![]() |
أطلق الأصوليون القول بمقابلة الحسن بالقبيح، وإنما يقابل الحسن بالسيئ، والقبيح بالجميل، |
![]() |
ومن حكم التقابل مقابلة الأعم بالأعم، والأخص بالأخص، والقبيح أخص من السيئ، كما أنّ الجميل أخص من الحسن وأبلغ من المدح معه. | |
![]() |
حقيقة الحسن والقبيح في الاصطلاح يؤول إلى: تعلق الخطاب بالشيء على صفة، وليس الحسن والقبيح راجعين إلى الذوات، خلافًا للمعتزلة والكرّامية والروافض؛ حيث قالوا: إن نفس الذوات الحسنة والقبيحة، ويرون ذلك من صفات نفوسه. | |
![]() |
الحسن والقبح يطلقان بمعانٍ ثلاث: |
![]() |
أحدها: ما يلائم الطبع وينافره، إذًا الحسن هو ما يلائم الطبع، والقبح هو ما ينافر الطبع؛ كالحلاوة والمرارة، والفرح والحزن، وليس هذا محل النزاع لاختلافه باختلاف الأغراض. | ||
![]() |
الثاني: كون الشيء صفة كمال أو نقص؛ كالعلم صفة كمال، والجهل صفة نقص، والحسن والقبح بهذين المعنيين عقليان، أي: يعرفان بالعقل بلا خلاف بين العلماء. |
![]() |
الثالث: كون الفعل موجبًا للثواب والعقاب، والمدح والذم، وهذا موضع النزاع، فعندنا لا يعلم إلا بالشرع، وعند المعتزلة بخلافه. |
![]() |
الثواب والعقاب لا يعلمان إلّا من جهة الشرع، قد تقرّر مما سبق أنّ محلّ النزاع إنما هو في الحسن والقبح، بمعنى: ترتب الثواب والعقاب، فنقول: بين الحسن والقبح وبين الثواب والعقاب تلازم ما، واتفق المعتزلة مع أهل السنة أنّ العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها قبل ورود الشرع، لكنهما افترقا في أنّ المعتزلة ترى أن الثواب والعقاب ملازم لها، فحكَمَت المعتزلة بثبوت الثواب والعقاب قبل الشرع؛ لثبوت الحسن والقبح قبله، فإذا جاء الشرع بعد ذلك كان مؤكدًا لحكم العقل. | |
![]() |
وأما أهل السنة فإنهم يرون أن الثواب والعقاب لا يعلمان إلّا من جهة الشرع، فنفوا الحسن والقبح قبل الشرع. | |
![]() |
في المسألة ثلاثة مذاهب: |
![]() |
أحدها: أنّ حسن الأشياء وقبحها، والثواب والعقاب عليها، شرعيان، وهو قول الأشعرية. | ||
![]() |
والثاني: عقليان، وهو قول المعتزلة. | ||
![]() |
والثالث: أن حسنها وقبحها ثابت بالعقل، والثواب والعقاب يتوقّف على الشرع، فنسميه قبل الشرع حسنًا وقبيحًا، ولا يترتب عليه الثواب والعقاب إلّا بعد ورود الشرع. |
![]() |
إدراك الحكم الشرعي في القياس، أو دخول الفرع الخاص تحت القاعدة الكلية، وإن كان بالعقل، فالمراد به أنّ العقل مدرك للحكم، والإدراك -كما علمنا- حصول صورة الشيء في الذهن، لا أنه حاكم، وكذلك ترتيب النتيجة بعد المقدمتين، حكم شرعي أدركه العقل، ولا يقال: أوجبه. |
![]() |
الحكم خطاب الشرع، فلا حاكم على المكلفين إلا الشرع -كما قلنا- خلافًا للمعتزلة؛ حيث حكم العقل. | |
![]() |
الفرعان المنزلان على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين: | |
![]() |
الفرع الأول: شكر المنعم: | |
![]() |
قالت الأشاعرة: إن شكر المنعم وهو الله تعالى ليس واجبًا عقلًا، وإنما وجب بالشرع. وقالت المعتزلة: بل وجب بالعقل، والشرع جاء مؤكدًا لما أدركه العقل، والمراد من الشكر هنا هو المعنى اللغوي، وهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بإنعامه؛ سواء كان هذا الفعل قولًا باللسان، أو اعتقادًا بالقلب، أو عملًا بالجوارح والأركان، والمراد به هنا نوع خاص منه وهو اجتناب المستخبثات العقلية والإتيان بالمستحسنات العقلية. فشكر المنعم -وهو الثناء عليه بذكر آلائه وإحسانه- حسن قطعًا بضرورة العقل، وأما وجوبه فإنما يكون بالشرع ولا يجب عقلًا عندنا، وعند المعتزلة أنه يجب عقلًا لكنه وجوب استدلال لا ضروري، ووافقهم على ذلك جماعة من الشافعية الأقدمين. |
![]() |
حكم أفعال العقلاء قبل ورود الشرع: أفعال العقلاء لا حكم لها قبل ورود الشرع عند أهل السنة والأشاعرة؛ بناء على أن الأحكام هي الشرائع، وعند المعتزلة الأحكام هي صفات الأفعال، فقالوا: الأفعال الاختيارية إما حسن بالعقل كإسداء الخيرات، أو قبيح بالعقل كالجور والظلم، وهذان لا خلاف فيهما عندهم كما قاله ابن برهان وغيره، وإنما الخلاف فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح، كفضول الحاجات والتنعمات، والأول واجب أو مندوب أو مباح، والثاني حرام أو مكروه، والثالث فيه خلاف هل هو واجب، أو مباح، أو على الوقف؟ ثلاثة مذاهب. أما الأفعال الاضطرارية كالتنفس ونحوه فحسنه قولًا واحدًا، هكذا حرر الآمدي وغيره محل الوفاق من الخلاف. في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع مذهبان: |
![]() |
أحدهما: أنها على الإباحة، وبه قال: معتزلة البصرة، وأهل الرأي، وأهل الظاهر. | ||
![]() |
والمذهب الثاني: أن هذه الأفعال أو الأعيان المنتفع بها قبل الشرع على الحظر، وبه قالت معتزلة بغداد. |