قد أطلق الأصوليون القول بمقابلة الحسن بالقبيح، وإنّما يقابل الحسن بالسيئ، والقبيح بالجميل، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)) [الإسراء: ٧]، وقال تعالى: ((وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ)) [فصلت: ٣٤]، ومن حكم التقابل مقابلة الأعم بالأعم، والأخص بالأخص، والقبيح أخص من السيئ، كما أنّ الجميل أخص من الحسن وأبلغ من المدح معه، ولذلك يقال: حسن جميل، ولا يقال: جميل حسن؛ لأنه لا ينزل من الأعلى إلى الأدنى بخلاف العكس، وهو الصعود من الأدنى إلى الأعلى.
أما حقيقة الحسن والقبيح في الاصطلاح فيؤول إلى: تعلق الخطاب بالشيء على صفة، وليس الحسن والقبيح راجعين إلى الذوات، خلافًا للمعتزلة والكرّامية والروافض؛ حيث قالوا: إن نفس الذوات الحسنة والقبيحة، ويرون ذلك من صفات نفوسه، هذا قول القدماء منهم، وذهب بعضهم إلى اختصاص هذا المعنى بالقبيح، فرأوه راجعًا إلى الذات بخلاف الحسن، وعكس بعضهم، فرأى الحسن يرجع إلى الذات بخلاف القبيح، وأنكر إمام الحرمين هذه المذاهب الثلاث، وزعم أنهم إنما يريدون بما أطلقوهمن صرف الحسن والقبح إلى أعين الذات،أن ذلك يستدرك فيها بالعقول من غير حاجة إلى بعث الرسول.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
وقال قوم من المعتزلة: العقل يقتضي لذاته صفة، وتلك الصفة توجب الحسن أو القبح؛ كالصوم المشتمل على كسر الشهوة المقتضي عدم المفسدة، وكالزنا المشتمل على اختلاط الأنساب، المقتضي ترك تعهّد الأولاد، يقول الجبائي وأتباعه بوجوب واعتبارات، بمعنى: أنّ لكلٍّ صفة، لكن هي غير حقيقية، وفي كلام الإحكام ما يظهر منه أن مذهب الجبائي الذي قيل هو هذا، وقد اضطرب الشافعية في الفصل بينهما، فقيل: الحسن ما طلبه الشرع وأثنى عليه، فيتناول الواجب والمندوب، والقبيح ما طلب تركه وذم فاعله، فيتناول الحرام والمكروه.
قال ابن القشيري وابن السمعاني في (القواطع) ونقله ابن برهان عن الشافعية: وأورد المباح وأجيب بإثبات الواسطة، وأنه لا حسن ولا قبيح، أي أنّ المباح لا يوصف لا بالحسن ولا بالقبح، كقول بعض المعتزلة، وجزم به إمام الحرمين في (التلخيص)، وقال ابن برهان: بل أذن الشارع في إطلاق الثناء على فاعله، فهو داخل في الحسن، وهذا إنما يتحقق على رأي الكعبي في قوله: إن في كل مباح ترك حرام، ولهذا الإشكال قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: الحسن هو المأذون فيه شرعًا، فدخل المباح، ونوقش بأنّ المباح يقتضي وصفًا زائدًا على الماهية، ومجرد الإذن لا يدل على ذلك.
وقال الإمام في (التلخيص): الحسن كل فعل لنا الثناء شرعًا على فاعله -أي به، والقبيح كل فعل لنا الذم شرعا لفاعله به، قال: والقاضي يقول: ما أمر بمدح فاعله وفيها شيء؛ لأن المباح حسن ولا يمدح فاعله، والذي ارتضيناه أسد، وقد سبق عنه التصريح في ...
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
...
موضع آخر من (التلخيص) أنه لا حسن ولا قبيح، وخص ابن السمعاني التقسيم بأفعال المكلفين، وقال: أمّا ما لا صفة زائدة على وجوده كبعض أفعال الساهي والنائم، فلا يوصف بحسن ولا قبيح، إذا لم يكن فيه مضرة ولا منفعة، فإن كان فقد قيل يوصف بهما، وقيل: لا يوصف بشيء منهما وهو الأولى؛ لأن الحسن والقبيح يتبع التكليف، فمن ليس بمكلّف لا يوصف فعله بشيء منهما، قال: وهكذا كل فعل يصدر ممن لا تكليف عليه.
يقول الإمام الزركشي في كتابه (البحر المحيط): هذا أحسن من جعل الإمام البيضاوي والإمام الرازي له من قسم الحسن، ولم يجعل الآمدي هذا خلافًا بين الأصحاب، بل إطلاقات الأصحاب باعتبارات، فقال في كتابه (الأبكار): مذهب أهل الحق من الأشاعرة وغيرهم، أنّ الحسن والقبيح ليس وصفًا ذاتيًّا، بل لإطلاق الحسن والقبيح عندهم باعتبارات غير حقيقية، بل إضافية، يمكن تغيرها وتبدلها، وهي ثلاثة:
الأول: أن الأفعال تنقسم إلى ما وافق الغرض فيسمّى حسنًا، وإلى ما خالف الغرض فيسمى قبيحًا، وإلى ما لا يوافق ولا يخالف فيسمّى عبثًا.
الثاني: إطلاق الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، ويدخل فيه الواجب والمندوب وفعل الله، ويخرج منه المباح، ولو قيل: ما يجوز الثناء على فاعله لدخل المباح، وإطلاق القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله، ويدخل الحرام ويخرج المكروه والمباح، لكن المكروه إن لم يكن قبيحًا بهذا الاعتبار فليس حسن، باعتبار أن لفاعله أن يفعله، أو أنه موافق للغرض.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
الثالث: إطلاق الحسن على ما لفاعله أن يفعله، ويدخل فيه مع فعل الله تعالى الواجب والمندوب والمباح، قال: واتفقوا على أن فعل الله حسن بكل حال، وأنه موصوف بذلك أبدًا سرمدًا، وافق الغرض أم خالفه، وأنّ ذلك مما لا يتغيّر ولا يتبدل بنفسه، ولا إضافة، لكن إن كان بعد ورود الشرع ففعله موصوف بكونه حسنًا بالاعتبارين الأخيرين، وإن كان قبل الشرع فموصوف بكونه حسنًا بالاعتبار الأخير فيهما.
وأما المعتزلة فاختلفوا أيضًا، فقال بعضهم: القبيح ما ليس للمتمكن منه أن يفعله، والحسن ما يقابله، فعلى هذا المباح حسن، ونازع المازري في دخول الواجب فيه؛ لأنه عليه أن يفعله ولا يقال: إن له أن يفعله، وهو قريب.
يقول الإمام أبو الحسين البصري في (المعتمد): "الواقع على صفة توجب المدح حسن، وعلى صفة توجب الذم قبيح، وما لا يشتمل على أحدهما كالمكروه والمباح فليس بحسن ولا قبيح، وأصل هذا التفسير منهم مبنيّ على أن العقل له التحسين والتقبيح، والمراد من الذم -كما قال الآمدي-: الإخبار المنبئ عن نقص حال المخبر عنه، مع القصد لذلك، ولولا القصد ما كان ذمًّا، قال: وقد زيد في القبيح ما يستحق فاعله الذم ما لم يمنع منه مانع، وقيدوه بذلك؛ لأنّ من أصلهم -أي: المعتزلة- أنّ الصغائر قبيحة، غير أنها لا تستحق على فعلها الذم إذا صدرت ممن يجتنب الكبائر، وأصل هذا الاختلاف منهم يرجع إلى تفسير الحسن والقبيح.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
هل الحسن يختص بصفة موجبة لتحسينه، والقبيح يختص بصفة موجبة لتقبيحه، وهو مذهب الجبائي، أو لا؟ فمن قال يختص فسره بالأول، ومن قال لا يختص فسره بالثاني، لكن الراجح أن حسن الشيء شرعًا لا يرجع إلى وصف تضمّنه من الحسن، ولكن معناه: إذن الشرع فيه ودفع العقاب عنه.
إطلاقات الحسن والقبح
فالحسن والقبح يطلقان بمعانٍ ثلاثة:
أحدها: ما يلائم الطبع وينافره، إذًا الحسن هو ما يلائم الطبع، والقبح هو ما ينافر الطبع؛ كالحلاوة والمرارة، والفرح والحزن، وليس هذا محل النزاع لاختلافه باختلاف الأغراض.
الثاني: كون الشيء صفة كمال أو نقص؛ كالعلم صفة كمال، والجهل صفة نقص، والحسن والقبح بهذين المعنيين عقليان، أي: يعرفان بالعقل بلا خلاف بين العلماء.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
الثالث: كون الفعل موجبًا للثواب والعقاب، والمدح والذم، وهذا موضع النزاع، فعندنا لا يعلم إلا بالشرع، وعند المعتزلة بخلافه، فالنزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلًا والعقاب آجلًا، وقضية هذا أنّ الفعل لا يوجبه لتصريحه بالتعلق، ونازعه الإمام القرافي فقال: "النزاع في كون الفعل متعلقًا للذمّ أو العقاب يشعر بأن ترتيب الذم والعقاب على الفعل ينازع فيه، وليس كذلك عندنا ولا عندهم؛ إذ يجوز أن يحرم الله -سبحانه وتعالى- الفعل ويوجب، ولا يعجل ذمًّا، بل يحصل الوعيد من غير ذم، ويجوز أن يكلّف ولا يوجب عقابًا، بل يعجله عقب الذم، وإنما النزاع في كون الفعل متعلق بالموآخذة الشرعية كيف كانت ذمًّا أو غيره، عاجلة أو آجلة، هل يستقل العقل بذلك أم لا؟
جعل الإمام المقترح في (شرح الإرشاد) من صور محل النزاع ما يتعارف قبل الشرع من الميل إلى الفعل والنفرة عنه، قال: فالمعتزلة يدعون أن ذلك استحساس العقل على الفعل، ونحن نرى أنه مما جُبِل عليه الحيوان من شهوة ما ينفعه وكراهة ما يضره، وهذا صريح في نقل الخلاف في الحالة الثانية التي جعلها الإمام الرازي محل وفاق، ثم قال: فرّعت المعتزلة أن العقل مما يستحس على الفعل؛ لأنه على صفة في نفسه لأجلها يحس على فعله، ثم اضطربوا في هذه الصفة، فقال قدماؤهم: صفة نفسية، وقال متأخروهم: تابعة للحدوث، ثم قال: إنما نهى الشرع عن الفعل؛ لأنه على صفة في نفسه لأجلها يقبّح أو لأنه يؤدى، فيقبح في نفسه.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
قال: وأصل هذه المسألة أخذتها المعتزلة من الفلاسفة، فإنهم قالوا: العلم محمود لذاته، والجهل مذموم لذاته، وسائر الأفعال ليست عندهم محمودة لذاتها ولا مذمومة لذاتها، بل لعروض عرض بالنسبة إليها، فأخذ المعتزلة بهذا المذهب في العلم والجهل، وعَدّوه إلى سائر الأفعال، وعبّر بعض الناس عن مذهب القوم بأن قال: عندهم -أي: المعتزلة- أنه يدرك الحسن والقبح عقلًا من غير أن يتوقف على إخبارٍ على مخبر، وليس في هذا إفصاح عن أنهم يردُّونه إلى صفة نفسية، أو صفة تابعة للحدوث، أو غير ذلك.
ويقال لمن قال: إنها صفة نفسية، صفة النفس ما يتبع النفس في الوجود والعدم، ويلزم منه إثبات الحسن والقبيح في القديم، ثم يلزم منه استحقاق الذم على المعدوم، وذلك محال.
ثم قسّموا الأفعال إلى قسمين، وقالوا: منها ما يدرك بالعقل، ومنها ما لا يدرك بالعقل، فيه حسنًا ولا قبحًا، وإنما يعرف بالشرع، وذلك لخفاء وصفه عن العقول، وليس هو ثابتًا بالخطاب، وإنّما الشرع كاشف عن حقيقته لمّا قصر العقل عن إدراكه.
قال في تعليقه على (البرهان): ولكل مذهب سيئة وحسنة، فمذهب الأشعرية أنّهم نفوا الحسن في حق الله تعالى وفي حقنا، فحسنتهم كونهم نفوه في حق الله تعالى، وسيئتهم كونهم نفوه في حقنا، ومذهب المعتزلة إثبات الحسن في حق الله وفي حقوقنا، وسيئتهم كونهم أثبتوه في حق الباري، وحسنتهم كونهم أثبتوه في حقنا، فاختار إمام الحرمين مذهبًا بين المذهبين، وهو الجامع لمحاسن المذاهب، فأثبته في حقنا ونفاه في حق الباري جلّ وعلا.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
تنبيه
العقل عند المعتزلة يوجب ويحرّم، ظاهر النقل السابق عن المعتزلة أنّ العقل يوجب ويحرّم على جهة الاستقلال، واستدلالهم بالآية ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)) [الإسراء: ١٥] يقتضيه، والتحقيق في ذلك عن المعتزلة: أنّ الفعل إن اشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة اقتضى العقل أنّ الله تعالى طلبه، وإن اشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة، اقتضى العقل أن الله تعالى طلب تركه، وإن تكافأت مصلحة الفعل ومفسدته، أو تجرد عنهما أصلًا كان مباحًا، وليس حكمًا شرعيًّا عندهم؛ لثبوته قبل ورود الشرع، وأنّ العقل أدرك أنّ الله تعالى يجب له بحكمته البالغة ألّا يدع مصلحة في وقتٍ ما إلّا أوجبها وأثاب عليها، ولا يدع مفسدة في وقت ما إلّا حرمها وعاقب على فعلها؛ تحقيقًا لكونه حكيمًا، وإلا لفاتت الحكمة في جانب الربوبية، فعندهم إدراك العقل لما ذكرنا من قِبَل الواجبات للعقل لا من قبل الجائزات كما نقول، وليس مرادهم أنّ الأوصاف مستقلة بالأحكام، ولا أن العقل يوجب ويحرم، وهذا هو الحق في تقريب مذهبهم، وتلخيص محل النزاع، وهو المفهوم من كلام الصيرفي السابق، وحاصل كلام القرافي أيضًا، والأصوليون الناقلون لهذه المسألة قد أحالوا المعنى، ونقلوا عن المعتزلة ما لا ينبغي لقائل أن يقوله.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
إيضاح
الثواب والعقاب لا يعلمان إلّا من جهة الشرع، قد تقرّر مما سبق أنّ محلّ النزاع إنما هو في الحسن والقبح، بمعنى: ترتب الثواب والعقاب، فنقول: بين الحسن والقبح وبين الثواب والعقاب تلازم ما، واتفق المعتزلة مع السنة أنّ العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها قبل ورود الشرع، لكنهما افترقا في أنّ المعتزلة ترى أن الثواب والعقاب ملازم لها، فحكَمَت المعتزلة بثبوت الثواب والعقاب قبل الشرع؛ لثبوت الحسن والقبح قبله، فإذا جاء الشرع بعد ذلك كان مؤكدًا لحكم العقل.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
وأما أهل السنة فإنهم يرون أن الثواب والعقاب لا يعلمان إلّا من جهة الشرع، فنفوا الحسن والقبح قبل الشرع، وهذا ونحوه من قاعدة: أنّ ما به الاتفاق قد يكون موضع الخلاف، ونظيره الخلاف في النسخ والبداء، وبهذا التحرير يخرج لنا في المسألة ثلاثة مذاهب:
أنّ حسن الأشياء وقبحها، والثواب والعقاب عليها، شرعيان، وهو قول الأشعرية.
عقليان، وهو قول المعتزلة.
أن حسنها وقبحها ثابت بالعقل، والثواب والعقاب يتوقّف على الشرع، فنسميه قبل الشرع حسنًا وقبيحًا، ولا يترتب عليه الثواب والعقاب إلّا بعد ورود الشرع، وهو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني من الشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة، وذكره الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة نصًّا، وهو المنصور لقوته من حيث النظر وآيات القرآن المجيد وسلامته من التناقض، وإليه إشارات محققي متأخري الأصوليين والكلاميين، فليتفطن لذلك.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
وننتقل بعد ذلك إلى أدلة أهل السنة والمعتزلة:
فكما قلنا: أنّ من إطلاقات الحسن والقبح بمعنى ترتب المدح على الفعل عاجلًا والثواب عليه آجلًا، والقبح بمعنى ترتب الذم عليه عاجلًا والعقاب آجلًا، والعقل يدرك في الأفعال حسنًا وقبحًا اتفاقا بالمعنيين الأولين، أمّا الحسن والقبح بهذا المعنى الثالث فهو محلّ النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة؛ فالمعتزلة يثبتونه في الأفعال عقلًا، والأشاعرة يقولون: إن العقل لا يدرك حسنًا ولا قبحًا في الفعل بهذا المعنى، وقد استدل الأشاعرة على مدعاهم بدليلين:
فعل العبد إمّا أن يكون اضطراريًّا أو اتفاقيًّا؛ لأنه إن صدر عن العبد بلا مرجّح يرجِّح وجوده على عدمه فهو اتفاقي، وإن صدر عن مرجح، فإن كان المرجح من العبد لزم التسلسل؛ لأن هذا المرجح يحتاج إلى مرجح، وذلك المرجح يحتاج إلى مرجح آخر، وهلمّ جرًّا، والتسلسل باطل، فيبطل أن يكون المرجَّح من العبد، وإن كان المرجح من الله -سبحانه وتعالى، فإن وجب صدور الفعل عند وجود المرجّح كان الفعل اضطراريًّا، وإن لم يجب صدوره بأن جاز ترك الفعل كما جاز الإتيان به عاد الترديد في ذلك المرجح،
هل هو محتاج إلى مرجِّح أو ليس محتاجًا إليه؟ فإن لم يحتج إلى مرجح كان الفعل اتفاقيًّا، وإن احتاج إلى مرجِّح، فإن كان من العبد لزم التسلسل، وإن كان من غيره لزم المحذور. وإذا كان الفعل اضطراريًّا أو اتفاقيًّا امتنع اتصافه بالحسن أو القبح اتفاقًا بالمعنى المتنازع فيه؛ لأنه لا يتصف بهما -أي: لا يتصف بالحسن والقبح- بمعنى ترتب الثواب والعقاب إلا الفعل الاختياري، هذا هو الدليل الأول من أدلة الأشاعرة على أنّ العقل لا يدرك في الأشياء حسنًا وقبحًا بهذا المعنى،
لكن المعتزلة قد نقشوا هذا الدليل بقولهم: إن نختار أن يكون المرجِّح من العبد، وقالوا: إن صدور الفعل عند المرجّح على سبيل الجواز لا على سبيل الوجوب، فالفعل حينئذ اختياري يصحّ اتصافه بالحسن أو القبح، وهذا المرجّح واختيار العبد لهذا الفعل، ولا يحتاج هذا الاختيار إلى اختيار آخر هذا يلزم التسلسل.
لو اتصف الفعل بالحسن أو القبح اتصافًا ذاتيًّا لم يتخلف كل منهما عن الفعل عند اتصافه به؛ لأن ما بذاته لا يتخلف، ولكن حسن الفعل أو قبحه قد تخلّف، فإنّ الكذب قبيح، ولكنه إذا تعين طريقًا لإنقاذ المعصوم كان حسنًا، فلو أن نبيًّا طارده شخصًا يريد قتله، فدخل بيتًا من البيوت يحتمي فيه، فسأل المطارد صاحب البيت عنه، فإن أجابه بأنه موجود كان قبيحًا، وذلك لما يترتب عليه من قتل المعصوم، مع أنه صادق فيما يقول، وإن أجابه بأنه غير موجود في البيت كان حسنًا؛ لما يترتب عليه من نجاة المعصوم وهو النبي،
مع أن قوله هذا كذب، وبذلك ظهر أن الفعل ليس حسنًا ولا قبيحًا لذاته، فلا يدرك العقل حسنه ولا قبحه، فوجب أن يكون منشأ الحسن والقبح هو الشرع، وهو ما ندعيه، هذا هو الدليل الثاني للأشاعرة.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
ناقش المعتزلة هذا الدليل بأنّ الكذب قبيح باعتبار ذاته، ولكن لمّا كان ترك الإنقاذ للمعصوم يزيد قبحه على قبح الكذب، كان الكذب في هذه الحالة حسنًا بهذا الاعتبار، وغاية ما يلزم من هذا أن الحسن والقبح في الفعل قد يكونا لأمر خارج عن الفعل، وليس لذات الفعل، ونحن نقول بذلك ولا ننكره، واستدل المعتزلة على مدّعاهم بأدلة، أهمها ما يأتي:
أولًا: العقلاء جميعًا في كل العصور، حتى من لم يتدين منهم بدين معين، متفقون على قبح الظلم، ومقابلة الإحسان بالإساءة، فلو كان قبح الفعل أو حسنه متوقفًا على ورود الشرع به؛ لما أدركه من لم يتدين منه بدين، ولا من لم ينزل عليه شرع من رب العالمين، فهذا هو دليل المعتزلة الأول، ملخصه: أنّ العقلاء جميعًا في كل العصور، حتى الذين ليسوا متدينين بدين معين، اتفقوا على قبح الظلم، فلو كان هذا القبح متوقفًا على الشرع لما علم به من لم يتدين بدين، ومن لم ينزل عليه شرع من رب العالمين.
وقد أجاب الأشاعرة عن ذلك بأنّ العقلاء يدركون أن كلًّا من الأمرين قبيح، بمعنى: أنه صفة توجب الذم واللوم في الدنيا، وهذا قدر متفق عليه ليس محلًّا للنزاع، فهم لا يدركون الحسن والقبح بمعنى أن كلًّا منهما قبيح، بمعنى أنه يعاقب عليه في الآخرة، فإنّ هذا لا سبيل إلى إثباته إلّا بالشرع.
ثانيًا: استدل المعتزلة بدليل آخر قالوا فيه: لو لم يدرك العقل في الفعل حسنًا وقبحًا قبل ورود الشرع بذلك؛ لما ترجّح الصدق على الكذب عند حصول غرض المكلف بكلٍّ منهما، لا سيما من لم يعلم بشريعة من الشرائع، لكن المكلف يرجح الصدق على ...
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
...الكذب عند تساويهما
بالنسبة لغرضه، فدل ذلك على أن العقل يدرك في الفعل حسنًا وقبحًا، وهو ما ندعيه.
أجيب عن ذلك بمنع ترجيح الصدق على الكذب عند تساويهما في حصول الغرض، فإنّ المكلّف لا يرجح واحدًا منهما على الآخر، ولو سلمنا ترجيح الصدق على الكذب، فليس ذلك لكون الصدق يثاب عليه في الآخرة، بل لأنه صفة كمال يمدح عليه في الدنيا، وليس ذلك من المتنازع فيه.
يقول الإمام الرازي -رحمه الله- في كتابه (المحصول في علم الأصول): الحسن والقبح قد يُعنَى بهما كون الشيء ملائمًا للطبع أو منافرًا، وبهذا التفسير لا نزاع في كونهما عقليين، وقد يراد بهما كون الشيء صفة كمال أو صفة نقص، ولا نزاع أيضًا في كونهما عقليين بهذا التفسير، وإنما النزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلًا وعقابه آجلًا، فعندنا أن ذلك لا يثبت إلّا بالشرع، وعند المعتزلة ليس ذلك إلّا لكون الفعل واقعًا على وجه المخصوص، لأجله يستحق فاعله الذم.
قالوا: وذلك الوجه قد يستقل العقل بإدراكه وقد لا يستقل، أمّا الذي يستقل العقل بإدراكه فقد يعلمه العقل ضرورة، كالعلم بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، وقد يعلمه نظرًا، كالعلم بحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع، والذي لا يستقل العقل بمعرفته؛ كحسن صوم آخر يوم من رمضان، وقبح صوم اليوم الذي بعده، فإنّ العقل لا طريق له إلى العلم بذلك، لكنّ الشرع لمّا ورد به، علمنا أنه لولا اختصاص كلّ واحد منهما بما لأجله حسن أو قبح، وإلا لامتنع ورود الشرع به.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
يقول الإمام الرازي: لنا أنّ دخول هذه القبائح في الوجود، إمّا أن يكون على سبيل الاضطرار أو على سبيل الاتفاق، وعلى التقديرين فالقول بالقبح العقلي باطل.
أيضًا يقول الإمام الرازي -رحمه الله- في نفس الكتاب (المحصول): "وإذا ثبت ذلك امتنع القول بالقبح العقلي بالاتفاق، أي أنّه قد يوجد الأثر في بعض الأزمنة دون بعض، من غير أن يكون ذلك القادر قد رجحه أو قصد إيقاعه، ولا معنى للاتفاق إلّا ذلك، فثبت البرهان القاطع أن دخول هذه القبائح في الوجود، إمّا أن يكون على سبيل الاضطرار أو على سبيل الاتفاق، وإذا ثبت ذلك امتنع القول بالقبح العقلي بالاتفاق.
أمّا على قولنا -يعني: قول الأشاعرة- فظاهر، وأما عند الخصم -أي: المعتزلة- فلأنه لا يجوز ورود التكليف بذلك فضلًا عن أن يقال: إن حسنه معلوم بضرورة العقل، فثبت بما ذكرنا أن القول بالقبح العقلي باطل، أمّا الخصم -أي: المعتزلة- فقد أدعى العلم الضروري بقبح الظلم والكذب والجهل وبحسن الإنصاف والصدق والعلم، ثم قالوا: هذا العلم غير مستفاد من الشرع؛ لأن البراهمة مع إنكارهم الشرائع عالمون بهذه الأشياء، ثم ذهبوا بعد ذلك أنّ المقتضي بقبح الظلم مثلًا هو كونه ظلمًا؛ لأن عند العلم بكونه ظلمًا نعلم قبحه، وإن لم نعلم شيئًا آخر، وعند الغفلة عن كونه ظلمًا لا نعلم قبحه، وإن علمنا سائر الأشياء، فثبت أن المقتضي بقبحه ليس إلّا هذا الوجه.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
ومنهم من حاول الاستدلال بأمور منها:
أولًا: أنّ الفعل الذي حُكِم فيه بالوجوب مثلًا لم يختص بما لأجله استحق لثبوت ذلك الحكم، وإلا كان تخصيصه للوجوب دون سائر الأحكام ودون سائر الأفعال ترجيحًا لأحد طرفي الجائز على الآخر من غير مرجِّح.
ثانيًا: بأنه لو لم يكن الحسن والقبح إلّا بالشرع؛ لحسن من الله تعالى كل شيء، ولو حسن منه كل شيء لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، ولو حسن منه ذلك لما أمكننا أن نميّز بين النبي والمتنبي، وذلك يفضي إلى بطلان الشرائع.
ثالثًا: لو حسن من الله تعالى كل شيء لما قبح منه الكذب، وعلى هذا فلا يبقى اعتماد على وعده ووعيده، فإن قلت: الكلام الأزلي يستحيل أن يكون كذبًا، قلت: هب أن الأمر كذلك، لكن لما يجوز أن تكون هذه الكلمات التي نسميها مخالفة لما عليه الشيء نفسه، وحينئذ يعود الإشكال.
رابعًا: بأنّ العاقل إذا قيل له: إن صدقت أعطيناك دينارًا، وإن كذبت أعطيناك أيضًا دينارًا، ويستوي عنده صدق الكذب في جميع الأمور إلّا في كونه صدقًا وكذبًا، فإنا نعلم بالضرورة أن العاقل في هذه الحالة يختار الصدق، ولولا أن الصدق لكونه صدقًا حسن، وإلا لما كان ذلك.
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
خامسًا: أنّ الحسن والقبح لو لم يكونا معلومين قَبْل الشرع لاستحال أن يعلم عند ورود الشرع بهما؛ لأنهما إذا لم يكونا معلومين قبل ذلك، فعند ورود الشرع بهما يكون واردًا بما لا يعقله السامع ولا يتصوره، وذلك محال، فوجب أن يكونا معلومين قبل ورود الشرع.
ويجيب الإمام الرازي عن دعوى الضرورة بقوله: إنها مسلمة، ولكن لا في محل النزاع، فإن كل ما كان ملائمًا للطبع حكموا بحسنه، وما كان منافرًا للطبع حكموا بقبحه، ثم إقامة الدلالة على التصديق به، فإن كل ذلك غير مساعد عليه، فضلًا عن ادّعاء العلم الضروري فيه، فإن قلت: الظلم ملائم لطبع الظالم، ومع ذلك فإنه يجد في صريح العقل قبحه؛ ولأن من خاطب الجماد بالأمر والنهي، فإنه لا ينفر طبعه عنه، مع أن قبحه معلوم بالضرورة؛ ولأن من أنشأ قصيدة غرّاء في شتم الملائكة والأنبياء، وكتبها بخط حسن، وقرأها بصوت طيب حزين، فإنه يُميل الطبع إليه وينفر العقل عنه، فعلمنا أن نفرة العقل مغايرة لنفرة الطبع.
يقول الرازي: الجواب عن الأول: أنّ الظالم لا يميل طبعه إلى الظلم؛ لأنه لو حكم بحسنه لما قدر عن دفع الظلم عن نفسه، فالنفرة عن الظلم متمكنة في طبع الظالم والمظلوم، إلا أنه إنما رغب فيه لعارض يختص به، وهو أخذ المال منه، والحكم بحسن الإحسان إنما كان لأنّ الحكم بحسنه قد يفضي إلى وقوعه وهو ملائم لطبع كل أحد، والحكم بقبح الكاذب إنما كان لكونه على خلاف مصلحة العالِم وبحسن الصدق؛ لكونه على وفق مصلحة العالم، ويحسن إنقاذ الغريق؛ لأنه يتضمن حسن الذكر وإن لم يوجد ذلك، فلأنّ ...
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
...
من شاهد شخصًا من أبناء جنسه في الألم تألّم قلبه، فإنقاذه منه يستلزم دفع ذلك الألم عن القلب، وذلك مما يميل إليه الطبع.
وأمّا مخاطبة الجماد فلا نسلّم أن استقباحها يجري مجرى استقباح الظلم، والقدر فيه من الاستقباح، إنما كان لاتفاق أهل العلم على أنّ الإنسان لا يجب أن يشتغل إلّا بما يفيده فائدة، إما عاجلة وإما آجلة، وأما القصيدة المشتملة على الشتم فإنها تستقبح لإفضائها إلى مقابلة أرباب الفضائل بالشتم والاستخفاف، وهو على مضاد مصلحة العام، فظهر أن المرجّح والمرجع في هذه الأشياء إلى ملائمة الطبع ومنافرته، ونحن قد ساعدنا على أن الحسن والقبح بهذا المعنى معلوم بالعقل، والنزاع في غيره.
يقول: سلّمنا تحقق الحسن والقبح، ولكن لا نسلّم أن المقتضي بقبح الظلم هو كونه ظلمًا، ولِمَ لا يجوز أن يكون المقتضي لقبحه أمرًا آخر، فالعلم بالقبح دائر مع العلم بكونه ظلمًا وجودًا وعدمًا، هذا يمكن أن يرد عليه بقوله: لِمَ قلت: إن الدوران العقلي دليل العلية عليه، وما الدليل عليه؟ ثم إنهم منقوض بالمضافين، فإن العلم بكل واحد من المضافين دائر مع العلم بالآخر وجودًا وعدمًا، مع أنه يمتنع كون أحدهما علة للآخر، وتمام تقرير هذا السؤال سيأتي إن شاء الله فيما بعد.
يقول الإمام الرازي -رحمه الله-: سلّمنا أن الدليل الذي ذكرتموه يقتضي أن يكون قبح الظلم لكونه ظلمًا، لكن معنا ما يدل على فساد هذا الكلام، وهو أن المفهوم من الظلم إضرار غير مستحق، وكونه غير مستحق قيد عدمي، والقيد العدمي لا ...
١.٢ الحُسْن والقُبْح العقليان
...
يصلح أن يكون علة للحكم الثابت، ولا أن يكون جزء للعلة؛ إذ لو جاز استناد الأمر الثبوت إلى الأمر العدمي لجاز استناد خلق العالم إلى مؤثر عدمي، وحينئذ إن سدوا علينا باب معرفة كون الله -عز وجل- موجدًا؛ لأن العدم نفي محض، فيستحيل أن يكون مؤثرًا.
فإن قلت: لِمَ لا يجوز أن يكون العالم شرطًا لتأثير العلة في المعلول؟ قلنا: لأنه إذا فقد هذا العدم لم تكن العلة مؤثرة في معلول، وعند وجوده تصير مؤثرة فيه، فلكون العلة بحيث يستلزم المعلول وتستعقبه أمر حدث مع حدوث هذا العدم، وليس له سبب آخر سواه، فوجب تعليله به، فيعود الأمر إلى تعليل الأمر الثبوتي بالأمر العدمي وهو مستحيل.