![]() |
أما العرف العام فكإطلاقهم الدابة على ذوات الأربع، أو على دابة مخصوصة عند قوم كالفرس والحمار، ومفهوم الدابة في اللغة لكل ذات دبت، سواء ذوات الأربع وغيرها، وأهل العرف لم يضعوا اللفظ لهذا المعنى الذي هو ذوات الأربع، وإنما غلب استعمالهم للفظ الدابة حتى صار هو المتبادر إلى الذهن حالة التخاطب. |
![]() |
وأما العرف الخاص فكاصطلاح كل ذي علم على ألفاظ خصوها بمعانٍ مخالفة للمفهوم اللغوي، كاصطلاح المتكلم في الجوهر والعرض، واصطلاح الفقيه في الجمع والفرق، واصطلاح الجدلي في الكسر والنقض والقلب، واصطلاح النحوي في الرفع والنصب والجر؛ فجميع هذه الطوائف لم يضعوا هذه الألفاظ لتلك المعاني المخصوصة، وإنما استعملوها استعمالًا غالبًا حتى صارت هي المتبادرة إلى الذهن حالة التخاطب، فهذا هو معنى الوضع في العرف الشرعي والعام والخاص، وزاد بعضهم للوضع معنًى آخر وهو استعمال اللفظ في المعنى ولو مرة واحدة، وهذا هو معنى قولهم: المجاز من شرطه أن يكون موضوعًا أم لا، وفيه قولان مبنيان على أن المجاز هل من شرطه أن يكون مسموعًا أم لا، ويتعلق بالوضع مباحث: أحدها في شروطه، وهي ثلاثة: |
![]() |
الشرط الأول: أن لا يبتدئه بما يخالفه. | |
![]() |
الشرط الثاني: أن لا يختتمه بما يخالفه. |
![]() |
الشرط الثالث: أن يكون صادرًا عن قصد، فلا اعتبار بكلام الساهي والنائم، وعلى السامع التنبه لهذه الشروط. |
![]() |
وقد حكى الروياني عن صاحب (الحاوي) فيما إذا قال لزوجته: طلقتك، ثم قال: سبق لساني، وإنما أراد طلبتك أن المرأة إذا ظنت صدقه بأمارة، فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه، وأنه من عرف ذلك منه إذا عرف الحال يجوز أن يقبل قوله، ولا يشهد عليه، قال الروياني: وهذا هو الاختيار. |
![]() |
أن أحدهما نظر كليّ يشترك فيه كل اللغات، وهو من وجوهٍ يُعرف في علم آخر. |
![]() |
فيما يختص بآحاد اللغات، ولما جاءت شريعتنا بلغة العرب وجب النظر فيها وكيفية دلالتها من حيث صيغها، ومن لطف الله تعالى حدوث الموضوعات؛ لأنها أكثر فائدة من هذه الثلاثة وأيسرها. أما كثرة إفادتها فلأنها تعمّ كل معلوم موجود ومعدوم وغيره بخلاف الإشارة، فإنه تختص بالموجود المحسوس، وبخلاف المثال أيضًا، وهو أن يجعل لما في الضمير شكلًا لتعذره، وأما كونه أيسر فلأنها موافقة للأمر الطبيعي؛ لأن الحروف كيفيّات تَعْرض للنفسي الضروري. |
![]() |
يقول الإمام الرازي -رحمه الله- في الكلام عن الواضع: كون اللفظ مفيد للمعنى إما أن يكون لذاته أو بالوضع، سواء كان الوضع من الله تعالى أو من الناس، أو بعضه من الله تعالى وبعضه من الناس؛ فهذه احتمالات أربع: |
![]() |
الأول: مذهب عباد بن سليمان الصيمري. |
![]() |
الثاني: وهو القول بالتوقيف مذهب الأشعرية وابن فورك. | |
![]() |
الثالث: وهو القول بالاصطلاح مذهب أبي هاشم وأتباعه. | |
![]() |
الرابع: وهو القول بأن بعضه توقيفي وبعضه اصطلاحي، وفيه قولان منهم من قال: ابتداء اللغة يقع بالاصطلاح والباقي لا يمتنع أن يحصل بالتوقيف، ومنهم من عكس الأمر فقال: ابتداء اللغة يقع بالتوقيف والباقي لا يمتنع أن يحصل بالاصطلاح؛ فالقدر الضروري الذي يقع به الاصطلاح توقيفي، والباقي اصطلاحي، وهذا القول هو قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. |
![]() |
الأول: أنه لا قائل بالفرق. |
![]() |
الثاني: أن التكلم بالأسماء وحدها متعذر، فلا بد من تعليم الأسماء من تعليم الأفعال والحروف. |
![]() |
الثالث: أن الاسم إنما سمي اسمًا لكونه علامة على مسماه، والأفعال والحروف كذلك علامة على مسماها، فهي أسماء أيضًا. وأما تخصيص لفظ الاسم ببعض الأقسام فهذا عرف أهل اللغة والنحو. |
![]() |
أحدهما: أن الاصطلاح إنما يكون بأن يُعرّف كل واحد منهم صاحبه بما في ضميره، وذلك لا يعرف إلا بطريق كالألفاظ والكتابة، وكيفما كان فإن ذلك الطريق لا يفيد لذاته فهو إما بالاصطلاح، فيكون الكلام فيه كما في الأول، ويلزم التسلسل أو بالتوقيف وهو المطلوب. |
![]() |
الثاني: بقولهم أنها لو كانت بالمواضعة -أي: أن الألفاظ واللغات لو كانت بالمواضعة- وبالاصطلاح لارتفع الأمان عن الشرع؛ لأن لعلها على خلاف ما اعتقدناها، لأن اللغات قد تبدلت، فإذا قلت لوقع ذلك لاشتهر؛ قلت: هذا مبني على أن الواقعة العظيمة يجب اشتهرها، وذلك ينتقض بسائر معجزات الرسول وبأمر إقامة فإنها فرادى أو مثناة اختلف فيها العلماء، هذه هي أدلة القائلين بالتوقيف. |
![]() |
الأول: لا يخلو إما أن يقال: إنه تعالى يخلق ذلك العلم في عاقل أو في غير عاقل، وباطل أن يخلقه تعالى في عاقل؛ لأن العلم بأنه تعالى وضع تلك اللفظة لذلك المعنى يتضمن العلم به تعالى، فلو كان ذلك العلم ضروريًّا لكان العلم به تعالى ضروريًّا؛ لأن العلم بصفة الشيء متى كان ضروريًّا كان العلم بذاته أولى أن يكون ضروريًّا، ولو كان العلم به تعالى ضروريًّا لبطل التكليف لكن ذلك باطل؛ لما ثبت أن كل عاقل يجب أن يكون مكلفًا، وباطل أيضًا أن يخلقه في العاقل؛ لأنه من البعيد أن يصير الإنسان غير العاقل عالمًا بغير اللغات العجيبة والتركيبات النادرة اللطيفة. |
![]() |
الثاني: وهو أن لا يخلق الله تعالى العلم الضروري بوضع تلك الألفاظ لتلك المعاني، فحينئذ لا يعلم سامعها كونها موضوعة لتلك المعاني إلا بطريق آخر، والكلام فيه كالكلام في الأول؛ فيلزم إما التسلسل وإما الانتهاء إلى الاصطلاح، وهذا هو المطلوب. |
![]() |
وأما تخصيص لفظ الاسم بهذه الألفاظ فهو عرف حادث، سلمنا أن المراد من الأسماء الألفاظ؛ فلِمَ لا يجوز أن يقال: إنها كانت موضوعة بالاصطلاح من خلق خلقه الله تعالى قبل آدم -عليه السلام- فعلمه الله تعالى ما تواضع عليه غيره؟ |
![]() |
وأيضًا يجاب عن الثاني بأنهم استحقوا الذم لإطلاقهم لفظ الإله على الصنم مع اعتقاد مسمى الإلهية فيها. |
![]() |
ويجاب عن الثالث: أن اللسان اسم للجارحة المخصوصة وهي غير مرادة بالإجماع، فلا بد من المجاز، فليسوا بصرفه إلى اللغات أولى منا بصرفه إلى القدرة على اللغات أو إلى مخارج اللغات. |
![]() |
وأجيب عن الرابع بأنه باطل لتعلم الولد اللغة من والديه، فإن ذلك ليس مسبوقًا بالتوقيف، سلمنا أنه لا بد قبل الاصطلاح من لغة أخرى ليصطلحوا بها على تلك اللغة الثانية، فلما لا يجوز أن تكون هذه اللغات التي نتكلم بها الآن توقيفية؛ لاحتمال ... |
| ... أن يقال: كانت قبل اللغات لغة أخرى، وأنها كانت توقيفية ثم إن الناس بتلك اللغة اصطلحوا على وضع اللغات، فإن قلت: إذا كان لا بد من الاعتراف بلغة توقيفية فلنعترف بكون هذه اللغات توقيفية، ولنسقط من البين تلك الواسطة المجهولة، قلنا: كلامنا في الجزم وما ذكرته ليس من الجزم في شيء. | |
![]() |
وأجيب عن الخامس بأنه لو وقع التغيير في هذه اللغة لاشتهر نقضه بمعجزات الرسول، وأن الإقامة فرادى أو مثناة فسيجيء الجواب عنها إن شاء الله فيما بعد، أما الذي احتج به القائلون بالاصطلاح فالجواب عما تمسكوا به أولًا نقول فيه: إن الحجة إنما تتم لو لم يحصل التوقيف إلا ببعثة الرسل، وذلك ممنوع، وعن الثاني أن الله تعالى خلق فيهم علمًا ضروريًّا بأن واضعًا وضع هذه الألفاظ بإزاء تلك المعاني، وإن كان لا يخلق فيهم العلم لأن ذلك الواضح هو الله تعالى. سلمنا أنه تعالى يخلق فيهم العلم بأن ذلك الواضح هو الله تعالى فلِمَ قلت: إنه باطل. |
![]() |
أما قوله: لأنه ينافي التكليف، قلنا: إنه ينافي التكليف بمعرفة الله تعالى، ولا ينافي التكليف بسائر الأشياء، سلمنا أنه لا يخلقه في العاقل فلِمَ لا يخلقه في غير العاقل؟ ولِمَ لا يجوز في المجنون أن يعلم بالعلم الضروري بعض الأحكام الدقيقة؟ فهذا هو الجواب عن وجوه القاطعين، ومتى ظهر ضعفها وجب التوقف، والله تعالى أعلم. |
![]() |
ينبغي علينا أن نعرف معنى التوقيف، قال ابن فارس: لعل ظانًّا يظن أن اللغة التي دللنا على أنه توقيف إنما جاءت جملة واحدة وفي زمان واحد، وليس كذلك، بل وقف الله آدم عليها على ما شاء أن يعلمه إيّاه، ثم احتاج إلى علمه في زمانه فانتشر من ذلك ما شاء، ثم علّم بعد ذلك آدم من عرف من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- نبيًّا نبيًّا ما شاء أن يُعلّمه حتى انتهى الأمر إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم- فأتاه من ذلك ما لم يؤتَ أحدًا، ثم قرّ الأمر قراره، فلا نعلم لغة من بعده حدثت. هذه هي معنى التوقيف. |
![]() |
أما الأسماء التي علمها الله تعالى لآدم فقد اختلف فيها العلماء، قال ابن عطية: اختلفوا في أي الأسماء علم الله آدم، فقيل: جميع المخلوقات حقيرها وجليلها، وقيل: أسماء الأجناس، وقيل: علّم الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته، وقد غلا قوم في هذا المعنى حتى حُكي عن ابن جني أنه حكي عن أبي علي الفارسي أنه قال: علّم الله آدم كل شيء حتى أنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه، ونحو هذا من القول الذي هو بيّن الخطأ، وقال أكثر العلماء: علمه منافع كل شيء وما يصلح. هل هذه المسألة والخلاف فيها مهم؟ إن الخلاف في هذه المسألة يوجب الظن بأن لا فائدة للخوض فيه: |
![]() |
لتكميل العلم بهذه الصناعة؛ إذ معظم النظر فيها يتعلق بدلالة الصيغ، أو جواز قلب ما لا تعلق له بالشرع فيها، كتسمية الفرس ثورًا، والثور فرس إلى غير ذلك، وقيل الخلاف فيها طويل الذيل قليل النيل، يعني: قليل الفائدة، ولا يترتب عليها معرفة عمل... |
| ... من أعمال الشريعة، وإنما ذُكرت في علم أصول الفقه؛ لأنها تجري مجرى الرياضيات التي يرتاض العلماء بالنظر فيها، كما يصور الحيسوب مسائل الجبر والمقابلة، فهذه من أصول الفقه من رياضياته بخلاف مسألة الأمر للوجوب مثلًا، أو الأمر للفور، والنهي يقتضي الفساد، فهذه المسائل من ضروريات علم أصول الفقه. |