٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


إدراك الحكم الشرعي في القياس، أو دخول الفرع الخاص تحت القاعدة الكلية، وإن كان بالعقل، فالمراد به أنّ العقل مدرك للحكم، والإدراك -كما علمنا- حصول صورة الشيء في الذهن، لا أنه حاكم، وكذلك ترتيب النتيجة بعد المقدمتين، حكم شرعي أدركه العقل، ولا يقال: أوجبه، وقد أطلق الإمام الشافعي في (المختصر) القول بتعصية الناجش، وهو الذي يزيد في السلعة لا لغرض بل ليخدع غيره، وشرط في تعصية من باع على بيع أخيه العلم بورود النهي عنه.
فقال الشارحون: السبب في ذلك أنّ النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، وإن لم يعلم فيه خبر بخصوصه، والبيع على بيع الأخ إنما عُرِف من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه من لا يعرف الخبر، أي أنه قد ورد نهي من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه)) فمن عرف هذا الخبر وعلم به، فإنه يعلم حكم البيعة على بيعة الأخ، ومن لا يعرف ذلك الخبر لا يعرف الحكم.
وذكر بعضهم أنّ تحريم الخداع يعرف بالعقل وإن لم يرد به شرع، فحتى إذا لم يرد شرع بتحريم الخداع والمخادعة، فإن العقل يعرف أن هذا لا يحسن اللجوء إليه.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


يقول الإمام الرافعي في (شرح الوجيز): وهذا ليس من معتقدنا، وإذا فهمته على أن العقل يدرك تحريم الخداع من غير استقلال في ذلك، حينئذ لم يبقَ اعتراض، بمعنى: أنَّ العقل لا يستقل بذلك، بل لا بد من وجود الشرع.
ومن فروع هذا الأصل أيضًا -وهو أنّ العقل مدرك للحكم لا حاكم: عدم صحة إسلام الصبي عندنا؛ لأن صحته فرع تقدم الإلزام به، ولا إلزام مع الصبا شرعًا، أي أنّ الصبي غير ملزم بشيء، فالصبي مرفوع عنه القلم، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((رفع القلم عن ثلاث)) وما ذكر منها: ((الصبي حتى يحتلم)) فمن صحة الإيمان تقدّم الإلزام به، ولا إلزام مع الصبا شرعًا، إذًا لا يصح إسلام الصبي.
لكنّ الإمام أبا حنيفة قال: يصح، بناء على أنّ العقل يوجب على الصبي والبالغ الإسلام، ثم المعتمد في إبطال الحسن والقبح عدم وجوب رعاية المصالح والمفاسد، بأن يقال: خلق العالم إما أن يكون لمصلحة أو لا، فإن كان -أي: فإن كان لمصلحة- فقد أجرى الله تعالى فعل المصالح دهورًا لا نهاية لها، وإن لم يكن لرعاية المصالح كان خلقه عريًّا عن المصالح، فإن الله تعالى لا يجب أن يكون تصرفه ملزومًا بالمصالح، أو لا تكون رعايتها واجبة، وإذا تقرر عدم وجوب رعاية المصالح، فلا يجب في العقل أنّ الله يربط أحكامه فيها، بل يجوز ذلك ويقتضيه، فبطل قاعدة التحسين والتقبيح؛ لأن وجوب ربط الأحكام بالمصالح والمفاسد هو عين الحسن والقبح العقليين.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


وعلى ذلك إذا تبين أنّ الحكم خطاب الشرع، فلا حاكم على المكلفين إلا الشرع -كما قلنا- خلافًا للمعتزلة؛ حيث حكم العقل، وكما قلنا: أن قد اختلفت العبارات عن حكاية مذهب المعتزلة، فالكيا الطبري يقول: قالت المعتزلة: العقل يوجب، ولا يعنون هنا إيجاب العلة معلولها، أو أن العقل يأمر، فإن الاقتضاء منه غير معقول، وهو عَرَض، والأمر يستدعي الرتبة، فإذًا المعني به أنّ العقل يعلم وجوب بعض الأفعال عليه، والمعني بوجوبه علمه باقتران ضرر بتركه، وإليه يرجع معنى الوجوب والحسن والقبح، وهذا منهم ادّعاء العلم ضرورة على وجه يشترك فيه العقلاء.
ثم قال: وقد مال إلى ما ذكروه طوائف من القائلين بقدم العالم، من حيث أن الذي يتعلق به نظام المعيشة وعمارة الدنيا هو أقرب إلى الاعتدال، وحسن النظام من الذي يتضمّن خراب الدنيا، وهذا المذهب لا شك في بطلانه قطعًا.
وقال الإمام الطبري أيضًا في موضع آخر: العقل يستقل بوجوب اتّباع الرسل، من حيث إن الاتباع تمحض نفعًا لا يشوبه ضرر، والامتناع من الاتباع محض ضرر، ولا يتأتى ذلك إلّا بعد أن يعلم أن الله تعالى أظهر المعجزة على يده ليصدقه.
وهذا العلم يحصل عند المعتزلة من جهة أنّ الله تعالى لا يفعل القبيح، وعند الأشاعرة من جهة: أنه لو لم يقدر ذلك لم تكن معرفة الصدق من جائزات العقل وذلك محال، والذي يعلم بالشرع أنه مصلحة ونفع محض على ثلاثة أضرب: حكم وما يتعلق به الحكم من علة وتسبب، والأدلة على علة الحكم.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


يقول ابن برهان: اعلم أنّ المعتزلة -وإن أطلقوا أقوالهم بأن العقل يحسن ويقبّح- لم يريدوا به أنه يوجب الحسن والقبح، فإن العقل عبارة عن بعض العلوم الضرورية، والعلم لا يوجب المعلوم إيجاب العلة المعلول، إنما عنوا أن العقل يكشف عن حسن الحسن وقبح القبيح، فعند ذلك انقسموا؛ فمنهم من ذهب إلى أن الحسن حسن لذاته، وكذلك القبيح، ومنهم من صار إلى أن قبح الصفة.
وكذلك من الأشعرية من قالوا: إنّ الحسن ما حسّنه الشرع، والقبيح ما قبّحه الشرع، وما عنوا به الإيجاب، وإنما عنوا به أنّ الحسن هو المقول فيه لا تفعل.
وقال في موضع آخر: عندنا لا حكم للعقل، لكن نحن نقول: إن الأدلة العقلية حقائق ثابتة في أنفسها، دالة على مدلولاتها، ومقتضية أحكامها، إلّا أن لا نعتقد ذلك، والمعتزلة يعتقدون أن للعقل أحكامًا، وهذا الخلاف بيننا وبينهم وأنكره بعض الناس. وقال: النظر في الأدلة العقلية لا يوجب العلم بالمحال.
أمّا الأستاذ أبو منصور البغدادي فقد قال: ذهبت المعتزلة والبراهمة إلى أن العقول طريق إلى معرفة الحسن والقبح، والواجب والمحذور، ثم اختلفوا في وجه تعليق الحكم على العقل، فقالت المعتزلة: هو خاطر من قِبَل الله تعالى، يدعوه إلى النظر والاستدلال، وشرع الرسل ما قبح في العقل كذبح البهائم وتسخير الحيوان وإتلافه.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


قالوا: وإنما حسن ورود الشرع به للغرض المقصود منه، وخالفه أبو هاشم من المعتزلة، وزعم أنه لولا ورود الشرع بذلك لم يكن معلومًا جواز حسنه، ثم اختلفوا في صفة الخاطر، فقال النظّام: هو جسم محسوس، وأن الله تعالى يفعل خاطرًا لطاعة، وخاطرًا لمعصية في قلب العاقل، فيدعوه بأحد الخاطرين إلى طاعة ليفعلها، ويدعوه بالآخر ليتركها.

فرعان منزلان على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين
الفرع الأول: شكر المنعم.
الفرع الثاني: حكم الأشياء قبل الشرع.


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


عُلم مما تقدَّم أنّ الأشاعرة لا يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين، وأن المعتزلة يقولون بهما، وقد أقام كل منهما الدليل على ما يدَّعيه، ولكن الأشاعرة بعد أن أبطلوا القاعدة الكلية، وهي قاعدة التحسين والتقبيح، ذكروا فرعين لهذه القاعدة، وأقاموا الدليل على بطلانهما بخصوصهما لظهور البطلان فيهما:
الفرع الأول: شكر المنعم فقد قالت الأشاعرة: إن شكر المنعم وهو الله تعالى ليس واجبًا عقلًا، وإنما وجب بالشرع. وقالت المعتزلة: بل وجب بالعقل، والشرع جاء مؤكدًا لما أدركه العقل، والمراد من الشكر هنا هو المعنى اللغوي، وهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بإنعامه؛ سواء كان هذا الفعل قولًا باللسان، أو اعتقادًا بالقلب، أو عملًا بالجوارح والأركان، والمراد به هنا نوع خاص منه وهو اجتناب المستخبثات العقلية والإتيان بالمستحسنات العقلية. فشكر المنعم -وهو الثناء عليه بذكر آلائه وإحسانه- حسن قطعًا بضرورة العقل، وأما وجوبه فإنما يكون بالشرع ولا يجب عقلًا عندنا كما سبق أن قلنا، وعند المعتزلة أنه يجب عقلًا لكنه وجوب استدلال لا ضروري، ووافقهم على ذلك جماعة من الشافعية الأقدمين منهم: أبو العباس بن القاس، وأبو بكر القفال الشاشي، وأبو عبد الله الزبيري، وأبو الحسين بن القطان، وأبو بكر الصيرفي، فقال أبو عبد الله الزبيري: العبادات من قبل السمع لا ترد إلا على ثلاثة أوجه:
الأول: ضرب يرد بإيجاب ما تقدَّم في العقل وجوبًا كالإيمان بالله وشكر المنعم.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


الثاني: يرد بحذر ما تقدم في العقل وجوبه كالكفر بالله.
الثالث: يرد لما في العقل جواز مجيئه كالصلوات والزكوات والحج والصوم.
وقال ابن القاصِّ في كتابه (أدب الجدل): الأشياء في العقل على ثلاثة أضرب، فضرب أوجبه العقل، وضرب نفاه، وضرب أجازه، وأجاز خلافه، فما أوجبه العقل فهو واجب كشكر المنعم ومعرفة الصانع، قال: وأما الضربان الأولان فحجة الله فيهما قائمة على كل ذي لبّ قبل مجيء الشرع وبعده، ولا يجيء سمع إلا مطابقًا لهذا، وقال أبو الحسين بن القطان: لا خلاف أن ما كان للعقل فيه حكم أنه ما كان عليه مثل شكر المنعم ونحوه.
وقال القفال في (محاسن الشريعة) في كتاب الصلاة: والعقول تدل على وجوب شكر المنعم. ونقله الأستاذ أبو إسحاق في شرح كتاب (الترتيب) عن القفال وابن أبي هريرة منا، قال: وكان ذلك مذهب الصيرفي ورجع عنه، قال: ولم يخالفه أصولنا في غير هذا الموضع، ووافقونا في باقي المسائل.
وقال في موضع آخر: القول بوجوبه باطل في قول أكثر أصحابنا من المتكلمين والفقهاء، وجماعة من أصحابنا الفقهاء لما نظروا إلى أسئلة المعتزلة وإيجاب الشكر بمجرد العقل اعتقدوا أن شكر المنعم ومعرفة حدوث العالم، وأن له محدثًا ...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


... وأن له منعمًا أنعم عليه كلها واجب بالعقل قبل الشرع، وهم: أبو بكر الصيرفي، وأبو علي بن أبي هريرة، وأبو بكر القفال، قال: وأبو علي السقطي -يعني: الطبري- ويُعرف بابن القطان كان صاحب ابن أبي هريرة، وكان يَذِق عليه في هذا الفصل. قال رحاك أبو سهل الصعلوكي: أن أبا علي بن أبي هريرة وقع إلى أبي الحسن -يعني: الأشعري- وأبو الحسن كلمه في هذا الفصل ولم ينجع منه. فقال أبو الحسن لأبي علي: أنت تشنأني؟ أي: تبغضني. فقال: فوقعت بينه وبين الشيخ أبو الحسن وقيعة، قال أبو سهل: وكنا نتعصب للشيخ أبي الحسن فمضينا وقعدنا على رأس القنطرة التي كانت على طريق ابن أبي هريرة، وهي قنطرة بغداد يقال لها. الصراة وكنا ننتظره لننتفع به.
أما أبو بكر الصيرفي فقد وقع إلى الشيخ أبي الحسن ولحَّ معه في هذه المسألة فقال له أبو الحسن: أبجد تقول: إن الكائنات كلها بإرادة الله تعالى خيرها وشرها؟ قال: نعم. فقال أبو الحسن: إذا كانت العلة في إيجاب شكر المنعم أنه لا يأمن أن يكون المنعم الذي خلقه قد أراد منه الشكر؛ فقد يجوز أن يريد منه ألا يشكره، لأنه مستغنًى عن شكره، فإما أن يعتقد أنه لا يريد ما ليس بحسن، كما قالت المعتزلة، وإما ألا تأمن أنه قد أراد منك ترك شكر المنعم، وإذا شكرته عاقبك؛ فلا يجب عليك شكر المنعم بهذا الجواز. فترك أبو بكر الصيرفي هذا المذهب ورجع عنه.
وأما أبو علي وأبو بكر القفال فلم يثبت عنهم الرجوع عن هذه المقالة، قال الطرطوشي في (العمد): هذا مذهب أهل السنة قاطبة إلا ثلاثة رجال تلعثموا في هذا الأصل في أول أمرهم، ثم رجعوا عنه إلى الحق، وذكر منهم الصيرفي وأبو العباس القلانسي وأبو بكر القفال، ثم قال ...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


... الأستاذ: كانت المعتزلة والأوائل منهم على أن وجوب شكر المنعم معلوم بالنظر، كما قال بعض الفقهاء من أصحابنا، فصاروا كلهم في آخرهم إلى أنه معلوم ضرورة، وإلزامات وردت عليهم، انتهى كلامه.
وقال في موضع آخر: قصد الأوائل من أصحابنا بقولهم: إنا لا نعرف القبح والعدل والظلم إلا بالشرع فقط، مخالفة المعتزلة في قولهم ما قبحه العقول لا يرد الشعر بتحسينه، لا أنا لا نعرف معاني هذه الألفاظ قبل الشرع من اللغة؛ بل نعرفها قبل الشرع، ونعرف ونعلم تواطؤهم على التقبيح والتحسين في أشياء نعرفها واختلافهم في أشياء أخرى، وأن عقلاءهم حكموا كذلك قال: ومن قال: إنا لا نعرف مقاصدهم بهذه الألفاظ قبل الشريعة؛ لم يتمكن من الكلام فيها والمناظرة مع الخصوم، فإنه متى جرى في كلامه أن الشرع يُقبّحه أو يحسنه منعه منه، فقال: أي شيء تعني بالتحسين والتقبيح وأنت لا تعرفه حتى يرد الشرع فيتعذر الكلام عليه؟ قال: وأول ما ورد أبو عمرو البسطامي بنيسابور حضر بعض مجالس الكلام لبعض العلوية فسئل عن هذه المسألة فقال: لا أعرف الحسن والقبح قبل الشريعة، فأورد عليه هذا السؤال فالتبك فيه وتخبط، ولم يمكنه الخروج منه، ثم قال: يكون الفرق بيننا في قولنا: إنا نعرف معاني هذه الألفاظ، وبين قول المعتزلة: إنا نقول ما قضى العقل بقبحه؛ جاز أن ترد الشريعة باستحسانه.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتابه (التحصيل): وكان أبو العباس القلانسي وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا يقولان بوجوب شكر المنعم ووجوب الاستدلال على معرفته ومعرفة صفاته من جهة العقل قبل ورود الشرع، ثم إن الصيرفي نظر الأشعري في ذلك، واستدل على وجوب شكر المنعم بالعقل بوجوب الاحتراز مما يخاف منه الضرر، قال: فإذا خطر ببال العاقل أنه لا يأمن أن يكون له صانع قد أنعم عليه، وأراد منه الشكر على نعمه والاستدلال على معرفته؛ لزم الشكر والمعرفة، فقال له الأشعري: هذا الاستدلال يناقض أصله؛ لأنك استدللت على وجوب شكر المنعم لإنكار أن يكون المنعم قد أراد ذلك، وإرادة الله تعالى لا تدل على وجوده؛ لأنه -سبحانه وتعالى- قد أراد حدوث كل ما علم حدوثه من خير وشر وطاعة ومعصية، ولا يجوز أن يقال بوجوب المعاصي، وإن أراد الله -عز وجل- حدوثها فعلم الصيرفي منافاة استدلاله على مذهبه، ورجع إلى القول بالوقف قبل الشرع. زاد الطرطوسي أنه صنف كتابًا سماه (الاستدراك) رجع فيه عن قوله الأول، وقيل: إنه ألحق بحاشية الكتاب نحن إنا كنا نقول بشكر المنعم فإنما نقوله عند ورود الشرع قال: وكذا القلانسي كان يقول به، ثم لما تحقق لهما فيه من التهافت رجع عنه.
ننتقل بعد ذلك إلى أدلة الفريقين:
استدلَّ الأشاعرة ومن معهم على عدم الوجوب عقلًا بدليلين:


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


الدليل الأول

قالوا فيه: لو وجب الشكر قبل الشرع؛ لجاز تعذيب تاركه؛ لأن جواز التعذيب على الترك من لوازم الوجوب، لكن تارك الشكر قبل الشرع لا يجوز تعذيبه، وذلك لقوله تعالى: ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)) [الإسراء: ١٥] فإن الآية الكريمة نفتْ جواز التعذيب، فإن المعنى ليس من شأننا ولا مما يجوز في حقنا أن نُعذّب العباد قبل أن نبعث إليهم رسولًا يرشدهم إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وقد ناقش المعتزلة هذا الدليل من وجوه:
الوجه الأول: قالوا فيه: الآية نفت عذاب الاستئصال في الدنيا قبل بعثة الرسل، ولا يلزم من نفي عذاب الدنيا نفي عذاب الآخرة، ولازم الوجوب العذاب الأخروي لا العذاب الدنيوي، والآية لم تنفِ العذاب الأخروي فلا حجة لكم فيها. أجاب الأشاعرة عن ذلك بقولهم: إن عذاب الدنيا أقل شأنًا من عذاب الآخرة، ونفي الأدنى نفي للأعلى؛ فحيث نفت الآية الأدنى وهو عذاب الدنيا، فقد نفت الأعلى وهو عذاب الآخرة من باب أولى.
ناقش المعتزلة أيضًا هذا الدليل من وجه ثانٍ فقالوا فيه: الرسول في الآية في قوله تعالى: ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)) [الإسراء: ١٥] مرادٌ به العقل، فمقتضى الآية أن من ليس عنده عقل كالمجنون لا يُعذب، أما من عنده عقل يدرك به فإنه يعذب، وهذا ...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


... لا يضرنا بل هذا ما ندَّعيه، أجاب الأشاعرة عن ذلك بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقيقة فيمن أرسله الله، فكلمة رسول معناها الحقيقي هو الذي أرسله الله بشرع وأمره بتبليغه، فإطلاقه على العقل مجاز، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لقرينة، وهنا لا توجد قرينة.
ناقشوا ثالثًا فقالوا: شكر المنعم واجب عقلُا لكن تاركه قبل الشرع لا يعذب حتى يبعث الله له رسولًا؛ لتقوم الحجة البالغة عليه قال تعالى: ((رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)) [النساء: ١٦٥]، وعلى ذلك فلا حُجة لكم في الآية؛ لأنها قرَّرت أن العذاب لا يكون إلا بعد بعثة الرسل، ونحن نقول بهذا. أجاب الأشاعرة عن ذلك بأن الوجوب قبل الشرع يصبح عديم الفائدة فيكون القول به عبثًا.

الدليل الثاني

استدل الأشاعرة بدليل آخر فقالوا فيه: لو وجب شكر المنعم عقلًا، فإن كان لغير فائدة كان عبثًا، والعبث من الشارع محال، وإن كان لفائدة كان باطلًا كذلك؛ لأن الفائدة يمتنع رجوعها إلى الله تعالى، لأنها إما جلب منفعة أو دفع مضرة، والله منزَّه عن كل منهما، كما يمتنع رجوعها أيضًا إلى العبد؛ لأنه لجائز أن تكون أخروي وهي الثواب، لأن العبد لا يدرك الآخرة فضلًا عن أن يدرك ما ثبت له فيها، ولا ...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


...جائز أن تكون دنيوية؛ لأن الشكر عبارة عن اجتناب المستخبثات والإتيان بالمستحسنات، وتلك أفعال فيها كُلفة على النفس ومشقة، وليست فيها منفعة، ومثل ذلك لا يُعتبر فائدة، وإذا انتفت فائدة الوجوب في الدنيا والآخرة انتفى الوجوب، وثبت أن الشكر غير واجب، المعتزلة لم يتركوا هذا الدليل أيضًا، وإنما ناقشوه من وجوه:

الوجه الأول: منع حصر رجوع الفائدة إلى الشاكر والمشكور، فقد تكون فائدة الوجوب لغيرهما، ولن تقيم دليلًا على بطلان رجوعها لغيرهما، فلم يتم لكم ما تقولون؛ إذ يجاب عن ذلك بأن رجوع الفائدة لغير الشاكر والمشكور نادر، والنادر لا عبرة به.
ناقشوا ثانيًا باختيار أن الفائدة ترجع إلى الشاكر في الدنيا، وكون الشكر مشقة هذا لا ينافي أنه يترتب عليه منفعة في الدنيا كاستمرار الصحة، وسلامة الأعضاء الظاهرة والباطنة، ودفع القحط، وزيادة الرزق بل يغالب أن الفائدة إنما تأتي بعد المشقة.
ناقشوا ثالثًا باختيار أن الفائدة ترجع إلى الشاكر في الآخرة، وهي خروجه عن العهدة بيقين، فإن عدم إتيانه بالشكر يوجب عنده احتمال العقاب عليه؛ لكونه مطلوبًا منه، والإتيان به يدفع عنه هذا الاحتمال؛ لأنه إن كان مطلوبًا منه فقد أدَّاه، وإن لم يكن مطلوبًا منه لم ينله من الإتيان به ضرر، وبذلك ينجو من عقاب الآخرة، وأجيب عن ذلك بأن إتيانه بالشكر قد يسبب له العقاب لأمور ثلاثة:

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


الأمر الأول: العبد مملوك للمشكور وهو الله تعالى، فإتيانه بالشكر يكون تصرفًا في نفسه المملوكة لغيره بدون إذن المالك، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه سبب للعقاب.
الأمر الثاني: شكر العبد للمنعم على ما أنعم به عليه يُعتبر استهزاء به؛ لأن ما وصله من النعم قليل وحقير بالنسبة لعظمة الله تعالى وكبريائه، فيكون مثل ذلك كمثل فقير أعطاه ملك من الملوك كسرة خبز، أو جرعة ماء فأخذ يطوف المجالس متحدثًا بهذه النعمة ويقول: أعطاني الملك فلان الفلاني كسرة خبز أو جرعة ماء.
الأمر الثالث: قد يكون الشكر مطلوبًا على وجهٍ خاصّ، فيأتي به الشاكر على غير وجهه المطلوب منه، فيقع غير لائق بالمشكور فيستحق فاعله اللوم العقاب.
ناقش المعتزلة أيضًا دليل الأشاعرة وقالوا: إن هذا الدليل منقوض بالوجوه الشرعية؛ إذ يقال فيه: لو وجب الشكر شرعًا، فإن كان لغير فائدة كان عبثًا، والعبث من الشارع محال، وإن كان لفائدة كان باطلًا؛ كذلك لأنّه لجائز أن تكون الفائدة راجعة للمشكور؛ لأنّها إما جلب منفعة أو دفع مضرة، والله منزه عن كل منهما، ولا جائز أن تكون الفائدة راجعة للشاكر؛ لأنها إن كانت أخروية وهي الثواب كان ذلك باطلًا، لأن العبد لا يدرك الآخرة فضلًا عن أن يُدرك ما يحصل الله فيها، وإن كانت دنيوية كان ذلك باطلًا أيضًا؛ لأن الشكر مشقة على ...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


... النفس، ومثل ذلك لا يعتبر فائدة، أجيب عن ذلك باختيار أن الوجوب الشرعي لفائدة تتعلق بالآخرة، والشرع بيّن للمكلف الآخرة كما بين له ما يناله فيها. ومثل ذلك لا يتأتَّى في الوجوب العقلي؛ لأن العقل لا يستقل بدرك الآخرة، فجوابنا عن الوجوب الشرعي لا يشرح جوابًا لكم عن الوجوب العقلي.
يقول الإمام الرازي -رحمه الله: الفصل الثامن: في أن شكر المنعم غير واجب عقلًا، وقالت المعتزلة بوجوبه لنا النص والمعقول، واستدل بالنص السابق: ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)) [الإسراء: ١٥] واستدل أيضًا بقوله: ((رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)) [النساء: ١٦٥] وأما المعقول فإنه لو وجب لوجب إما لفائدة أو لا لفائدة، والقسمان باطلان، فالقول بالوجوب باطل.
يقول الإمام الرازي -رحمه الله- في كتابه (المحصول): ثم بتقدير أن يثبت كونه مفيدًا للعلم، فإنه يجب الإتيان به لو عرف أن غيره لا يقيم مقامه في إفادة العلم، وذلك ما لسبيل إليه إلا بالنظر الدقيق، وإذا كان العلم بوجوب النظر موقوفًا على ذلك النظر؛ فالموقوف على النظري أولى أن يكون نظريًّا، وإذا كان كذلك كان العلم بوجوب النظر نظريًّا لا ضروريًّا، وحينئذٍ يتحقق الإلزام فكل ما يجعله الخصم جوابًا عن ذلك فهو جوابنا عما ذكروه، أي: أنّ الإمام الرازي ألزمهم بدليلهم الذي استدلوا به على وجوب شكر المنعم.


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


تفريع مسألة "شكر المنعم" على التحسين والتقبيح العقلي
لماذا فرعوا مسألة شكر المنعم على مسألة التحسين والتقبيح العقلي؟ فالأشاعرة جعلوا مسألة شكر المنعم مفرعة على التحسين والتقبيح، يقول الإمام الزركشي في كتابه (البحر المحيط): وليس بجيد، لماذا؟ قال: لأن الشكر هو اجتناب القبيح وارتكاب الحسن، وهو عين مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فكيف يقال: إنها فرعها. وإلى ذلك أشار ابن برهان في (الأوسط) فقال: هذه المسألة عين مسألة التحسين والتقبيح، ولا نقول هي فرعها؛ إذ لا بد وأن يتخيل بين الفرع والأصل نوع المناسبة وهي هي، كيف هي هي؟ نقول: معاشر المعتزلة إن عنيتم بالشكر قول القائل: الحمد لله والشكر لله فقد ارتكبتم محالًا، إذ العقل لا يهتدي لإيجاب كلمة، وإن عنيتم بالشكر معرفة الله فباطل أيضًا؛ لأن الشكر يستدعي تقدير المعرفة، ولهذا قيل أعرف الله أشكره، فإن قالوا: عنينا بوجوبه عقلًا ما عنيتم أنتم بوجوبه سمعًا؛ قلنا: نحن نعني بوجوب شكر المنعم سمعًا امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه، قالوا: فنحن أيضًا نريد ذلك الإتيان بمستحسنات العقول والامتناع عن مستقبحاتها.
فقد تبين بهذا التفسير أن هذه المسألة -وهي مسألة شكر المنعم- هي عين مسألة التحسين والتقبيح حذو القذة بالقذة، فبطلان مذهبهم هنا معلوم من تلك، من مسألة التحسين والتقبيح، إلا أن العلماء أفردوا هذه من تلك الجملة لعبارات رشيقة تختص بها، ومعانٍ موفقة نذكرها يظهر منها سقوط كلامهم فيها. وأما الثاني فلأن ما لا يقضي العقل فيه بشيء لا يتجه تفريعه على الأصل السابق.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


الفرع الثاني: حكم الأشياء قبل ورود الشرع "أفعال العقلاء".

حكم أفعال العقلاء قبل ورود الشرع
إن أفعال العقلاء لا حكم لها قبل ورود الشرع عند أهل السنة والأشاعرة؛ بناء على أن الأحكام هي الشرائع، وعند المعتزلة الأحكام هي صفات الأفعال، فقالوا: الأفعال الاختيارية إما حسن بالعقل كإسداء الخيرات، أو قبيح بالعقل كالجور والظلم، وهذان لا خلاف فيهما عندهم كما قاله ابن برهان وغيره، وإنما الخلاف فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح، كفضول الحاجات والتنعمات، والأول واجب أو مندوب أو مباح، والثاني حرام أو مكروه، والثالث فيه خلاف هل هو واجب، أو مباح، أو على الوقف؟ ثلاثة مذاهب.
أما الأفعال الاضطرارية كالتنفس ونحوه فحسنه قولًا واحدًا، هكذا حرر الآمدي وغيره محل الوفاق من الخلاف، أما الإمام الرازي فكما سيأتي عنه أنه عمم الخلاف في جميع الأفعال، وهو منافٍ لقواعد الاعتزال من جهة أنّ القول بالحذر مطلقًا يقتضي تحريم إنقاذ الغرقى، وإطعام الجوعان، وكسوة العريان، والقول بالإباحة مطلقًا يقتضي إباحة العقل، والفساد في الأرض، والخلاف ظاهر فيما لم يطلع العقل على مفسدته، ولا مصلحته، وحينئذ فلا تنافي الأصول قواعد المعتزلة، قال الإمام القرافي: لكن طريقة الإمام يساعدها النقل، فإن أبا الحسين البصري في كتابه (المعتمد) حكى عن شيعته المعتزلة الخلاف مطلقًا من غير تقييد، وافقه القرافي أخيرًا لهذا.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: لكن ابن برهان وابن القشير وغيرهما من الأئمة إنما حكوا الخلاف عنهم فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في كتابه (في أصول الفقه): قال جمهور المعتزلة: الشكر وما في معناه واجب واختلفوا فيما وراءه هل هو مباح أو حرام؟ وقال أبو الحسين بن القطان ممن يوافق المعتزلة: لا خلاف أن ما كان للعقل فيه حكم أنه على ما كان عليه قبل ورود الشرع مثل: شكر المنعم وكفره، واختلفوا فيما سواه، ثم حكى الخلاف. قال سليم الرازي: إن التنفس في الهواء والانتقال من مكان إلى مكان آخر ليس من محل الخلاف، لكن صاحب (المصادر) من الشيعة حكى الخلاف عن المعتزلة هل هو في الحالتين أم في الاختيارية فقط؟ قولان، وقال سليم في ذيل المسألة: ثم الخلاف إنما هو فيما يجوز أن يرد الشرع بإباحته وحذره كالمآكل والملابس والمناكح.
أما ما لا يجوز عن الحظر كمعرفة الله تعالى وما لا يجوز عليه الإباحة كالكفر بالله ونسبة الظلم إليه فلا خلاف فيه، وكذلك جعل القاضي عبد الوهاب الخلاف في مجوزات العقول، قال: وهي كل ما جاز أن يرد السمع بتحليله أو تحريمه، وقال صاحب (المصادر) من الشيعة: لا خلاف بين المعتزلة أن الأفعال المضرة على الحظر، وإنما الخلاف في الأفعال التي يصح الانتفاع بها، ولا ضرر فيها مما لا يُعلم وجوبه ولا ندبه على ثلاثة أقوال، وذكرها.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


وقال بعض المتأخرين من المحققين: فرع التحسين والتقبيح حكم الأشياء قبل ورود الشرع، هم يثبتونه مطلقًا في كل مسألة من الأصول والفروع غير أن فيها ما يدرك بضرورة العقل، ومنها ما يدرك بنظره، ومنها ما لا يدرك لا بضرورة العقل ولا بنظر العقل، فتجيء الرسل منبهة عليه في الأولين مقررة، وفي الثالث كاشفة، وعندنا لا يعرف وجوب ولا تحريم في شيء من ذلك بالعقل، ولا يثبت إلا بالشرع بعد البعثة إنشاء جديدًا، وقيل بطريق التبيين، وكنا قبله متوقفين في الجميع، قال: وهذا الذي قلناه هو معتقد أهل السنة وإجماع الأئمة الأربعة وأصحابهم، وقال صاحب (روضة الناظر وجنة المناظر) ابن قدامة -رحمه الله-: الأفعال قبل ورود الشرع هل هي على الإباحة أو على الحظر، فقال القاضي: فيه قولان يومئ إليهما في كلام أحمد، ويقصد بالقاضي هنا القاضي أبو يعلى. وقال ابن عقيل: هما روايتان، قال ابن قدامة: وهذا النقل يشكل مع استقرار مذهب أحمد أن لا مجال للعقل في التحسين والتقبيح.

حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع

إذا ثبت ما قلنا فنقول: في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع مذهبان:


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


المذهب الأول

أنّها على الإباحة، وبه قال: معتزلة البصرة، وأهل الرأي، وأهل الظاهر كما قال الأستاذ أبو منصور، وقال أبو زيد الدبوسي في (تقويم الأدلة): إنّه قول علماء الحنفية، وقال ابن برهان: إنّه الصحيح عند المعتزلة، وحكاه ابن السمعان في (القواطع) عن القاضي أبي حامد المروزي، وعن أبي إسحاق المروزي من أصحابنا، قال: وحكي عن ابن سريج أيضًا، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وأكثر المعتزلة وحكاه أبو عبد الله الزبيري من قدمائه المالكية في كتابه عن كثير من أصحابنا -أي: الشافعية- منهم أبو الطيب بن الخلال وغيره، وحكاه القاضي أبو الطيب الطبري عن القاضي أبو حامد، وحكاه سليم عن أبي إسحاق المروزي وابن سريج، وأكثر الحنفية وأهل الظاهر.

المذهب الثاني

أن هذه الأفعال أو الأعيان المنتفع بها قبل الشرع على الحظر، وبه قالت معتزلة بغداد، وقال أبو عبد الله الزبير من أصحابنا: إنه الحق، وبه قال أبو علي بن أبي هريرة وغيره، وممن حكاه عن ابن أبي هريرة القاضي أبو الطيب وسليم الرازي، وحكاه...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


... أيضًا عن بعض الحنفية قال: إلا أنّهم خصوا التنفس بالهواء، والانتقال من مكان إلى مكان فقالوا هو على الإباحة، وحكي عن المالكية وفهم من مذهب عبد الملك في الموازية، وقد سُئل عن الطفل هل هو حلال؟ فقال: لا. إن الله لم يحله.

وقال صاحب (المصادر): اختلف القائلون بالحظر فمنهم من قال: كل ما لا يقوم البدن إلا به ولا يتم العيش إلا به، ومعه على الإباحة، وما عداه على الحظر، ومنهم من سوَّى بين الكل في الحظر، وهو كما قال: من وجود الخلاف فقد قال:

الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في (شرح الترتيب): كان أوائل القدرية يطلق أن البغداديين أنّها على الحظر والبصريين أنّها على الإباحة، وفصله أبو هاشم وكان موفقًا في تحقيق المذاهب، فقال: الأشياء قبل الشرع عند البغداديين كالكعب وأتباعه على الحظر، فيما عدا ما للإنسان منه فكاك ولا يضطر إليه، وأما ما يكون مضطرًا كالتنفس والكون فلا. قال الأستاذ: وكان الدقاق ممن ينسب إلى أصحاب الشافعية يذهب مذهب الكعبي، ويقول: إنها على الحظر.


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


أفعال العقلاء قبل الشرع

قال: واختلف أصحابنا في أفعال العقلاء قبل الشرع؛ فمنهم من قال: إنها على الحظر، ومنهم من قال: على الإباحة، وحكى الباجي القول بالحظر عن الأبهري، وقيل: إنه الحق الذي لا يجوز غيره إلا أن طريق الوقف مختلف، فعندنا لعدم الثبوت، وهو الخبر عن الله؛ لأن الحكم عبارة عن الخطاب، فحيث لا خطاب لا حكم، وقيل: لأنه ليس لله هناك حكم أصلًا، والحق أنه لا بد لهذه الأفعال من الحكم عند الله، وقد تعذَّر الوقوف عليه للخفاء؛ فيوقف في الجواب إلى الشرع. إذًا هذا هو المذهب الثالث الذي يرى أن الأفعال قبل الشرع على الوقف لا نقول: إنها مباحة ولا نقول إنها محظورة.

سبب الوقف عند القائلين بها
والقائلون بالوقف اختلفوا في سببه، فقالت الأشاعرة: لأن الوجوب وغيره من الأحكام أمور شرعية، ولا شرع؛ فتنتفي هذه الأحكام. وقال بعض المعتزلة: لعدم الدلالة على أحدها مع تجويز أن يكون العقل دليلًا بالوقف لأجل عدم الدليل، وقال الباجي: إنه قول أكثر أصحابنا، ونقله عبد الوهاب في (الملخص) عن ابن عتاب قال: وكان يحكيه عن القاضي إسماعيل، وبه قال أبو بكر الأبهري والصيرفي، وهو مذهب أصحابنا المتكلمين. قال الأستاذ أبو إسحاق: معنى الوقف عندنا أننا إذا سبرنا -أي: اختبرنا أدلة العقول- دلتنا على ...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


... أنه لا واجب على أحد قبل الشرع في الترك والفعل، ثم الفرق بين قولهم وقول أصحاب أهل الإباحة أن القائلين بالوقف عندهم كل من اعتقد فيه نوعًا من الاعتقاد لم يتوجه عليه الذم، والقائلون بالإباحة لا يجوزون اعتقاد الحظر في الإباحة، ومن قاله واعتقده فقد أخطأ وتوجه عليه الذم.
فظن سليم الرازي اتحاد المذهبين؛ فقال: إن القائلين بالوقف قالوا: إن من تأول شيئًا أو فعل فعلًا لا يوصف بأنه آثمًا حتى يدل دليل الشرع عليه، فكأنّهم وافقوا في الحكم وخالفوا في الاسم.
وقال الأستاذ في موضع آخر: ذهب أهل الحق إلى أن في العقل بمجرده دليلًا على أنه لا واجب على الإنسان قبل بعثة الرسل، وأنّ الله تعالى له أن يوجب علينا ما شاء مما أمكن برسول بعثه، قالوا: ولو استدل مستدل من غير وجوب عليه أمكنه الوصول إلى جميع ما ذكرناه بما نصبه عليه من الأدلة، ويستحيل قلبها عما هي عليها، قال: وهذا معنى قولهم: إنّ أفعال العباد على الوقف قبل الشرع، وتفسيره أن كل من فعل شيئًا قبل ورود الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فلا يقطع له بثواب ولا عقاب.
قال ابن السمعاني: ليس معنى الوقف أنه يحكم به؛ لأنّ الوقف حكم نقل الحظر والإباحة، والمانع من القول بالحظر والإباحة مانع من القول بالوقف، وإنما معنى الوقف أنّ لا يحكم للشيء بحظر ولا إباحة، لكن يتوقف في الحكم لشيء ما إلى أن يرد به الشرع، قال: وهذه المسألة مبنية على أن العقل بمجرده لا يدل على حسن ولا قبح، وإنما ذلك موكول إلى الشرع. فيقول الإمام الزركشي ...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


... في (البحر المحيط): المباح ما أباحه الشرع والمحظور ما حظره الشرع، فإذا لم يرد الشرع بواحد منهما لم يبق إلا الوقف إلى أن يرد السمع بحكم فيه، واعلم أن أبا الحسين بن القطان حكى في المسألة أربعة مذاهب: الإباحة، والحظر. والثالث: الوقف على الأدلة، فما قام عليه الدليل ونفي النافي على ما كان عليها، قال: وهو قول من قال: أنها ليست محظورة ولا مباحة. والرابع: أن الإباحة تحتاج إلى مبيح والحظر يحتاج إلى حاظر، فينظر مما يوجب حكمه فيهما، انتهى.
وهذا الخلاف إنما هو في تفسير الوقف، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: إن تحريك اليد ونحوه قد حصل الإذن فيه بالعقل؛ لأن الجوارح لا تنفك من حركة، ثم نقل عن أبي بكر الصيرفي أنه كان يذهب إلى بطلان العقل، وأن التحريم والتحليل إنما يُتعقّل بالشرع قال: وهذا لا ينازعه فيه أحد، وإنما نقول له: هل للعقل في هذا لو انفرد، وهل يجب أن يصار إليه؟ فإن قال: لا. قلنا ليس كلامنا فيه، وإن أراد الجواز أقمنا الأدلة على أن للعقل دخلًا في الجواز، وقال المازري: الراجح عندنا الوقف ونعني به القطع على أن لا حكم لله سبحانه في حقنا. قال: وأشار إمام الحرمين إلى أن الخلاف بين القائلين بالإباحة والقائل بالوقف لفظي، وظن أنهم يريدون بالإباحة ها هنا استواء الفعل وتركه في باب الذم وغيره، لكن غيره من أئمتنا الناقلين هذا المذهب عن المعتزلة لم يحمله على ذلك. واعلم أن من قال: من الشافعية بالحظر أو الإباحة ليس موافقًا للمعتزلة على أصولهم، بل لمدرك شرعي، أما التحريم فلقوله تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ)) (المائدة: ٤)، ومفهومه أن المتقدم قبل الحل التحريم؛ فدل على أن حكم هذه الأشياء كلها على الحظر.


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


أدلة المذاهب

فالذين قالوا بالإباحة استدلوا عليه بدليلين:
الدليل الأول: الانتفاع بالأفعال الاختيارية كالمآكل اللذيذة مثلًا انتفاع خالٍ عن أمارة المفسدة، ولأن المفروض أن العقل لم يدرك فيها قبحًا، وخالٍ عن مضرة المالك؛ لأن المالك لها هو الله سبحانه وتعالى، والله -سبحانه وتعالى- لا يتضرّر بشيء؛ فيكون الانتفاع بتلك الأفعال مباحًا قياسًا على الاستضلال بجدار الغير، والاستضاءة بنوره، فإن كل منهما إنما كان مباحًا لخلوّه عن أمارة المفسدة ومضرة المالك، ذلك لأننا رأينا الإباحة تدور مع هذين الأمرين وجودًا وعدمًا؛ فعلمنا أن علة الإباحة هي خلو الفعل عن أمارة المفسدة، ومضرة المالك بطريق الدوران، والدوران طريق من الطرق المعتبرة في إفادة العلة. هذا الدليل نوقش من قبل المعتزلة بعدَّة مناقشات؛ منها:
أولًا: لا نسلم إباحة كل من الاستظلال بجدار الغير ولا الاستضاءة بنوره قبل الشرع، بل نقول: إن كلًّا منهما من المتنازع فيه والحكم فيهما لم يُعلم إلا من الشرع.
ثانيًا: سلمنا إباحة كل منهما، ولكن لا نسلم أن على الإباحة هي خلو الفعل عن المفسدة ...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


... ومضرة المالك؛ لجواز أن تكون العلة في الإباحة غير ذلك، وذلك الغير لم يوجد في المقيس وهو الأفعال الاختيارية، أجيب عن هذه المناقشة بأن هذه العلة قد ثبتت بالدوران، والدوران مفيد للعليّة قطعًا عند المعتزلة، فهو طريق معتبر عندهم في إفادة العلية.
ثالثًا: أن هذا القياس بعد صحته معارض بقياس آخر يوجب الحرمة، حاصله الانتفاع بالأفعال الاختيارية انتفاعًا خالٍ عن أمارة المفسدة ومضرة المالك، فيكون حرامًا كنقل الحديد من مكان إلى مكان آخر.
استدل الذين قالوا بالإباحة بدليل آخر، وهو قولهم: إن الله -سبحانه وتعالى- خلق الأفعال الاختيارية كالمآكل اللذيذة وغيرها لغرض، وهذا الغرض يرجع إلى العباد فقط، وهذا الغرض هو النفع دون الضرر، وهذا النفع محصور في أربعة أشياء:
الأول: التلذذ.
الثاني: الاغتذاء، التغذي به يعني، والمراد به تناول ما زاد عما يحفظ الحياة فهو أمر اختياري وليس ضروريًّا كما قال: الأسنوي، وبذلك يبطل قوله إن أخذه في الدليل يفسده؛ لأنه من الأمور الضرورية.
ثالثًا: من وجوه النفع، اجتنابها والابتعاد عنها لما فيها من المفسدة مع ميل النفس إليها.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


الرابع: الاستدلال بتشهّي طعومها على كمال قدرة الله تعالى.
وهذه الأمور الأربعة لا تحصل إلا بالتناول، ذلك لأن الاجتناب مع الميل إنما يكون بعد سبك تناولهما، وإلا فكيف مالت النفس إليها. أما التلذذ والاغتذاء والاستدلال بتشهي الطعوم فظاهر أنّها لا تحصل إلا بالتناول. أما خلق الأفعال الاختيارية لغرض فواضح؛ لأن خلقها لغير غرض يكون عبثًا، والعبث من الشيء محال، وأما أن هذا الغرض إنما يرجع إلى العباد فقط، فلأن الغرض وهو راجع إلى الله تعالى لكان الله تعالى مفتقرًا إليه، والله -سبحانه وتعالى- غني عن العالمين.
وأما أنّ الغرض من خلقها هو النفع دون الضرر، فلأن الضرر ما يصلح أن يكون مقصودًا أصليًّا تُخلق من أجله الأشياء، وأما حاصل النفع في الأمور الأربعة السابقة، فلأن الغرض أما أن يكون دنيويًّا محضًا أو دنيويًّا دينيًّا، والدنيوي الديني إما علمي أو عملي، فالدنيوي المحض التلذذ والاغتذاء، والدنيوي الديني العلمي هو الاستدلال بتشهي الطعوم على كمال قدرة الخالق، والدنيوي الديني العملي هو الاجتناب مع ميل النفس.
وإذا ثبت أن الأفعال الاختيارية خُلقت لغرض، وأن هذا الغرض يرجع إلى العباد، وأن هذا الغرض هو النفع دون الضرر، وأن هذا النفع محصور في الأمور الأربعة، وثبت كذلك أن هذه الأمور الأربعة لا تحصل إلا بالتناول ثبت أن الله تعالى إنما خلق هذه الأفعال الاختيارية للتناول، وبذلك يكون مباحًا وهو ما ندعيه. نوقش هذا الدليل من وجوه لا نسلم أن أفعال الله تعالى تعلل بالأغراض؛ لأن...


٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


... الغرض معناه الباعث على الفعل، والله -سبحانه وتعالى- لا يبعث باعثًا على شيء؛ لأنه فعل مختار يخلق ما يشاء ويختار، فبطل قولكم: إن الأفعال خلقت لغرض.
أجيب عن ذلك بأن المراد من الغرض الحكمة، وأفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمة؛ إما تفضلًا كما تقول الأشاعرة، أو وجوبًا كما تقول المعتزلة، وحيث سلَّم الأشاعرة المعتزلة بأن العقل يُدرك في الأشياء حسنًا وقبحًا لا يصح منهم القول بأن الأفعال لم تخلق لحكمة؛ لأن ذلك يكون عبثًا، والعبث على الله تعالى قبيح، بمعنى أنه صفة نقص، والكل متفق على أن العقل يدرك في الأفعال قبحًا بمعنى صفة النقص.
ثانيًا: حصر الغرض في النفع ممنوع، فيكون الغرض من خلق الأشياء الضرر كخلق السموم المهلكة والطعوم الضارة، أجيب عن ذلك بأن الأشياء المهلكة بانضمامها إلى غيرها تصير نافعة، وبذلك يكون القصد من خلقها هو النفع باعتبار المآل.
ثالثًا: أن الخلق للنفع لكن حصر النفع في الأمور الأربعة ممنوع؛ لجواز أن يكون النفع هو التنزه بمشاهدتها، أو الاستنشاق برائحتها، أو الاستدلال باختلاف أشكالها وألوانها، وظاهر أن مثل ذلك لا يتوقف على التناول فبطل قولكم: إنها خُلقت للتناول.
رابعًا: سلمنا أن الغرض من خلقها هو التناول فقط، لكن لا نسلم أن التناول يكون مباحًا؛ لجواز أن يكون تناولها حصل في وقت لا يوصف فيه الفعل بالإباحة ولا بغيرها، كالتناول في وقت السهو أو في وقت الصغر، وبذلك يبطل قولكم: إن التناول مباح.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم


أما القائلون بالتحريم من المعتزلة فقد استدلوا بأن التصرف في الأفعال الاختيارية تصرف في ملك الله تعالى بغير إذنه، فيكون حرامًا قياسًا على التصرف في ملك الحادث بغير إذنه، فهم قد قاسوا غائبًا وهو الله -سبحانه وتعالى- على الشاهد وهو الحادث، بجامع أن التصرف في الحالتين تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وحيث إن التصرف الحادث في ملك الحادث بغير إذنه لذاته حرام؛ فيكون تصرف الحادث في ملك الله تعالى بغير إذنه حرام كذلك، وهذا الدليل قد نوقش لأن: وجود الفارق بين المقيس عليه وهو الحادث والمقيس وهو الله سبحانه وتعالى؛ لأن الحادث يتضرر بتصرف الحادث في ملكه بغير إذنه، والضرر منهي عنه؛ لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((لا ضرر ولا ضرار))، أما الله -سبحانه وتعالى- فإنه لا يتضرر بتصرف الحادث في ملكه. وهذا القياس بعد صحته معارض بقياس آخر يوجب الإباحة، حاصله: التصرف في الأفعال الاختيارية تصرف خالٍ عن أمارة المفسدة ومضرة المالك، فيكون مباحًا قياسًا على الاستظلال بجدار الغير والاستضاءة بنوره.
وأما القائلون بالوقف من المعتزلة فقد رأوا أن الأدلة متعارضة بعضها يقضي بالإباحة وبعضها يقضي بالحرمة، ومع تعارض الأدلة لا يمكن الجزم برأيٍ معين؛ فوجب الوقف حتى يقوم الدليل الذي لا معارض له على رأي معين، فيعمل بمقتضاه، والوقف أسلم وأحوط، فلا مانع من اختياره؛ فقد نقل عن الإمام الرازي الوقف، وأنه قد اختلف في تفسيره كما قلنا قبل ذلك، وبذلك يكون القول القائل بالوقف هو الراجح.

٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم



٢.٢ العقل مدرك للحكم لا حاكم