذكر الإمام فخر الدين الرازي -رحمه الله- في كتابه (المحصول) من أقسام الاشتقاق غير تسعة، وذكر لها مثالين أو ثلاثة وأعرض عن الباقي؛ ظنًّا منه سهولة استخراجها، وذكر ابن الخباز الموصلي أنها كلمة مشكلة التحصيل، وأنه ما يتأتى له استخراجها إلا بعد إطالة الفكر وإدامة الذكر، وأنه مر عليه زمان وهو آيس من تحصيلها، وأنه بحث فيها مع شيخه فخر الدين عمر النحوي الموصلي فلم يزده على صورة أو صورتين.
قال: "ثم منّ الله تعالى بفتح الرتاج -الإشكال- فذكر أمثلة التسعة، وذكرها أيضًا رضي الدين بن جعفر البغدادي والقاضي ناصر الدين البيضاوي، وزاد عليها ستة أقسام فبلغت خمسة عشر". وقال ابن جعفر: "لا تمكن الزيادة عليها".
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
يقول الإمام الزركشي: "ورأيت الشيخ جمال الدين بن مالك زيادة عليها تسعة أخرى، فبلغت أربعة وعشرين. وقال: والذي ينبغي أن يسأل عن أمثلة تغيير المشتق بالنسبة إلى المشتق منه، ليدخل في ذلك الفعل، فإنه أصل في الاشتقاق؛ إذ لا فعل إلا وهو مشتق من مصدر، سواء كان هذا المصدر مستعملًا أو مقدرًا والاسم تبع له، ولذلك كثر منه الجمود، وبعد ذلك فالاعتبار الصحيح يقتضي كون المشتق بالنسبة إلى مباينة المشتق منه عشرين قسمًا، أو أكثر من ذلك".
نذكر منها:
الأول: زيادة الحرف فقط نحو: كذِبٌ من الكذب، وضحك من الضحك، وكريم من الكرم، وجزوع من الجزع، زيدت فيها الحروف: الألف والياء والواو، ومثلها ابن السراج الأرموي بطالب وقال: "زيدت فيه الألف". ثم أورد عليه سؤالًا وهو: فإن قلت: فيم ذكرتم زيادة حركة مع نقصانها، فإنكم نقصتم فتحة اللام التي هي عين الفعل وزدتم كثرتها؟ أجاب عنه فقال: المعني بزيادة الحركة تحريك الساكن وبنقصانها تسكين المتحرك، وإبدال حركة بحركة ليس من الزيادة والنقصان المذكورين في شيء، ولو جعلنا إبدال حركة بحركة زيادة حركة ونقصان أخرى، لكان كذبًا من الكذب مثال له".
الثاني: زيادة الحركة فقط، نحو: علم من العلم، وضرب من الضرب، وظَرُف من الظرف، زيدت حركة اللام والراء فإنهما سواكن في المصدر.
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
الثالث: زيادتهما معًا؛ زيادة الحرف والحركة كضارب وعالم وفاضل، زيدت الألف وحركته عين الكلمة، ومثله ابن جعفر ب طالب الفعل الماضي. قال: "وهو مشتق من الطلب زيدت فيه الألف وفتحة البناء وهو فاسد؛ لأن طالَب إنما هو مشتق من المطالبة كذا قال ابن الشِّرِيشي" والظاهر أن ابن جعفر إنما أراد الطالب اسم فاعل وبذلك مثله ابن مالك.
الرابع: نقصان الحرف كخرج من الخروج، وصهل من الصهيل، وذهب من الذهاب، نقص منه الواو والتاء والألف.
الخامس: نقصان الحركة كأبيض من البياض، وأصبح من الصباح، ونحو: اطلب واحذر واضرب، فإنه نقص منها حركات أوائلها، فإنها متحركة في المصدر ساكنة في الفعل، فإن قيل: هذه غير مطابقة فإن فيها ألف زائدة في أوائلها، فينبغي أن يذكر فيما زاد فيه حرف ونقصت منه حركة، فالجواب أن الألف التي في أوائلها غير معتد بها في الاشتقاق، فإن صورة المشتق حاصلة بدونها في قولك: يا زيد اضرب، وما أشبهها فالألف ساقطة مع أن صورة الفعل المشتق حاصلة، وإنما يجاء بها في بعض الأحوال، وهي الابتداء بها لسكون أوائلها وتعذر الابتداء بالساكن.
السادس: نقصان الحرف والحركة نحو: سِر من السير، وبِع من البيع، نقصت الياء وحركة الراء من الأول، والباء وحركة العين من الثاني، ومثله ابن مالك بحَيِي من الحياة، ومثله الأرموي بعَصِي من العصيان، وفي هذه الأمثلة كلها نظر؛ لأن سقوط الحركة ...
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
...
فيها إنما هو بسكون آخر الأفعال في: عصى، ونزا، وغلا، وعدا، وسكون لام الكلمة حركتها لا يعتبران في صيغة الكلمة وبنيتها، وإنما الاعتبار بالحشو، ألا ترى أن هذا السكون قد يزول مع بقاء صورة الكلمة على حالها، ولا يعد زواله مغايرًا للكلمة وذلك من قولنا: عَصِيًا ونُزُوًا وغَلِيًا وعدًا، وإنما الاعتبار في التغيير بما إذا تغير من صورة الكلمة وبنيتها.
السابع: زيادة حرف ونقصان حرف نحو: تدحرج من الدحرجة، نقص هاء التأنيث وزادت التاء، ومثله ابن جعفر بديان من الديانة، وقال: "نقصت منه التاء وزيدت فيه الياء المدغمة الساكنة، ثم قال: وفيه نظر".
الثامن: زيادة الحركة ونقصان حركة أخرى نحو: اضرب، واعلم، واشرب، نقص منه حركات الفاء وزيدت فيه حركات عينها، وألف الوصل لا اعتبار بها كما تقدم، ومثله الإمام البيضاوي بحذر من الحذر، زيدت فيه كسرة الزاي ونقصت فتحته.
التاسع: زيادة الحرف ونقصان الحركة نحو: تحرر، وتعرج، زيد فيه حرف المضارعة ونقص منه فتحة الحاء والياء، وذكر البيضاوي وابن جعفر في مثاله: عاد من العدد، زيدت فيه الألف بعد العين ونقصت حركة الدال الأولى، وفيه نظر لأن الدال المدغمة أصلها الحركة، وإنما سكنت وأدغمت لمعنى آخر غير الاشتقاق، وهو توالي المثلين والنظائر.
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
العاشر: زيادة الحركة ونقصان الحرف نحو: قدر، وكتب، ورحم، من القدرة، والكتابة، والرحمة، وحرم من الحرمان، ونقص من النقصان، نقص من الأول التاء، ومن الأخيرين الألف والنون، وزيد فيها كلها حركات العينات، ومثله البيضاوي وابن جعفر ببنيت من البنيان وقال: "نقصت الألف وزيدت فيه فتحة البناء في الفعل" وسيأتي أن حركة البناء أيضًا لا يعتد بها.
الحادي عشر: زيادة الحرف والحركة معًا مع نقصان حركة أخرى نحو: يضرب من الضرب، زيد في حرف المضارعة وحركة عين الكلمة، ونقص منه حركة فاء الكلمة، ومثله البيضاوي وابن جعفر وقال: "زيدت فيه الهمزة المكسورة ونقصت حركة الضاد، أي: اضرب من الضرب".
الثاني عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه نحو: قادر، وعاصم، وراحم، وكاتب، زيد فيها الألف وحركة العينات، ونقص منها التاء التي في أواخرها، ويمثل له أيضًا بخاف من الخوف ويقال: نقصت الواو وزيدت الألف وفتحة الفاء، ولا يخفى بما تقدم فساده.
الثالث عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها نحو: انصر من النصرة، وارحم من الرحمة، واقدر مع القدرة، زيد فيها حركات العينات ونقص منها تاء التأنيث، وحركات فاء الكلمة وحركتها.
الرابع عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه نحو: يخرج ويقسط، زيد فيه حرف المضارعة ونقص منه الواو التي في المصدر، وفتحت فاء الكلمة، ومثله البيضاوي بكال من الكلال، وقال: "زيدت فيه الألف بعد الكاف، ونقص ...
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
...
منه الألف التي كانت بين اللامين، وفتحت اللام الأولى المدغمة، والكلام فيه كما في عاد وقد تقدم".
الخامس عشر: زيادة الحرف والحركة معًا ونقصانهما معًا كالاحمرار من الحمرة، نقصت منه التاء وحركة الحاء، وزيدت فيه الراء الأولى والألف التي بعدها وحركة الميم، وكذلك ما أشبهه من الاصفرار ونحوه، ومثله ابن الخباز باستنوق الجمل، أي: تحول الجمل ناقة، وهو مشتق من الناقة، نقصت منه التاء وحركة النون، وزيدت فيه السين والتاء وحركة الواو التي كانت ألفًا ساكنة في الناقة، وفيه نظر؛ لأن استنوق إنما هو مشتق من مصدره الذي هو الاستنواق لدلالته عليه، فالأولى أن يجعل الاستنواق الذي هو المصدر هو المشتق من الناقة، والغرض يحصل به؛ لأن النقصان والزيادة المطلوبين في المثال موجودان فيه؛ لأن المصدر زيدت فيه السين والتاء والألف التي بعد الواو وحركة الواو، ونقص منه التاء وفتحة النون، وكان جعله هو المشتق أولًا أولى، وزاد الشيخ جمال الدين بن الشريشي قسمين آخرين:
أحدهما: ما فيه تغيير ظاهر نحو: حذر من الحذر، وفرح من الفرح، وجزع من الجزع ونحوه، وقعت المغايرة بين الفعل والمصدر بحركة العين، فإنها في المصدر مفتوحة وفي الفعل مكسورة.
ثانيهما: ما فيه تغيير مقدر نحو: طلب من الطلب، وهرب من الهرب، وغلب من الغلب ونحوها، وإنما قدرنا التغيير لأنه يجب أن يكون صورة المشتق وبنيته مخالفة لصورة المشتق منه، ورأينا هذه الأفعال لا تخالف صورة المصادر المشتقة منها، وليس ...
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
...
لها مصادر غيرها، فوجب أن يكون فيها تغيير مقدر، كما قالت النحاة في الفُلك: إنه يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد، ولا بد من التغاير بينهما، فتقدر الضمة إذا كانت جمعًا، غير الضمة الذي فيه إذا كان مفردًا.
هذه هي أهم أقسام الاشتقاق، وقد تقرر من جعل التغيير من أركان الاشتقاق، وجود التغيير في كل مشتق بالنسبة لأصله، وقد نجد أفعالًا من مصادر من غير تغيير ظاهر فيها، كطلب من الطلب وغلب من الغلب وجلب من الجلب، فإنها مساوية لمصادرها في الحروف والصيغ بلا تفاوت مع اشتقاقها منها، وذلك يقدح في كون التغيير ركنًا للاشتقاق، لامتناع تحقق الشيء بدون ركنه، وحله أن التغيير وإن لم يكن موجودًا ظاهرًا، لكنه مقدر كما ثبت تقريره.
وقد أجاب رضي الدين بن جعفر بأن حركة الإعراب ساقطة الاعتبار في الاشتقاق، غير معتد بها تغييرًا؛ إذ الاشتقاق إنما هو من صيغة المصدر الذي بني عليها، وحركة الإعراب طارئة على الصيغة بعد تمامها منتقلة غير قارة، أي: غير ثابتة، وأما حركة البناء في الفعل الماضي التي تكون في آخره، فإنها لثباتها ولزومها وبناء الكلمة عليها من أول وهلة، صارت داخلة في صيغة الفعل جارية مجرى حركة أوله وحشوه، فاعتد بها في الاشتقاق، وجعل التغيير بها زيادة ونقصانًا.
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
وإنما نبهنا على هذا لأنهم لم يعتدوا بحركة الإعراب، واعتدوا بحركة البناء، وجعل التغيير بها زيادة ونقصانًا. مثال الزيادة: طلب من الطلب؛ لأنهم مثلوه لزيادة الحركة، فإن الطلب اعتد بحركة الباء في آخره زيادة؛ لكونها حركة بناء، ولم يعتدوا بالحركة التي في آخر المصدر وهو الطلب؛ لكونها حركة إعراب. ومثال النقصان: حذِر اسم فاعل من حذَر، نقص من اسم الفاعل حركة البناء التي كانت في الفعل.
فقد يظن ظان من اعتبارهم التغيير اللاحق للمشتق، استلزم حصول التغيير في كل مشتق بالنسبة لأصله، مع أنه نحن نجد أفعالًا مأخوذة من مصادرها من غير تغيير ظاهر فيها، كطلب من الطلب وحذر من الحذر، فإن هذه الأفعال مساوية لهذه المصادر، وأنه يقدح في كون التغيير ركنًا في الاشتقاق، ويجاب عن ذلك بأن حركة الإعراب غير معتد بها وحركة البناء معتد بها.
ما المراد بزيادة الحرف أو الحركة أو نقصانهما؟
المراد بزيادة الحركة أو الحرف أو نقصانهما جنس الحرف وجنس الحركة لا واحد فقط، فقد يكون المزيد من الحروف أكثر من واحد، وكذلك في الحركة، وكذلك في النقصان، وعلى هذا فتكثر الأقسام، ولا يخفى حينئذ أمثلتها، لكن هل هناك اعتبار بتنوع الحركة؟ لا اعتبار بتنوع الحركة بالرفع والنصب والجر؛ إذ لو اعتبرت لكثرت الأقسام.
١.٤ تعريف الاشتقاق وأقسامه
أيضًا قد جعل العلماء من أركان الاشتقاق المشاركة بين الأصل والفرع في الحروف الأصلية والتغيير، كما قلنا، ثم جعلوا من أقسام التغيير نقصان الحرف، وذلك تناقض في الظاهر، فإنه متى نقصنا أحد حروف المشتق من المشتق منه زادت المشاركة بينهما في الحروف، لكن رأينا الإمام ابن جعفر أجاب عن ذلك بأمرين:
أن المشاركة بينهما في الحروف الأصلية، قد تكون بحق الأصل، ثم يطرأ النقصان العارض نقيضه كقولنا: خف من الخوف، ونم من النوم، فإن الواو سقطت فيهما بعد انقلابهما ألفًا لعارض التقاء الساكنين، فالمشاركة فيهما حاصلة بالفعل لحصولهما في الأصل قبل طُرُو الحذف العارض.
أن المصادر ذوات الزيادة كالإنبات والغشيان والنزوان؛ إذا اشتققنا منها أفعالًا كنبت وغشى ونزا، حصلت المشاركة بينها وبين المصادر في الحروف الأصلية، ووفر التغيير بنقصان الحرف الزائد، فقد صدق بمجموع الأمرين فيهما، أعني: المشاركة مع النقصان، فإنا لم نشترط المشاركة في الحروف الأصلية مع نقصان حرف أصلي.