٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


الفقه معناه عند الأصوليين

هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.

شرح التعريف

كلمة "العلم" الواردة في التعريف، العلم يطلق بإطلاقين:

الإطلاق الأول

صفة لا توجب تمييزًا يحتمل النقيض، وهو بهذا الإطلاق يشمل التصور والتصديق؛ لأن متعلق العلم إن كان ذاتًا أو معنى مفردًا أو نسبة غير خبرية، كان العلم بهذا المتعلق تصورًا، وإن كان متعلق العلم نسبة خبرية كان تصديقًا قطعيًّا، مثاله: العالم حادث، فالعلم بذات العالم أو العلم بمعنى الحدوث في نفسه أو العلم بنسبة الحدوث إلى العالم من غير ثبوت له أو نفيه عنه تصورًا، أما العلم بثبوت الحدوث للعالم وإثباته له فهو التصديق.


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


الإطلاق الثاني

أنه هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، فالعلم بهذا الإطلاق خاص بالتصديق، فلا يدخل فيه التصور، كما لا يدخل في الظن والشك والوهم والجهل والتقليد؛ لأن الظنّ هو تجويز وقوع كل من أمرين بدلًا عن الآخر تجويزًا ظاهرًا أحدهما أظهر من الآخر، والشك هو تجويز وقوع كل من أمرين بدلًا عن الآخر، ولا مزية لأحدهما على الآخر، والوهم هو الإدراك المقابل للظن، أي: إدراك الطرف المرجوح، والإدراك هو إحاطة الشيء بكماله، أو حصول الصورة عند النفس الناطقة، والجهل تصوّر الشيء على خلاف ما هو به في الواقع، والتقليد هو أخذ مذهب الغير بلا معرفة دليل.

فكل هذه الأمور غير داخلة في كلمة "العلم"، ووجه عدم دخول الظن والشك والوهم؛ فلأن هذه الأمور لا جزم فيها، ونحن نقول أنّ العلم هو الاعتقاد الجازم، وأما التقليد فلأنّ الجزم المطابق للواقع ليس عن دليل، وعلى ذلك يصح أن يكون العلم في التعريف مرادًا به الإطلاق الأول، وهو قول صفة لا توجب تمييزًا يحتمل النقيض، ويخرج التصور بقول الإمام البيضاوي: "من الأدلة"؛ لأن التصور يراد من التعاريف لا من الأدلة. ويصح أن يراد به الإطلاق الثاني وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، ويكون التقليد خارجًا عن العلم وليس داخلًا فيه، والعلم جنس في التعريف يشمل كل علم، سواء أكان بالذات أم بالصفات أم بالأفعال أم بالأحكام.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


وقوله: بالأحكام، الباء تصح أن تكون أصلية، ويكون العلم متضمنًا معنى الإحاطة، ويصح أن تكون زائدة قصد بها التقوية؛ لأن المصدر المعرف بالألف ضعيف العمل، فإذا زيد الحرف في معموله كان ذلك تقوية له على العمل.
كلمة "الأحكام" جمع حكم، والحكم في اللغة هو القضاء، يقال: حكم عليه وله بمعنى قضى، ويطلق الحكم على العلم والحكمة، فالحكيم العالم هو صاحب الحكمة، ومعناه في عرف أهل العربية: أنه -أي الحكم- النسبة التامة الخبرية، كما في قولك: زيد قائم، فإن الحكم عندهم هو نسبة القيام لزيد، وهذا هو ما سماه المناطقة بالقضية، وسماه الفقهاء بالمسألة، فالمسألة مطلوب خبري يبرهَن عنه في العلم بدليل، والنحاة تسمي هذه الجملة بالنسبة التامة، سواء أكانت خبرية أم إنشائية، فهي تسمى عندهم الجملة المفيدة.
والحكم عند المناطقة هو عبارة عن إدراك النسبة بطريق الإذعان، وتوضيح مذهبهم أنهم يقولون: إن المركب الخبري نحو: محمد جالس، يسمى قضية، وهذه القضية تشتمل على موضوع وهو محمد، ومحمول وهو جالس، ونسبة بينهما وهي تعلق الجلوس بمحمد وارتباطه به، وهل هذه النسبة هي وقوع الجلوس في حال الإثبات وعدم وقوعه في حال النفي، أو هي شيء آخر غير ذلك، في هذا خلاف، فبعضهم يقولون: إنها غيره، وإن الوقوع واللا وقوع نسبة أخرى تتصف بها النسبة الأولى، فيقال: إن نسبة الجلوس لمحمد واقعة أو ليست واقعة.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


وبعضهم يقول: إنها عينة فليس هناك نسبة موجودة بين الموضوع والمحمول سوى الوقوع واللا وقوع، فعلى المذهب الأول: تكون أجزاء القضية عندهم أربعة: موضوع ومحمول ونسبة يرد عليها الإيجاب والسلب، ونسبة ثانية هي الوقوع واللا وقوع، وتسمى النسبة الأولى كلامية وذهنية، فمن حيث فهمها من الكلام تسمى كلامية، ومن حيث ارتسامها في ذهن السامع بعد نطق المتكلم بالجملة، أو ارتسامها في ذهن المتكلم قبل نطقه بها تسمّى ذهنية؛ لأنها قائمة بالذهن أي ذهن المتكلم أو ذهن السامع، فالنسبة الكلامية والذهنية شيء واحد، يتحدان بالذات ويختلفان بالاعتبار.
أما النسبة الثانية وهي الوقوع واللا وقوع، فإنها تسمى النسبة الخارجية؛ لحصولها في ذاتها، بقطع النظر عن دلالة الكلام؛ لأنها حاصلة في الواقع خارج التعقل من الكلام، فإن الوقوع واللا وقوع لا بد من واحد منهما، في الواقع ونفس الأمر، ويسمى الوقوع واللا وقوع حكمًا من حيث إدراكه على وجه الإذعان.
أما على الرأي الثاني فإن أجزاء القضية ثلاثة -الموضوع والمحمول والنسبة- بمعنى الوقوع واللا وقوع، وهذا هو الذي عليه المحققون، ثم إن الوقوع واللا وقوع قد يتصوّر في ذاته من حيث إنه تعلق بين الموضوع والمحمول، بقطع النظر عن الواقع ونفس الأمر، أو تعلق الثبوت والانتفاء ويسمَّى نسبة حكمية، وقد يتصور باعتبار حصوله وعدم حصوله في نفس الأمر، وفي هذه الحالة لا يخلو إمّا أن يكون التصور على سبيل التردد وهو الشك، أو على سبيل الإذعان وهو الحكم، فالنسبة بمعنى الوقوع واللا وقوع يتعلق بها ثلاثة إدراكات:


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


الإدراك الأول

إدراكها في ذاتها بقطع النظر عن حصولها في نفس الأمر، وهذا الإدراك تصور حصول الشيء في النفس.

الإدراك الثاني

إدراكها باعتبار حصولها في نفس الأمر على سبيل التردد، وهذا الإدراك تصور أيضًا، إلا أنه يحتمل النقيض بخلاف الأول.

الإدراك الثالث
إدراكها على سبيل الإذعان، وهذا الإدراك تصديق، وهو المسمى بالحكم، فالذي يسمى الوقوع واللا وقوع حكمًا، فإنما يريد الوقوع واللا وقوع من حيث إدراكها على وجه الإذعان والتصديق كما تقدّم، فالحكم هو إدراك الوقوع على وجه الإذعان والتسليم، سواء جرينا على القول الأول وهو أن هناك نسبة سوى الوقوع واللا وقوع، وسواء قلنا: إن أجزاء القضية ثلاثة أو أربعة.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


والحكم في اصطلاح الأصوليين هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وسيأتي الكلام على شرح هذا التعريف في الكلام على الحكم الشرعي.
كما قلنا أنّ الفقه هو العلم بالأحكام، كلمة "الأحكام" جار ومجرور متعلق بالعلم، ومعنى العلم بالأحكام التصديق بكيفية تعلقها باعتبار أفعال المكلفين، مثل: أن تعلم أن الوجوب ثابت للصلاة، والتحريم ثابت للربا، والجواز ثابت للمساقاة، إلى غير ذلك من ثبوت الأحكام المعينة للأفعال المعينة، والمؤلف هنا قد قيّد العلم بالأحكام؛ ليخرج العلم بالذوات كزيد، وكذلك يخرج العلم بالصفات كالسواد والبياض، والأفعال كالضرب والكتابة والقراءة، فكل ذلك لا يسمى فقهًا في الاصطلاح، وذلك لأن العلم لا بد له من معلوم، فإن لم يكن المعلوم محتاجًا إلى محل يقوم به فهو الجوهر كالجسم، وإن احتاج إلى محل يقوم به، فإن كان سببًا لتأثير الغير فيه فهو الفعل، وإن لم يكن، فإن كان نسبة بين شيئين فهو الحكم، وإن لم يكن فهو الصفة كالبياض ونحوه، فتقييد العلم بكونه متعلقًا بالحكم مخرجًا لما عداه من بقية أقسام المعلوم، وبذلك ظهر أن الحكم معناه النسبة، فالأحكام النسبة التامّة، والعلم بها تصديق بمتعلقها.
العلم بالأحكام الشرعية، فكلمة "الشرعية" أي الصادرة عن الشرع، والشرع هو الحكم، والشارع هو الله -سبحانه وتعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- مبلغ عنه، فلذلك يطلق الشارع على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- وكلمة "الشرعية" قَيْد في ...


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


... التعريف، أخرج به الأحكام الحسية كالعلم بأن النار محرقة، وكذلك أخرج الأحكام العقلية؛ كالعلم بأن الضدين -مثل السواد والبياض مثلًا- لا يجتمعان، وبأن النقيضين كالعدم والوجود لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأخرج أيضًا الأحكام الوضعية؛ كالعلم بأن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب.
وكلمة "الأحكام الشرعية" هي: المنسوبة إلى الشرع نسبة مباشرة؛ كالأحكام المأخوذة من النصوص، أو نسبة بواسطة؛ كالأحكام المستفادة بواسطة الاجتهاد، وهذه الأحكام المنسوبة إلى الشارع تشمل الأحكام الاعتقادية: الإيمان بما يجب، وما يجوز، وما يستحيل في حق الله تعالى، والإيمان بأن القرآن حجة تأخذ منه الأحكام، والإيمان بالبعث، فهذه أحكام شرعية لم تتعلق بأفعال المكلفين، وإنما تتعلق بعقائدهم، وتشمل الأحكام الوجدانية، وهي الأحكام التي تتعلق بأخلاق الناس، وما يجب أن تكون عليه نفوسهم من المراقبة والتوكل والعرفان.
وتشمل أيضًا الأحكام العملية كوجوب الصلاة والحج، قال تعالى: ((إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)) [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)) [آل عمران: ٩٧]، وكحل البيع وحرمة الربا في قوله تعالى: ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة: ٢٧٥].
العلم بالأحكام الشرعية العملية: فكلمة "العملية": نسبة إلى العمل، فيكون معناها: المتعلقة بكيفية عمل، وكيفية العمل هي الصفة القائمة به من الأحكام الخمسة، وكونها عملية إنما هو بالنظر للغالب، فإن طهارة الخمر إذا تخلّلت، وكون الرق مانعًا من ...


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


... الإرث من أحكام الفقه، وليس شيئًا منها عمليًّا إلّا بتأويل، وكلمة "العملية": قيد في التعريف ليخرج الأحكام الاعتقادية، فالأحكام الاعتقادية استقلَّ بها علم التوحيد، وكذلك أخرج الأحكام الوجدانية؛ لاستقلال علم التصوف بها، وعلى هذا فالفقه قاصر على البحث في الأحكام الشرعية، سواء منها ما تعلق بأمور الآخرة كالصوم والصلاة والزكاة والحج، وما تعلق بأمور الدنيا كالعقوبات من قصاص وحدود وديات والمعاملات والمناكحات.
العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب، أي الحاصل بعد أن لم يكن، أو هو المأخوذ من الأدلة، ويقرأ بالرفع صفة للعلم وليس صفة للأحكام حتى يقرأ بالجر، وذلك لأنّ المكتسب مذكّر، والأحكام مؤنثة، والصفة يجب مطابقتها لموصوفها في التذكير والتأنيث، وأيضًا لو جعل المكتسب وصفًا للأحكام للزم من ذلك أن يكون علم الله تعالى بالأحكام فقه، وأن يكون علم المقلد للفقهاء فقه كذلك، لكن كل ذلك باطل.
العلم بالأحكام الشرعية العملية المتكسب من الأدلة التفصيلية، الأدلة جار ومجرور متعلق بالمكتسب، ويخرج به علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالأحكام التي ليست عن اجتهاد؛ لأنه مكتسب من الوحي، وعلم الملائكة بالأحكام؛ لأنه مكتسب من اللوح المحفوظ، فظهر أن كلًّا منها ليس مكتسبًا من الأدلة.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


أما كلمة "التفصيلية" فهي الجزئية، أي المذكورة على جهة التفصيل، وهو تمييز الأفراد بعضها عن بعض فيما يختص به، والتفصيلية قيد في التعريف يخرج به علم المقلد بالأحكام؛ لأن علمه بها ليس مكتسبًا من أدلة تفصيلية، فإنه اعتبار وحكم شرعي عملي مكتسب من دليل إجمالي، يقول فيه: هذا حكم أفتاني به المفتي، وكل حكم أفتاني به المفتي فهو حكم الله في حقي، فهذا الحكم حكم الله في حقي.
والحق أن الأدلة التفصيلية لم يحترز به عن شيء، وإنما ذكر لبيان الواقع، فكلمة "التفصيلية" ذكرت لبيان الواقع، وليكون في مقابلة قوله في تعريف أصول الفقه: إجمالًا، أي أن الأدلة في أصول الفقه إجمالية، أما الأدلة في الفقه فهي تفصيلية.
أما علم المقلد فهو خارج بما خرج به علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلم الملائكة؛ لأن علم المقلد بالأحكام ليس مأخوذ من الأدلة، بل هو مأخوذ من المجتهد.


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


تعريف الحكم الشرعي لغة واصطلاحًا

الحكم الشرعي عند الأصوليين

هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
قبل أن نشرح التعريف عند الأصوليين نتناول تعريف الحكم في اللغة، فالحكم في اللغة: المنع؛ ومنه قول الشاعر جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضب

فكلمة "أحكموا" هنا بمعنى: امنعوا
وكذلك قول حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:
لنا كل يوم من معد   سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


فكلمة "نحكم بالقوافي من هجانا" أي: نمنع بالقوافي الذي يهجونا
ومنه قيل للقضاء: حكم؛ لأنه يمنع من غير المقضي، يقال: حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه، وحكمت بين القوم فصلت بينهم، وحكّمت -بتشديد الكاف- فوّض الحكم إليه، وتحكّم في كذا أي: فعل ما رآه، وأحكمت الشيء أي: أتقنته.

شرح التعريف الاصطلاحي

فكما قلنا: إن التعريف الاصطلاحي هو خطاب الله تعالى، الخطاب في اللغة توجيه الكلام المفيد إلى الغير بحيث يسمعه، والمراد به هنا المخاطب به، وهو الكلام الموجَّه إلى الغير من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول مجازًا، علاقته الاشتقاق اللغوي، والخطاب جنس في التعريف يشمل كل خطاب، سواء أكان خطابا لله أم للملائكة أم للإنس أو للجن، وبإضافة الخطاب إلى لفظ الجلالة خرج خطاب الملائكة والإنس والجن، فلا يعد ذلك حكمًا عند الأصوليين.
خطاب الله: لفظ الجلالة كلمة "الله" علَم على الذات الإلهية، الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، والمراد بخطاب الله كلامه تعالى، سواء دلّ عليه بالقرآن الكريم مباشرة أو بالسنة النبوية أو بالإجماع أو بالقياس، أو بغير ذلك من ...


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


... الأدلة الشرعية التي هي كاشفة عن خطاب الله تعالى ومعرفة له. أما السنة فلأنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا ينطق عن الهوى، قال تعالى: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم: ٣، ٤] وأمّا الإجماع فلأنه يستند إلى دليل من الكتاب أو السنة أو غيرهما، من الأدلة التي ترجع إليهما، وأمّا القياس فلأن دليل حكم المقيس عليه الذي نسميه الأصل ثابت، إما في الكتاب أو السنة أو الإجماع.
خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلفين: المتعلق أي المرتبط، بأفعال المكلفين على وجه يبين صفة الفعل من كونه مطلوبًا كالصلاة والزكاة في قوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)) [المزمل: ٢٠] أو غير مطلوب كالزنا في قوله تعالى: ((وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى)) [الإسراء: ٣٢]، والأفعال جمع فعل، والمراد به: ما صدر عن المكلف من قولٍ كتحريم الغيبة والنميمة، أو فعل بالجوارح كإيجاب الصلاة وإيتاء الزكاة، أو اعتقاد كإيجاب الوحدانية لله -عز وجل- وعلى ذلك فكلمة "الفعل" يشمل عمل الأبدان واللسان والجنان.
أما كلمة "المكلفين" فجمع، مفرده: مكلَّف، وذلك مشتَق من التكليف، والتكليف اختلفوا في تعريفه، فمنهم من قال: إنه طلب ما فيه مشقة، ومنهم من قال: إنه إلزام ما فيه مشقة، وسنرى ثمرة هذا الخلاف عندما نتكلم عن الحكم التكليفي، والمكلّف هو البالغ العاقل سليم الحواس الذي بلغته الدعوة، وبالتأمل في كلام علماء التوحيد والأصول والفقه تبين لنا ما يلي:

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


أن بعضهم يشترط تلك الشروط كلها، وهي البلوغ والعقل وسلامة الحواس وبلوغ الدعوة.
وآخرون يقتصرون على العقل بعبارتهم المشهورة: العقل مناط التكليف، وعلى اختلاف عبارات الكاتبين في تعريف العقل، والتي بلغت عند الإمام الزركشي إلى نحو خمسة عشر تعريفًا، فإننا لا يمكن أن نعرفه بأنه ذلك المكوّن من الدماء والمخ والحواس، وإدراك الواقع المحسوس والمعلومات السابقة، وأن العملية الفكرية لا تتم في ذهن الإنسان إلّا بهذه العناصر الأربعة، وأي اختلال في واحدة منها لا يكون معه عقل.
فمن أصيب في الدماغ -أي: المخ- فليس معه عقل كشأن المجنون، ومن فقد حواسه السمع والبصر والكلام فهو غير مكلف، والطفل حيث لا معلومات سابقة في ذهنه فليس بمكلف، وكأنّ الشرع قد ناط التكليف بالبلوغ؛ لأن البلوغ المدلول عليه بالاحتلام عند الذكر والحيض عند الأنثى يُعلَم صاحبه بمعنى جديد هو الشهوة الجنسية، متعلق به حكم وهو حرمة الزنا وإباحة الزواج، وأن معرفة تلك الشهوة لا يتأتى بوصف الواصفين لها، فلا بد لإدراكها من التلبس بها.
وهذا -فيما أرى- سر المفصل ومن أجمل والمعنى واحد، باعتبار أن من أجمل في كلمة "العقل" قصد عناصره تلك، والتي لا يتم التفكير إلا بها؛ حيث لا يتم الإدراك عند الخلل في أحدها، ومن فصله فكأنه أشار إلى عنصر الدماغ بكلمة "العقل"؛ حيث يطلق العقل ويراد به الدماغ.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


أيضًا هذا التعريف للعقل والمستنبط من كلام علماء المسلمين، فيه قطع الطريق على ملاحدة الماديين، الذين يعرفون العقل بأنه انعكاس للواقع على الدماغ، ويبنون على ذلك إنكار ما وراء المنظور وعالم الغيب، وبالتالي ينكرون الوحي والخالق، فالخطاب المتعلق بغير أفعال المكلفين لا يعدّ حكمًا؛ كالخطاب المتعلق بذات الله تعالى؛ كقوله تعالى: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) [آل عمران: ١٨]، والمتعلق بالجمادات كذلك؛ كقوله تعالى: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)) [سبأ: ١٠]، وقوله تعالى: ((وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ)) [الكهف: ٤٧] فكل ذلك لا يسمى حكمًا.
خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير: بالاقتضاء جار ومجرور متعلق بقوله المتعلق، والتخيير معطوف عليه، والاقتضاء معناه الطلب، والطلب إما طلب فعل وإما طلب ترك، وطلب الفعل إما أن يكون جازمًا أو غير جازم، فطلب الفعل إن كان جازمًا فهو الإيجاب، مثل قوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)) [النور: ٥٦]، وإن كان طلب الفعل غير جازم فهو الندب، مثل قوله تعالى: ((إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)) [البقرة: ٢٨٢].

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


وأما طلب الترك إن كان جازمًا فهو التحريم، مثل قوله تعالى: ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)) [الأنعام: ١٥١]، وإن كان طلب الترك غير جازم فهو الكراهة، مثل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [الجمعة: ٩].
وعلى هذا فالاقتضاء شمل أربعة أقسام: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، أما كلمة "أو" في التعريف، فهي للتقسيم والتنويع، وليست للشك كما يقول بعض العلماء، والتخيير معناه: التسوية بين الفعل والترك من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، ويسمى الإباحة، فالمكلف مخيَّر بين الفعل والترك، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهذا واضح في قوله تعالى: ((وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)) [المائدة: ٢].
وقوله: بالاقتضاء أو التخيير، يخرج به الخطاب المتعلق بذوات المكلفين أو بأفعالهم، مع كونه لا طلب فيه ولا تخيير، بل قصد به الإخبار، مثل قوله تعالى: ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)) [الصافات: ٩٦].


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


تقسيمات الحكم الشرعي
الحكم الشرعي ينقسم إلى خمسة أنواع، وهي:
الوجوب.
والندب.
والحرمة.
والكراهة.
والإباحة.
ومتعلقات هذه الأنواع الخمسة على الترتيب هي:
الواجب.
والمندوب.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


والحرام.
والمكروه.
والمباح.

فما معنى كل هذه المتعلقات؟ ما معنى الواجب؟
الواجب هو الذي يزم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا، فالإيجاب طلب الفعل طلبًا جازمًا، والندب طلب الفعل طلبًا غير جازم، أما الفعل الذي يتعلق به الإيجاب يسمى واجبًا، والذي يتعلق به الندب يسمى مندوبًا، والتحريم وهو طلب الترك طلبًا جازمًا، والكراهة طلب الترك طلبًا غير جازم، الفعل الذي تعلق به التحريم يسمَّى محرمًا، والذي تعلق به الكراهة يسمى مكروهًا.
الإباحة هي التخيير بين الفعل والترك، أما الفعل الذي تعلق به الإباحة فيعرف بالمباح، فتلك أقسام خمسة، وعلى ذلك، فالواجب في اللغة يأتي بمعنى الساقط ويأتي بمعنى الثابت، جاء في (القاموس المحيط) وجب يجب وجبة سقط، وفي (المصباح المنير): وجب الحق والبيع يجب وجوبًا ووجبة لزم وثبت، ومن أمثلة السقوط قوله تعالى: ((فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)) [الحج: ٣٦] أي سقطت.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


أما في الاصطلاح: فتعريف الواجب في الاصطلاح هو الذي يذم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا.
نشرح هذا التعريف:
فكلمة "الذي" اسم موصول صفة لموصوف محذوف تقديره الفعل، والمراد به فعل المكلّف؛ لأن الأحكام إنما تتعلق بأفعال المكلفين، والمقصود بفعل المكلَّف هو ما صدر عنه من قول أو فعل أو اعتقاد كما سبق؛ لأن كلًّا من هذه الأمور الثلاثة يتعلق به الإيجاب، فيكون التقدير فعل المكلف الذي يُذَمّ، والذي يذم معناه الذي يحقق الذم، وهو قيد في التعريف يخرج به المباح والمندوب، ويخرج به المكروه أيضًا؛ لأن هذه الأمور الثلاثة لا توجب الذم لتاركها؛ لأن المراد من الذم هو اللوم والانتقاص؛ بحيث يصل كل من اللوم والانتقاص إلى درجة العقاب، والمندوب لم يصل فيه اللوم على الترك إلى درجة العقاب، كما أن المكروه لم يصل اللوم فيه والانتقاص على الفعل إلى درجة العقاب، بل وصل إلى درجة العتاب فقط، والمباح لا لوم فيه أصلًا.
"الذي يذم شرعًا": كلمة "شرعًا" أتى بها المؤلف لبيان أن الذمّ إنما يعرف من جهة الشرع لا من جهة العقل -كما تقول المعتزلة في التحسين والتقبيح كما سيأتي بيان ذلك في درس لاحق، وقوله: تاركه، اسم فاعل مشتق من الترك والترك يطلق بإطلاقين:


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


الإطلاق الأول

عدم الإتيان بالفعل، سواء توجهت النفس إلى الإتيان بالفعل أم لم تتوجه إليه.

الإطلاق الثاني

عدم الإتيان بالفعل بعد توجّه النفس إليه، وهو ما يعبَّر عنه بكف النفس عن الفعل بعد التوجه إليه، والترك بالمعنى الثاني لا يكون عن غير قصد، والظاهر أن الإمام البيضاوي قصد به الإطلاق الثاني؛ لأنه أتى بقوله "قصدًا" بعد ذلك، والمقصود بقوله: تاركه، الاحتراز به عن المحرم؛ لأن الذم في المحرم إنما يكون على الفعل، ولا يكون على الترك. والإمام ابن السبكي -رحمه الله- جعل قول البيضاوي: الذي يذمّ شرعًا تاركه، قيدًا واحدًا، وجعل هذا القيد مخرجًا للمندوب والمحرّم والمندوب والمباح، وهي طريقة لا بأس بها.
أما قوله: "قصدًا"، فصفة لمفعول مطلق محذوف تقديره: تركًا قصدًا، أي: مقصودًا، فالقصد راجع إلى الترك، وفائدة الإتيان بكلمة "قصدًا" في التعريف إدخال بعض الواجبات، وهي الواجبات التي تركت سهوًا أو لنوم، فمثلًا: من دخل عليه وقت الصلاة، وتمكّن من الإتيان، فقد وجبت عليه الصلاة وجوبًا موسعًا، فإذا غفل عن...


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


... الإتيان بالصلاة حتى خرج وقتها، أو نام معتقدًا أنه سيستيقظ قبل خروج الوقت فغلبه النوم حتى خرج الوقت، يصدق على ذلك المكلف أنه ترك واجبًا، ولكن لا يذم على ترك هذا الواجب؛ لوجود العذر، فيكون هذا الواجب خارجًا عن التعريف؛ لأن خاصية الواجب وهي الذم على الترك، لم تتحقق فيه، فيكون التعريف غير جامع، فأتى البيضاوي بقوله: قصدًا ليبين أن خاصية الواجب هي الذم على الترك قاصدًا. ولا شك أن هذا الواجب الذي ترك سهوًا أو لنوم، لو تركه قصدًا ولغير عذر فإنه يذم على هذا الترك، وبذلك يكون التعريف شاملًا للواجب الذي تُرِك سهوًا أو لنوم.
أمّا قوله: "مطلقًا"، إما أن يكون راجعًا إلى الذم أو يكون راجعًا إلى الترك، فإن كان راجعًا إلى الذم كان المعنى: الواجب هو الذي يذم مطلقًا تاركه، ويكون المراد من إطلاق الذم هو الذم من بعض الوجوه، أو الذم من كل الوجوه، وذلك بأن من ترك إيقاع الواجب فكل أجزاء الوقت مثلًا في الواجب الموسَّع، فإنه يكون قد ذمّ من بعض الوجوه، وهو تركه للفرض في الجزء الأخير من الوقت، ولم يذم على تركه في الأجزاء السابقة من أول الوقت إلى نهايته، ومن ترك -أي: جزءًا من الواجب المضيق- فإنه يذم، فيصدُق عليه أنه يذمّ من كل الوجوه. أما إن كان مطلقًا راجعًا إلى الترك، كان المعنى: الواجب هو الذي يذم شرعًا تاركه مطلقًا، ويكون المراد من إطلاق الترك أن يكون الترك من بعض الوجوه، كما هو الشأن في الواجب المضيق، أو من كل الوجوه كما في الموسَّع، وذلك بأن يترك الواجب في جميع الأوقات بالنسبة للواجب الموسع، والترك لجميع الخصال بالنسبة للواجب المخير، والترك من جميع المكلفين بالنسبة للواجب الكفائي.


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


القسم الثاني من أقسام الحكم الشرعي: المندوب
والمندوب في اللغة مأخوذ من الندب، والندب هو الطلب والدعاء لأمر مهم، ومنه قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم   للنائبات على ما قال برهان
معنى ذلك: هو يريد أن يمدح قومه وعشيرته، فيقول: لا يسألون أخاهم حين يندبهم -أي: حين يطلبهم- للنائبات -أي: للحروب والبلاء- على ما قال برهانًا.
أصل كلمة "المندوب": المندوب إليه، حُذف الجار والمجرور وهو كلمة "إليه"؛ تخفيفًا وتسهيلًا، فصار المندوب.
أمّا المندوب في اصطلاح الأصوليين فقد عرفه البيضاوي بأنه: ما يحمل فاعله ولا يذم تاركه، وكلمة "ما" في التعريف مراد بها فعل المكلف؛ لما قلنا: إن المندوب هو الفعل الذي تعلق به الندب، والندب حكم شرعي تكليفي، وهذا الحكم الشرعي إنما تعلّق بأفعال المكلفين، وهو جنس في التعريف يشمل المندوب والواجب والمحرم والمكروه، ويخرج عن التعريف ما ليس فعلًا للمكلف كفعل الله تعالى، فلا يوصف بأنه مندوب كما لا يوصف بأنه واجب أو مباح.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


ما يحمد فاعله: فكلمة "يُحمَد" فاعله قيد في التعريف، يخرج به المحرم والمكروه؛ لأن كلًّا منهما يحمد تاركه، ويخرج أيضًا المباح كذلك؛ لأنه لا حمد فيه على الفعل، كما لا حمد فيه على الترك، والحمد معناه: الثناء بالوصف الجميل على جهة التعظيم، والمراد به هنا: الثواب من الله تعالى، والإمام البيضاوي لم يذكر في التعريف هنا قيد قصدًا.
أمّا جملة: لا يذم تاركه، فهو قيد ثانٍ يخرج به الواجب؛ لأن فاعل الواجب وإن كان يُحمَد، إلا أن تاركه يذم بخلاف المندوب، فإن فيه حمدًا على الفعل ولا ذم فيه على الترك.
للمندوب أسماء كثيرة نذكر منها: كلمة "مرغّب فيه"، فمرغب فيه، ومستحب، ونفل، وتطوع، وسنة، وإحسان، كل ذلك من أسماء المندوب، فالمرغب فيه لما أنه قد يحس المكلف على فعله بالثواب، إذًا هو مرغوب فيه، وكذلك مستحب، ومعناه في العرف: أن الله -سبحانه وتعالى- قد أحبه، وكذلك نفل، ومعناه: أنه طاعة غير واجبة، وأن للإنسان أن يفعله من غير حتم، وكذلك تطوّع، ومعناه: أن المكلف انقاد لله تعالى فيه، مع إنه قربة من غير حتم، ومن أيضًا أسمائه سنة، ويفيد في العرف أنه طاعة غير واجبة، ولفظ السنة تختص في العرف بالمندوب، بدليل أن يقال: هذا الفعل واجب أو سنة، أيضًا إحسان، وذلك إذا كان فيه نفعًا موصلًا إلى الغير مع القصد إلى نفعه. هذه هي أسماء المندوب عند الجمهور، ولكن نجد أن عالمًا من العلماء كالقاضي حسين ومن معه قالوا: إن المندوب لا يسمى بغيره، فالمندوب هو للمندوب فقط؛ لأن ...


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


... السنة هي ما واظب عليها النبي -صلى الله عليه وسلم، والمستحب هو ما فعله مرة أو مرتين، والتطوع هو ما ينشئه الإنسان باختياره ولم يرد فيه نقل، لكن ردَّ عليهم الجمهور بأن المندوب يعم كل ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا)) ولقوله -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: ((إني لأنسى أو أنسى لأسن)) وهذا الحديث رواه الإمام مالك في (الموطأ)، فانظر كيف جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- السنة بما يحصل نسيانًا، وهو أندر شيء يكون، وأما المندوب فلا شك في عمومه لجميع ما ذكر.

القسم الثالث: الحرام
والحرام في اللغة ضد الحلال، وفي اصطلاح الأصوليين عرّفه الإمام البيضاوي بقوله: ما يذم شرعًا فاعله، فما واقعة على فعل المكلف كما سبق بيانه، وفعل المكلف جنس في التعريف يشمل الواجب والمحرم والمندوب والمكروه والمباح، ويخرج عنه ما ليس بفعل المكلف، فجاءت كلمة "يذمّ شرعًا" فاعله؛ لتخرج ماعدا المحرم؛ لأنه لا ذم فيما عدا المحرم على الفعل، فالواجب الذمّ فيه على الترك، والمندوب والمكروه والمباح لا ذمَّ فيه أصلًا لا على الفعل ولا على الترك؛ لأن المراد من الذم -كما قلنا- هو اللوم والانتقاص؛ بحيث يصل كل من اللوم والانتقاص إلى درجة العقاب، ولا عقاب في فعل المكروه، بل فيه عتاب، كما لا عقاب في ترك المندوب...


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


... ففيه عتاب كذلك، والمباح لا شيء فيه لا عقابًا ولا عتابًا.
وللحرام أسماء أيضًا نذكر منها: أنه معصية، وإطلاق هذا الاسم على الحرام في العرف يفيد أنه فعل ما نهى الله تعالى عنه، وقالت المعتزلة: إنه الفعل الذي كرهه الله تعالى، والكلام فيه مبني على مسألة خلق الأعمال وإرادة الكائنات.
ثانيًا: أنه محذور، وهو قريب من المحرّم؛ لأن الحذر معناه المنع.
ثالثًا: أنه ذنب، وتسميته ذنب يفيد في العرف أنه قبيح يتوقع المؤاخذة عليه والعقوبة، ولذلك لا توصف أفعال الطفل والبهيمة بذلك، وربما يوصف فعل المراهق به؛ لما يلحقه من التأديب على فعله.
رابعًا: مزجور عنه، ومتوعّد عليه، وهو يفيد في العرف أنه -عز وجل- هو المتوعِّد على فعل الحرام والزاجر عنه.
خامسًا: قبيح، وتسميته قبيح يفيد في العرف أنه هو الذي ليس للمتمكن منه ومن العلم بقبحه أن يفعله.


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


القسم الرابع من أقسام الحكم الشرعي: المكروه
والمكروه ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله، المكروه في اللغة المبغوض، فهو ضد المحبوب أخذًا من الكراهة، وقيل: إنه ليس مأخوذًا من الكراهة وإنما هو مأخوذ من الكريهة، والكريهة هي الشدة في الحرب، في اصطلاح الأصوليين -كما قلنا- عرفه البيضاوي بقوله: ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله، فما مراد بها فعل المكلف، وفعل المكلف جنس في التعريف يشمل الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح، ويخرج عنه ما ليس فعلًا للمكلف، فلا يوصف بالكراهة ولا بغيرها من الأحكام.
يمدح تاركه: قيد أول يخرج به الواجب والمندوب؛ لأن كلًّا منهما يمدح فاعله.
لا يذم فاعله: قيد ثان يخرج به المحرم؛ لأنه يذم فاعله.
ولم يذكر البيضاوي هنا كلمة "شرعًا" في تعريف المكروه، مع أن نفي المدح والذم إنما يكون من الشرع، كما أن إثبات المدح والذم يكون من الشرع كذلك، ولم يذكرها البيضاوي اكتفاء بالإتيان بها في تعريف المحرّم؛ لأن كلًّا من المحرم والمكروه فيه طلب ترك.
والفرق بين الإطلاق الثالث والإطلاق الثاني -أي: ترك الأولى وما نهي عنه نهي تنزيه- ورود النهي المقصود، والضابط ما ورد فيه نهي مقصود يقال فيه مكروه، وما لم يرد فيه نهي مقصود يقال فيه خلاف الأولى، ولا يقال مكروه، وقولنا: مقصود احترازًا من النهي التزامًا، فإن الأمر بالشيء ليس إلّا نهيًا عن ضده التزامًا، فالأولى مأمور به، وتركه منهي عنه التزامًا لا مقصودًا.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


إطلاقات المكروه أو أسماء المكروه: في المكروه ثلاثة اصطلاحات:
الحرام، فيقول الشافعي -رضي الله عنه-: أكره كذا ويريد به التحريم، وهو غالب إطلاق المتقدمين، وذلك تحرزًا عن الوقوع تحت طائلة قول الله تعالى: ((وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ)) [النحل: ١١٦] فكرهوا إطلاق لفظ التحريم.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


القسم الخامس والأخير من أقسام الحكم الشرعي: المباح
والمباح في اللغة الموسّع فيه والمعلَن والمأذون، قال في (المصباح المنير): باح الشيء بوحًا من باب قال، ظهر، ويتعدى بالحرف فيقال: باح به صاحبه أي أظهره، ويتعدى بالهمزة أيضًا فيقال: أباحه وأباح الرجل ماله، يعني أذن في الأخذ والترك، وجعله مطلق الطرفين، واستباحه للناس أقدموا عليه.
أما في اصطلاح الأصوليين: فقد عرّفه الإمام البيضاوي بقوله: ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم، فكما قلنا: ما واقعة في على فعل المكلف؛ لأن المباح فعل أيضًا تعلقت به الإباحة، والإباحة حكم شرعي يتعلق بأفعال المكلفين لا غير، وقوله: لا يتعلق بفعله ولا تركه مدح ولا ذم، قيد في التعريف، يخرج به ماعدا المباح؛ لأن الواجب يتعلق بفعله مدح وبتركه ذم، والمندوب يتعلق بفعله مدح ولا يتعلق بتركه ذم، والمحرّم يتعلق بتركه المدح وبفعله الذم، والمكروه يتعلّق بتركه المدح ولا يتعلق بفعله ذم.
إطلاقات المباح: يطلق المباح على ثلاثة أمور:


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


الأمر الأول

وهو المراد هنا: هو ما صرّح فيه الشارع بالتسوية بين الفعل والترك، ومنه قوله للمسافر: إن شئت فصم، وإن شئت فافطر.

الأمر الثاني

ما سكت عنه الشرع، فيقال: استمر على ما كان، ويوصف بالإباحة على أحد الأقوال الثلاثة، وهو ما جاز فعله واستوى طرفاه.

الأمر الثالث

قد يطلق المباح على المطلوب، ومنه قولنا: الحلق في الحج استباحة محذور على أحد القولين، فالمراد بالإباحة فيه أنّ الحلق ليس بشرط في التحليل، وليس المراد أنّه غير مندوب إليه، ومن أسماء المباح: الطلق، والحلال، والجائز، فقولنا: فعل المكلف وما ليس بفعل المكلف، فعل المكلف يشمل ما صدر عن الإنسان سواء أكان عملًا باللسان أو بالجنان أو بالجوارح، وعلى ذلك يدخل فيه...


٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


... أمور الاعتقادات القلبية؛ حيث إنها من أفعال القلوب، وهي بهذا الاعتبار توصف بالحلّ والحرمة، أما من حيث ذاتها فلا، ومن هنا أيضًا اكتفوا بأن العقائد بمعنى ما يجوز اعتقاده، أي: عقد القلب عليه، وعقد القلب فعل يثبت ويكفي فيه أحاديث الآحاد، أما الحكم بأنها من المعلوم يقينًا والذي يترتب عليه الحكم بكفر منكرها فلا تكفي فيه أحاديث الآحاد، وقالوا: أحاديث الآحاد لا تثبت العقائد، أي من جهة الحكم عليها بالعلم، أي: اليقين، في حين استدلوا بتلك الأحاديث في كل مسائل العقيدة، فتنبّه.
أيضًا كلمة "الكف" هو: ترك الفعل عن قصد، فالكف فعل، ولذلك يأتي في صيغة فعل الأمر، وهو مخالف لعدم الفعل، والذي يمكن أن يقع بلا قصد أو نية، والثواب والعقاب مناطه الكف، وليس عدم الفعل، أي لا بد من وجود النية؛ حيث يصدر ذلك عن غفلة وعدم التفات.
الفعل الجماعي: هو هذه الهيئة التي تحدث عن جماعة، وبها يتعلق أحكام فروض الكفاية التي خاطبت المجموع دون الجميع، فالفعل باعتباره عرَضًا من الأعراض يحصل في ذلك الكون، إما من فرد أو جماعة، وقد نؤمر أن نوقع فعلًا معينًا كجماعة، وهو أمر غفل عنه المسلمون كثيرًا، فضاع منهم الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوها أفعالًا فردية محضة، ولم ينظروا إلى أنها مع كونها أفعالًا فردية هي أيضًا هيئات اجتماعية، يجب على المجموع أن يحافظ عليها، وهي نقطة نراها مهمة.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع


وقولنا: ما ليس فعل المكلف، يدخل فيه الفعل الصادر عن الغافل، وهو الصبي الغير المميز، والمجنون والسكران والنائم والساهي والجاهل، ومعنى هذا: نقص في مناط التكليف وهو العقل، حال بين الشخص والخطاب، ويدخل فيه أيضًا فعل البهائم والأفعال الكونية، مثل الزلازل وسقوط الجليد أو المطر، ويدخل فيه فعل الملائكة الكرام، وكذلك فعل الله -عز وجل- أما الجن فهم مكلفون، ونص العلماء أنّ ذلك بأصل خلقتهم دون حاجة أو انتظار للبلوغ.

٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع



٢.١ تعريف الفقه وشرحه عند علماء الأصول، وتقسيمات الحكم الشرع