١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


الاسم، والموضوع، والفائدة، والاستمداد، والنشأة

يقول الناظم:
من رام فنًّا فليقدِّم أولًا     علمًا بحدِّه وموضوع تلا
وواضع ونسبة وما استُمِدَّ     منه وفضله وحكمه معتمد
واسم وما أفاد والمسائل     فتلك عشرة للمنى وسائل
وبعضهم فيها على البعض اقتصر     ومن يكن يدري جميعًا انتصر

وعلى ذلك، فالمبادئ لأي علم من العلوم عشرة، ونحن نعلم أنّ علم أصول الفقه علم من العلوم التي هي فرض كفاية، إذا أتى به بعض المكلَّفين انتفى الإثم عن الباقين، فلنقدِّم بعض مبادئ علم أصول الفقه الذي نرى أننا بحاجة إلى معرفتها، فمثلًا:


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


أولًا: اسم هذا العلم

اسم هذا العلم هو "علم أصول الفقه"، وليس له اسم غير هذا الاسم.

ثانيًا: موضوعه

وموضوع كل علم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية، أي أنّ كل علم هو عبارة عن مجموع من الجمل المفيدة، المفروض أنّ المسنَد إليه في كل هذه الجملة شيء واحد، يسمّى الموضوع، فمثلًا علم الطب موضوعه جسم الإنسان من حيث الصحة والمرض، فيمكن أن تلاحظ في كل مسائل الطب هذا الموضوع كمسنَد إليه، فيقال: جسم الإنسان إذا أصيب بكذا عولج بكذا، وجسم الإنسان إذا حدث له كذا يكون كذا.
وموضوع علم الفقه: هو فعل المكلَّف؛ لأننا نقول: الصلاة وهي فعل المكلّف واجبة، السرقة وهي أيضا فعل المكلف حرام، أكل البصل الني وهو فعل المكلف مكروه.

١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


أما أصول الفقه فموضوعه: هو الأدلة الإجمالية -كما سنرى فيما بعد- والأدلة الإجمالية هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكذلك الأدلة المختلف فيها؛ كالاستصحاب، وشرع مَنْ قبلنا، وسد الذرائع، والاستحسان، وقول الصحابي، وغير ذلك من الأدلة. وليس علم الأصول هو حفظ هذه الأدلة ولا العلم بأنها أدلة، وليس هو معرفة جزئيات هذه الأدلة، مثل إنّ الصلاة واجبة، والسرقة حرام؛ لأن هذا هو علم الفقه، بل موضوع علم الأصول هو الأدلة في صورتها الإجمالية من حيثية معينة، هذه الحيثية هي إثبات الأحكام الشرعية واستخراجها من هذه الأدلة.

ثالثًا: فائدة علم الأصول

اعلم -أيها الدارس- إنّ العلوم منها ما هو راجع إلى الوحي ودراسته، ومنها ما هو راجع إلى الوجود الذي نعيش فيه ودراسته، والأول -الذي هو الوحي- دَرَجنا على أن نسميها علومًا شرعيّة، والثانية أسميناها علومًا طبعية، ومعرفة الإنسان حتى تكون معرفة سوية متكاملة ينبغي أن تستقي معلوماتها من الوحي والوجود معًا، فكيف نفهم الوحي؟ وكيف نوقعه على الواقع؟ وكيف نتعامل مع الوجود من خلال الأوامر والنواهي الربانية؟ هذا هو ما يرشدنا إليه علم أصول الفقه، فهو بمثابة المنهج الضابط للعقل المسلم في تعامله مع ما حوله من خلاله نفهم النصوص الشرعية الشريفة.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


رابعًا: استمداد علم الأصول
يستَمَد علم أصول الفقه من ثلاثة علوم: علم الكلام: وهو ما يسمَّى بعلم التوحيد، أو علم العقيدة، وعلم اللغة العربية، والأحكام الشرعية وهو ما يسمَّى بالفقه.
أمّا استمداده من علم الكلام فلتوقُّف الأدلة الشرعية الكلية على معرفة الباري، بقدر الممكن من ذاته وصفاته وأفعاله، ومعرفة صدق رسوله -صلى الله عليه وسلم- المبلِّغ عن الله -سبحانه وتعالى- شرعًا ومعرفةً صدق الرسول يتوقّف ثبوته على أنّ المعجزة تدل على دعوى الرسالة وعلى صدق المدّعي للرسالة، ودلالة المعجزة على صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- تتوقف على امتناع تأثير غير القدرة القديمة فيها، وهذا كله مبيّن في علم الكلام.
أمّا استمداد علم أصول الفقه من علم اللغة العربية، فلأن الأدلة الكلية من الكتاب والسنة والاستدلال بها يتوقف على معرفة اللغة من حيث الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والمنطوق والمفهوم، وغير ذلك من المباحث اللغوية، مثل مباحث معاني الحروف، وغيرها التي لها أثر في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة.

١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


أما الأحكام الشرعية وهو علم الفقه كالوجوب والتحريم فمن حيث تصورها؛ لأن مقصود الأصول من الأصول هو إثبات الأحكام أو نفيها من حيث إنها مدلولة للأدلة الشرعية ومستفادة منها، كما أنّ مقصود الفقيه من الفقه إثبات الأحكام أو نفيها من حيث تعلُّقها بفعل المكلّف، وهي تقع جزء من محمولات مسائلها؛ كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والوتر واجب، وغير ذلك، فإن معنى قولنا: الأمر للوجوب أنه دال على الوجوب ومفيد له، فمتى رأينا صيغة أمر وهي صيغة افعل وما جرى مجراها؛ كالمصدر المقترن بالفاء، والفعل المضارع المقترن باللام، وغيرها، فإن ذلك يدلنا على أن الفعل المطلوب بهذه الصيغة هو واجب.
ومعنى قولنا: "أنّ الوتر واجب" أن الوتر متعلق الوجوب وموصوف به، فوقع الوجوب جزءًا من المحمول فيها لا نفس المحمول، والحكم بالشيء نفيًا أو إثباتًا فرعًا عن تصوره بسائر أجزائه، فإذا أردت أن تحكم على شيء فلا بُدّ عليك أولا أن تتصوره، والتصور هو إدراك المفردات، والإدراك هو حصول صورة الشيء في الذهن، وهنا ننبّه إلى ما يجب الالتفات إليه، وهو أن الأصولي ينبغي عليه أن يضع ضوابط فهم الواقع، وكيفية إيقاع حكم الله على هذا الواقع، لا أن يدرس ذلك الواقع نفسه؛ لأن دراسة الواقع نفسه من وظيفة الفقيه.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


خامسًا: نشأة علم أصول الفقه
أصول الفقه وجِدَ منذ أن وجد الفقه، فما دام هناك فقه لزِمَ حتمًا وجود أصول وضوابط وقواعد لهذا الفقه، وهذه هي مقومات علم الأصول وحقيقته، ولكن الفقه سبق الأصول في التدوين، وإن قارنه في الوجود، بمعنى: أن الفقه دوّن وهذِّبت مسائله وأرسيت قواعده ونظمت أبوابه قبل تدوين قواعد أصول الفقه وتهذيبها وتمييزها عن غيرها، وهذا لا يعني أنه لم ينشأ إلّا منذ تدوينه، وإن لم يكن موجودًا قبل ذلك، أو إن الفقهاء ما كانوا يجرون في استنباطهم للأحكام على قواعد معينة ومناهج ثابتة، أبدًا، فالواقع أن قواعد هذا العلم -وهو علم أصول الفقه- ومناهجه كانت مستقرة في نفوس المجتهدين، وكانوا يسيرون في ضوئها وإن لم يصرح بها.
فعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- الصحابي الفقيه، عندما كان يقول: إن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع حملها؛ لقوله تعالى: ((وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)) [الطلاق: ٤] ويستدل على أن سورة "الطلاق" التي فيها الآية نزلت بعد سورة "البقرة"، التي فيها قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرً)) [البقرة: ٢٣٤] إنما كان يشير بهذا الاستدلال إلى قاعدة من قواعد أصول الفقه، وهي: إنّ النص اللاحق ينسخ النص السابق وإن لم يصرّح بذلك، كما أن العادة أن الشيء يوجد ثم يدوّن، فالتدوين كاشف عن وجود الشيء لا منشئ له، كما في علم النحو وعلم المنطق ...


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


... وغيره، فما زالت العرب ترفع الفاعل وتنصب المفعول وتجري على هذه القاعدة وغيرها من قواعد النحو قبل تدوين علم النحو، والعقلاء كانوا يناقشون ويستدلون ببديهيات قبل أن يدون علم المنطق وتوضع قواعده.
فأصول الفقه إذًا صاحب الفقه ولازمه منذ نشأته، بل كان موجودًا قبل نشأة الفقه؛ لأنه قوانين للاستنباط، وموازين للآراء، ولكن لم تظهر الحاجة إلى تدوينه في بادئ الأمر، ففي زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما كانت هناك حاجة للكلام عن قواعد هذا العلم، فضلًا عن تدوينه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان هو مرجع الفتيا وبيان الأحكام، فما كان هناك من داعٍ للاجتهاد والفقه، وحيث لا اجتهاد فلا مناهج للاستنباط، ولا حاجة إلى هذه القواعد.
وبعد أن انتقل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى ظهرت وقائع وحوادث كان لا بد من مواجهتها بالاجتهاد واستنباط أحكامها من الكتاب والسنة، إلّا أن فقهاء الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يشعروا بالحاجة إلى الكلام عن قواعد الاجتهاد ومسالك الاستدلال والاستنباط، وذلك لمعرفتهم باللغة العربية وأساليبها، ووجود دلالة ألفاظها وعباراتها على معانيها، ولإحاطتهم بأسرار التشريع والوحي وحكمته، وعلمهم بأسباب نزول القرآن، وكذلك علمهم بأسباب ورود السنة النبوية المشرفة، وكان نهجهم في الاستنباط أنّهم كانوا إذا وردت عليهم الواقعة التمسوا حكمها في كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا الحكم في كتاب الله رجعوا إلى السنة النبوية المشرفة، فإن لم يجدوه في السنة اجتهدوا في ...


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


... ضوء ما عرفوا من مقاصد الشريعة، فإذا استنبطوا حكمًا نُقِلَ عنهم، وأضيف إلى الأحكام المعروفة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.
وهم في ذلك كله لم يحتاجوا إلى قواعد أو قوانين للاستنباط، وقد ساعدهم على ذلك ما كان عندهم من ملَكَة فقهية اكتسبوها من طول صحبتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وكذلك اكتسبوها من ملازمتهم له، وما امتازوا به من حِدَّة الذهن وصفاء النفس وجودة الإدراك وفهم اللغة العربية، وهكذا انقضى عصر الصحابة -رضوان الله عليهم- ولم تدون قواعد هذا العلم، وكذلك فعل التابعون، فقد صاروا على نهج الصحابة -رضوان الله عليهم- في الاستنباط، ولم يحسوا بالحاجة إلى تدون أصول استخراج الأحكام من أدلتها، وذلك لقرب عهدهم من عصر النبوة، ولتفقههم على كبار الصحابة -رضوان الله عليهم- وأخذ العلم عنهم، إلا أنهم بعد انقراض عصر التابعين اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، ووجدت حوادث ووقائع كثيرة، واختلط العجم بالعرب على نحوٍ لم يعد معه اللسان العربي على سلامته الأولى، وكثر الاجتهاد والمجتهدون، وتعددت طرقهم في الاستنباط، واتسع النقاش والجدل، وكثرت الاشتباهات والاحتمالات، فكان من أجل ذلك كله أن أحس الفقهاء بالحاجة إلى وضع قواعد وأصول وضوابط للاجتهاد، يرجع إليها المجتهدون عند الاختلاف، وتكون موازين للفقه وللرأي السواء.

١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


وقد استمدت تلك القواعد من أساليب اللغة ومبادئها، ومما عرف من مقاصد الشريعة وأسرارها ومراعاتها للمصالح، وما كان عليه الصحابة -رضوان الله عليهم- من نهج في الاستدلال، ومن مجموع هذه القواعد والبحوث تكوّن علم أصول الفقه، وقد بدأ هذا العلم بصورته المدونة وليدًا على شكل قواعد متناثرة في ثنايا كلام الفقهاء وبيانهم للأحكام، فقد كان الفقيه يذكر الحكم ودليله ووجه الاستدلال به، كما أن الخلاف بين الفقهاء كان يعضّد ويقوَّى بقواعد أصولية يعتمد عليها كل فقيه لتقوية وجه نظره، وتعزيز مذهبه، وبيان مأخذه في الاجتهاد.
وقد قيل: إن أول من كتب في أصول الفقه هو الإمام القاضي أبو يوسف صاحب الإمام أبو حنيفة رحمه الله، لكنه لم يصل إلينا شيء من كتبه، وقيل: إن جعفر الصادق هو أول من ألّف في أصول الفقه، ولم يصل إلينا شيء أيضًا، والحق عند العلماء أنّ أول من دوّن هذا العلم وكتب فيه بصورة مستقلة هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى سنة ٢٠٤ هجرية، فقد ألّف فيه كتابه الموسوم بـ(الرسالة)، وهذه الرسالة الأصولية مشهورة، تكلم فيها عن القرآن وبيانه للأحكام، وبيان السنة للقرآن والإجماع والقياس، والناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، والاحتجاج بخبر الواحد، ونحو ذلك من الأبحاث الأصولية، وكان نهجه رحمه الله في هذه الرسالة يتسم بالدقة والعمق، وإقامة الدليل على ما يقول، ومناقشة آراء المخالف، ولقد أرسلها مع أبي سريج النقال إلى عبد الرحمن بن مهدي، وأخذ في تنقيحها عدة مرات حتى أصبح هناك رسالتان، وقد وصلت إلينا الرسالة الجديدة وطبِعَت عدة مرات، أحسنها ما قام بتحقيقه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله.

١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


وبعد الإمام الشافعي كتب الإمام أحمد بن حنبل كتابًا في طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكتابًا آخر في الناسخ والمنسوخ، ولم يصل منها شيء تحت أيدينا اليوم، ثم تتابع العلماء في الكتابة، وأخذ ينظِّمون أبحاث هذه العلم ويوسعونه ويزيدون عليه، ولذلك نجد أنّ للعلماء في بحث أصول الفقه مسالك وطرق.

مسالك وطرق العلماء في بحث أصول الفقه

طريقة المتكلمين
لم يسلك العلماء في أبحاث أصول الفقه طريقًا واحدًا، فمنهم من سلك مسلك تقرير القواعد الأصولية، مدعومة بالأدلة والبراهين دون التفات إلى موافقة أو مخالفة هذه القواعد للفروع الفقهية المنقولة عن الأئمة المجتهدين، فهو اتجاه نظري غايته تقرير قواعد هذا العلم، كما يدل عليها الدليل، وجعلها موازين لضبط الاستدلال، وحاكمة على اجتهادات المجتهدين، لا خادمة لفروع المذهب الذي هم عليه، وهذا المسلك عرف بمسلك المتكلمين أو طريقة المتكلمين، وقد اتبعه المعتزلة والشافعية والمالكية والحنابلة.

١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


وتمتاز هذه الطريقة -أي: طريقة المتكلمين- بالجنوح إلى الاستدلال العقلي، وعدم التعصب للمذاهب، والإقلال من ذكر الفروع الفقهية، وإن ذكرت كان ذلك عرضًا على سبيل التمثيل فقط، ومن الكتب المؤلفة على هذه الطريقة كتاب (التقريب والإرشاد) للقاضي أبي بكر الباقلاني، ومنها أيضًا (البرهان) لإمام الحرمين عبد المالك بن عبد الله الجويني، المتوفى سنة ٤١٣ هجرية، وقد طبِع بتحقيق دكتور عبد العظيم الديب طبعتين، أيضًا كتاب (المستصفى) للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي، المتوفى سنة ٥٠٥ هجرية، وقد طبع عدة طبعات، وكذلك كتاب (المعتمد) لأبي الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي، المتوفى سنة ٤٣٦ هجرية، وقد طبِعَ طبعتين أيضًا، وقد لخّص هذه الكتب الثلاثة -(البرهان)، و(المستصفى)، و(المعتمد)- الإمام فخر الدين الرازي الشافعي، المتوفّى سنة ٦٠٦ في كتابه (المحصول)، وقد طبع طبعتين بتحقيق دكتور طه جابر علواني، إحداهما بجامعة الإمام محمد بن سعود، والأخرى بمطبعة الوفاء، وطبع أيضًا في دار الكتب العلمية بدون تحقيق.
ولخّص (المحصول) الإمام تاج الدين الأرموي في كتابه (الحاصل)، وقد حقق وطبع في الجماهيرية الليبية، وكذلك لخصه الإمام سراج الدين الأرموي في كتابه (التحصيل)، وقد طبع بمؤسسة الرسالة محققًا، بتحقيق الدكتور عبد الحميد علي أبو زيد، ولخص (التحصيل، والحاصل) الإمام البيضاوي في كتابه الماتع (مناهج الوصول في علم الأصول) وقد طبِع مشكلًا بتحقيق الشيخ محي الدين عبد الحميد.

١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


كذلك لخص أيضًا هذه الكتب الثلاثة (البرهان)، و(المستصفى)، و(المعتمد) الإمام سيف الدين علي بن علي الآمدي الشافعي، المتوفى سنة ٦٣١، في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام)، وقد طبع عدة طبعات، ثم جاء الإمام ابن الحاجب رحمه الله واختصر (الإحكام) في كتابه (المنتهى) -(منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل)- ورأى أنّ هذا (المنتهى) غير وافٍ بغرض الاختصار، فاختصر (المنتهى) في نحو ثلثه في كتاب سماه (مختصر المنتهى)، وهما مطبوعان طبعة منفردة، وطبعة مع شروحه؛ كشرح العضد، وحاشية التفتازاني، وحاشية السيوف الجرجاني، بالمكتبة الكليات الأزهرية، وقد طبع أيضًا مع شرح الروياني وغيرهم.

طريقة الحنفية
من العلماء من سلك مسلكًا آخر يقوم على تقرير القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل عن الأئمة من فروع فقهية، بمعنى: أنّ هؤلاء العلماء وضعوا القواعد، ورأوا أن أئمتهم لاحظوا هذه القواعد في اجتهادهم واستنباطهم للأحكام على ضوء ما ورد عنهم من فروع فقهية، وقد اشتهر علماء الحنفية باتّباع هذا المسلك حتى عرفت هذه الطريقة بطريقة الحنفية، وتمتاز هذه الطريقة بالطابع العملي، فهو دراسة عملية تطبيقية للفروع الفقهية التي نقِلَت عن أئمة مذهب الحنفية، وكذلك يعتبر استخراج القوانين والقواعد والضوابط الأصولية التي لاحظوها عند ...


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


... أئمتهم، واعتبرها أولئك الأئمة في استنباطهم، ومن ثَمّ فإن هذه الطريقة تقرّر القواعد الخادمة لفروع المذهب، وتدافع عن مسلك أئمة هذا المذهب في الاجتهاد، كما أن هذه الطريقة -وهو نهجها- أليق بالفروع وأمس بالفقه كما يقول ابن خلدون -رحمه الله في كتابه (المقدِّمة).
أما الكتب المؤلفة على هذه الطريق فمن أهمها: (الأصول) لأبي بكر أحمد بن علي المعروف بالجصاص، المتوفى سنة ٣٧٠ هجرية، وقد طبِعَ، وكذلك كتاب (الأصول) لأبي زيد عبد الله بن عمر الدبوسي، المتوفى ٤٣٠ هجرية، المسمَّى بـ(تقويم الأدلة)، وقد حقِّقَ كرسالة علمية، وطبع أيضًا طبعتين، وكذلك كتاب (الأصول) أو المسمى بـ(كنز الأصول) لفخر الإسلام علي بن محمد البزدوي، المتوفى ٤٨٢ هجرية، وشرحه المسمّى بـ(كشف الأسرار) لعبد العزيز بن أحمد البخاري، المتوفى سنة ٧٣٠ هجرية، وهما مطبوعان بتركيا وباكستان، وكذلك شرحه الإمام ابن الصباغ في كتابه (الشامل).
أيضًا من الكتب المؤلفة على طريقة الحنفية كتاب (المنار)، وشرحه (كشف الأسرار) كلاهما للإمام النسفي -رحمه الله- وهما مطبوعان، وهذا (المنار) شرح عدة شروح قد تصل إلى أزيد من ثلاثين شرحًا.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


طريقة المتكلمين وطريقة الفقهاء
هناك طريقة ثالثة وهي طريقة الجمع بين الطريقتين -بين طريقة المتكلمين وطريقة الفقهاء- فقد وجدت طريقة ثالثة في البحث تقوم على الجمع بين الطريقتين والظفر بمزايا المسلكين، فهذه الطريقة تعني بطرق وتقرير القواعد الأصولية المجردة التي يسندها الدليل لتكون موازين للاستنباط، وحاكمة على كل رأي واجتهاد، لكن مع التفات إلى المنقول عن الأئمة من الفروع الفقهية، وبيان الأصول التي قامت عليها تلك الفروع، وتطبيق القواعد عليها، وربطها بها، وجعل الفروع خادمة للقواعد، وقد اتبع هذه الطريقة علماء من مختلف المذاهب كالشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية.
ومن الكتب المؤلفة على هذه الطريقة كتاب (بديع النظام) الجامع بين كتابي (البزدوي) و(الإحكام)، وكتاب (بديع النظام) هذا، للإمام مظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي الحنفي، المتوفى سنة ٦٤٩ هجرية، وقد حققه الدكتور محمد يحيى أقيا، وطبع في مكة المكرمة بجامعة أم القرى، وكذلك كتاب (التنقيح) وشرحه لصدر الشريعة عبد الله بن مسعود الحنفي، المتوفى سنة ٧٤٧ هجرية، وقد طبع، وشرح (التوضيح) الإمام سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، المتوفى سنة ٧٩٢، وطبع مع (التنقيح) و(التوضيح)، وكذلك كتاب (جمع الجوامع) للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي، المتوفى سنة ٧٧١، وقد شرح هذا الكتاب عدة شروح، أحسنها ...


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


... شرح الإمام الزركشي -محمد بن بهادر الزركشي- المتوفى ٧٩٤ هجرية، والمسمّى بـ(تشنيف المسامع بجمع الجوامع) وقد طبع بدار قرطبة بالقاهرة.
وكذلك كتاب (التحرير) للإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي، المتوفى ٨٦١ هجرية، وشرحه (التقرير والتحبير) لتلميذ المؤلف محمد بن محمد أمير الحاج الحنفي، المتوفى ٨٧٩ هجرية، وهما مطبوعان، وكذلك من كتب هذه الطريقة -وهي طريقة الجمع بين الطريقتين- كتاب (مسلّم الثبوت) لمحب الله بن عبد الشكور، المتوفى ١١١٩ هجرية، وشرحه (فواتح الرحموت) للعلامة عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري، وهما مطبوعان مع كتاب (المستصفى) في طبعة بولاق سنة ١٣٢٤ هجرية، وغيرها من الكتب.

فضل أصول الفقه، ونسبته إلى العلوم الأخرى، وحكمه، ومسائله، وحدُّه
ننتقل بعد ذلك إلى المبدأ السادس والسابع وهو: فضل أصول الفقه ونسبته إلى العلوم الأخرى إن أصول الفقه هو الأساس الذي يستطيع به الفقيه أن يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ففضله كفضل الفقه وأكثر، وهو من العلوم النقلية الشرعية؛ حيث يستعمل العقل في الفهم، والنقل في معرفة اللغة التي هي إحدى إمدادات علم أصول الفقه.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


المبدأ الثامن: حكمه

وعلى ذلك فأصول الفقه من فروض الكفايات حيث إن القيام به كالقيام بسائر علوم الشرع، فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإن تركه الجميع أثموا، جاء في كتاب (صفة المفتي والمستفتي) لابن حمدان قوله: والمذهب أنه فرض كفاية كالفقه، واختاره أيضًا تقي الدين بن تيمية في كتابه المسمَّى بـ(المسودة)، وجاء في شرح (الكوكب المنير) لابن النجار: ومعرفة أصول الفقه فرض كفاية كالفقه.

المبدأ التاسع: مسائله

ومسائل كل علم هي الجمل المفيدة التي يكون المسنَد إليه فيها هو موضوع ذلك العلم، والمسند هو المحمول، ويتميز علم أصول الفقه أنّ مسائله محدودة، بخلاف علم الفقه، الذي وصلت مسائله المدونة -كما نصَّ عليه بعض العلماء- إلى مليون ومائة وسبعون ألف ونيف.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


المبدأ العاشر والأخير: حد أصول الفقه

نتخير هنا في تعريف أصول الفقه قول الإمام البيضاوي في منهاجه، بلفظه: تلك التعريفات المهمة التي ينبغي أن ندرسها، وأن نقف عندها؛ لتكون عند الدارس الحصيلة التي يستطيع بها فهم أصول الفقه فهمًا دقيقًا واعيًا، بل يصل إلى إدراك مناهج الأصوليين، فيستطيع مناقشتهم، لكن يكون بذلك على علم في هذه المناقشة، فقد عرّف الإمام البيضاوي أصول الفقه بقوله: "معرفة دلائل الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد" هذا هو تعريف أصول الفقه في الاصطلاح، ولا بد من مقدمات مهمة نقدمها قبل شرح هذا التعريف شرحًا وافيًا، ثم نفهمه فهمًا دقيقًا.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


شرح "أصول الفقه"
أصول
أولًا: أمامنا مركب إضافي من كلمتين: كلمة "أصول" وكلمة "فقه"، وأهل اللغة العربية يقولون: إن هذا مضاف ومضاف إليه، وإن هذا المركب يتكوّن من ثلاثة أجزاء وليس من جزأين، فالجزء الأول هو المضاف الأصول، والجزء الثاني هو المضاف إليه وهو الفقه، والجزء الثالث هو الإضافة، وهذا الجزء غير ظاهر، بل إنه مفهوم في الذهن فقط، وحتى نفهم المركب الإضافي لا بُدّ علينا أن نفهم أجزاءه، والألفاظ في اللغة العربية قد وضعت بإزاء معانيها، ولكن يمكن أن تستعمل عند أهل كل فن معين بمعنى آخر غير الذي تعنيه اللغة، وإذا أردنا أن نتعرّف على الأول قلنا لفظ كذا معناه كذا، وإذا أردنا أن نتعرف على الثاني قلنا لفظ كذا اصطلاحًا معناه كذا.
فكلمة "أصول" جمع أصل، والأصل لغةً: ما يُبنى عليه غيره، حسًّا أو معنًى، أو هو المحتاج إليه، أو هو ما منه الشيء، أو هو ما يسند إليه تحقق الشيء، أو هو منشأ الشيء، وعلى كل حال فالأصل في اللغة بمعنى الأساس، فالأساس يمكن أن نأخذ منه كل هذه المعاني التي سبق أن ذكرناها، أما الأصل في الاصطلاح فيطلق بإطلاقات أربع:
بذلك نكون قد عرّفنا "الأصل" في اللغة والاصطلاح، بقي عندنا كلمة "الفقه".

١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


الأصل بمعنى الدليل؛ كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة والإجماع مثلًا.

هذه هي الإطلاقات الأربع لكلمة الأصل في الاصطلاح، بمعنى الدليل، وبمعنى الراجح، وبمعنى القاعدة المستمرة، وبمعنى المقيس عليه.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


الفقه
الفقه في اللغة هو: الفهم.
لكن هل هو الفهم مطلقًا، أو أنه فهم غرض المتكلم من كلامه، أو أنه فهم الأشياء الدقيقة؟.
أقوال للعلماء ذكروها، وسيأتي الكلام عنها قريبًا.
أمّا اصطلاحًا: فالفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وبذلك يكون أصول الفقه في اللغة: أسس الفهم، وفي الاصطلاح: هو أدلة الفقه، ولكن المركبات الإضافية قد تصير علمًا على ذات معينة أو معنًى أو علم معين، مثل: عبد الله، التي تطلق باعتبارها مركب إضافي على كل عبد لله -عز وجل- وتطلق باعتبارها علمًا على شخص أسماه أبوه باسم عبد الله، وكذلك أنف الناقة، فهي تدل باعتبارها مركب إضافي على أنف أنثى الجمل، في حين أنها أطلقت على شاعر مشهور في الجاهلية.
ونلاحظ أن هناك ثمة علاقة بين عبد الله كمركب إضافي وبين عبد الله الذي هو علم؛ حيث إن كل من تسمى بهذا الاسم هو عبد لله، أيضًا يصدق عليه ذلك المركب الإضافي، ولكن ليس هناك علاقة بين الأنف الذي لأنثى الجمل -الناقة- وبين هذا الشاعر المسمّى بهذا الاسم.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


وعلى ذلك، فهل هناك علاقة بين أصول الفقه بمعناه الإضافي المركب من كلمة "أصول" و"فقه"، ومعناه العلمي بعد أن صار علمًا على أصول الفقه، فتعريف الإمام البيضاوي تعرّض للمعنى العلمي، فبعد شرحه نجيب على هذا السؤال، فنشرح تعريف الإمام البيضاوي لأصول الفقه قبل أن نشرح تعريف الفقه.
كما قلنا أنّ تعريف الإمام البيضاوي لأصول الفقه هو معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، فمعنى كلمة "أصول الفقه" هنا: مركب من معارف ثلاثة، أو من ركائز ثلاثة:
المعرفة الأولى أو الركيزة الأولى: هو معرفة دلائل الفقه إجمالًا.
المعرفة الثانية أو الركيزة الثانية: هي كيفية الاستفادة منها.
المعرفة الثالثة أو الركيزة الثالثة: هي معرفة حال المستفيد.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


فما معنى كلمة "المعرفة"؟
المعرفة الكثير فيها والغالب أنّها تتعلق بالمفرد، فتتعدّى إلى مفعول واحد، وفي هذه الحالة يكون معناها هو التصور، فيقال: عرَفت محمدًا، أي: تصورته، والكثير في العلم أن يتعلق بالنسبة، فيتعدى إلى مفعولين، ويكون معناه التصديق، فيقال: علمت أن الله واحد، أي: صدّقت بوحدانيته، هذا هو الكثير والغالب في كل من العلم والمعرفة، لكن قد تتعلق المعرفة بالنسبة فتتعدى إلى مفعولين، ويكون معناها التصديق، ويتعلق العلم بالمفرد ويكون معناه التصور، فيقال: عرفت أن الله واحد، أي: صدقت بذلك، وعلمت محمدًا، أي: تصورته.
وإذا أسندت المعرفة أو العلم إلى الحادث تطلّب ذلك سبق الجهل، وإذا أسند كلّ منهما إلى الله -عز وجل- لم يتطلب سبق الجهل، فإذا قيل: خالد عرفت الفقه أو علمه، كان معناه: أن معرفته للفقه أو علمه به مسبوق بجهله له، فإن الأصل بالنسبة للحوادث الجهل، وصدق الله العظيم إذ يقول: ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)) [النحل: ٧٨].
وإذا قيل: الله عالم بكذا أو عارف به، كان معنى ذلك حصول العلم أو المعرفة لله -عز وجل- من غير أن يتقدم ذلك جهل بما عرفه أو بما علمه؛ لأن علمه تعالى بجميع الأشياء أزلي، وإنما أطلق على الله -عز وجل- عالم ولم يطلق عليه عارف، مع أن كلًّا منهما لا يستدعي سبق الجهل بالنسبة لله تعالى؛ لأنه لم يرد توقيف من الله تعالى أو من ...


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


... رسوله -صلى الله عليه وسلم- بإطلاق المعرفة على الله -عز وجل- ولا يطلق شيء على الله إلّا إذا ورد به الشرع؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية.
والمراد من المعرفة هنا: العلم والتصديق دون التصور؛ لأن المعرفة تعلّقت بالنسبة ولم تتعلق بالمفرد، وسيأتي بيان ذلك، والمعرفة جنس في التعريف، والمراد بجنسيتها في التعريف، أي: شمولها لمعرفة الأدلة ومعرفة الأحكام ومعرفة غيرهما.
أما كلمة "دلائل" في قوله: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، فدلائل جمع دليل، والدليل في اللغة المرشد للمطلوب، والمرشد له معنيان: الناصب لما يرشد به، والذاكر له، ويطلق الدليل على ما به الإرشاد، والدليل عند علماء الأصول -أي: في اصطلاحهم- هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، وهذا يتناول الأمارة، أي: الدليل الظني.
والتوصل هو الوصول بكلفة، وقيل: ما يمكن الوصول دون ما يتوصل، وقيل في تعريف الدليل: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالغير، وقيل: هو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول، والتعريف الأول هو التعريف الراجح، وهو المراد للإمام البيضاوي -رحمه الله.
وكلمة "دلائل" جمع مضاف إليه الفقه فيفيد العموم؛ لأن الجمع إذا أضيف أفاد العموم، وبذلك يكون معناه: جميع أدلة الفقه، فيشمل الأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف فيها، وأيضًا كلمة "دلائل" مضافة إلى معرفة، وفائدة هذه الإضافة أنها قيد في ...


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


... التعريف يُحترز به عن أدلة غير الفقه، فمعرفة أدلة التوحيد مثلًا لا يسمَّى ذلك أصول فقه، وما دام المراد من أدلة الفقه جميع أدلة الفقه المتفق عليها والمختلف فيها، كان معرفة بعض أدلة الفقه كمعرفة الأدلة المتفق عليها فقط، ليس علمًا بأصول الفقه، بل يكون ذلك علمًا ببعض أصول الفقه، ولفظ الفقه تقدّم معناه في اللغة، وسيأتي معناه في الاصطلاح قريبًا.
والمقصود من معرفة دلائل الفقه: معرفة الأحوال المتعلقة بهذه الأدلة، مثل أن يعرف أنّ الأمر يفيد الوجوب عند عدم القرينة الصارفة عن الوجوب إلى غيره؛ كالندب والإباحة مثلًا، وأن النهي يفيد التحريم، عند عدم القرينة الصارفة عن التحريم إلى غيره؛ كالكراهة مثلًا، وأن يعرف أن الإجماع يفيد الحكم قطعًا أو ظنًّا، وليس المراد من معرفة دلائل الفقه تصوره؛ كأن يعرّف الكتاب بأنه القرآن المنزل على سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتعبّد بتلاوته، المعجز للبشر، وأن السنة هي أقواله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريراته، وأن الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- في عصر من العصور، على أمر من الأمور؛ لأن تصورات هذه الأدلة ليس من مقاصد علم أصول الفقه، وإنما هي من المبادئ التصورية.
وليس المراد من معرفة الأدلة حفظها كذلك؛ لأن حفظ الأدلة ليس من الأصول في شيء، ولا يتوقف عليه الأصول.

١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


كلمة "إجمالًا" فيه إعرابات كثيرة، أصحها أن يكون حالًا، واغتفر فيه التذكير لكونه مصدرًا، ولا يصح أن يجعل حالًا من المعرفة لفساد المعنى، فإنه ليس المراد من الأصول هو المعرفة الإجمالية للأدلة، بل المراد المعرفة التفصيلية للأدلة الإجمالية.
ويمكن أيضًا أن يعرب تمييزًا من معرفة أو من دلائل، ويمكن أن يكون نعتًا لمصدر محذوف تقديره: عرفًا إجماليًّا، والمراد من الأدلة الإجمالية كما قلنا: الأدلة الكلية، وسميت الأدلة الكلية بالإجمالية؛ لأنها تعرف على وجه الإجمال دون التفصيل، والحاصل أن الأدلة نوعان، أدلة كلية وأدلة جزئية، فمطلق أمر ومطلق نهي ومطلق إجماع ومطلق قياس ومطلق خبر الواحد، كل ذلك يعد أدلة كلية؛ لأنها لا تدل على حكم معين، أما مثل: ((أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)) [الحج: ٧٨]، ((وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى)) [الإسراء: ٣٢] والإجماع على أن بنت الابن تأخذ السدس مع البنت عند عدم العاصب تكملة للسدسين، فهذه تعتبر من الأدلة التفصيلية.
والأصولي إنما يبحث في أحوال الأدلة الكلية، ولا يبحث فيه عن الأدلة الجزئية؛ لأن الأدلة الجزئية غير محصورة، ولأنها داخلة تحت الأدلة الكلية، فالبحث عن أحوال الأدلة الكلية بحث عن الأدلة الجزئية بطريق التبع.
أما كيفية الاستفادة منها فمعطوف على دلائل الفقه، بمعنى أنه يعرف كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة واستفادتها، أي: استفادة الأحكام من الأدلة إنما يكون بمعرفة شرائط الاستدلال، مثل: تقديم النص على الظاهر، تقديم المتواتر على الآحاد، وغير ذلك.
وبذلك نفهم تعريف أصول الفقه عند الإمام البيضاوي، فهذا التعريف يشتمل على أجزاء ثلاثة، ومن أجل ذلك قيل: أصول بالجمع ولم يقل أصل بالإفراد، نرى هناك علاقة بين المعنى العلمي وبين المعنى الإضافي، سواء أكان لغويًّا أم اصطلاحيًّا، فاللغوي الذي هو أسس الفهم إنما هو بمنزلة الأداة للأصل الثاني، وهو كيفية الاستفادة من الأدلة، أما المعنى الاصطلاحي: وهو أدلة الفقه، فهو موضوع الأصل الذي هو معرفة تلك الأدلة على جهة الإجمال. إن هذا التعريف لذلك العلم يجعله هو المنهاج القويم لتعامل المسلمين مع مصادر شرعهم، وإيقاع أحكام الله تعالى على أفعال البشر في مجالات شتى في كل العصور، وفي كل مكان، مما يصدق معه قول القائل: إن علم أصول الفقه هو فلسفة المسلمين الحقيقية، التي تكون عند المسلم رؤية ربانية صادقة للإنسان والكون والحياة.

١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة


أمّا كلمة حال المستفيد: هو معطوف على دلائل أيضًا، أي: معرفة حال المستفيد، والمستفيد هنا هو المجتهد؛ لأنه هو الذي يستفيد الأحكام من أدلتها دون المقلد، يؤيد هذا ويقويه ما ورد في بعض نسخ (المنهاج) من التعبير بالمستدل بدل المستفيد، وهذا التعبير صريح في إرادة المجتهد وحده.


١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة



١.١ مبادئ أصول الفقه العشرة