٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس" عند ابن قدامة

ننتقل بعد ذلك إلى تعريف القياس اصطلاحًا عند الإمام ابن قدامة -رحمه الله- حيث ذكر عددًا من التعريفات، نذكرها ونبيّن ما لها وما عليها.
يقول ابن قدامة: "القياس": حمل فرع على أصل في حكم، بجامع بينهما". فهذا هو التعريف الأول للقياس، وهذا التعريف قريب من تعريف الإمام أبي يعلى في "العدّة"، وتعريف الخطابي في "التمهيد".

٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


شرح التعريف

وقوله: "حمْل" يدل على: أن المعرِّف يقول: بأن القياس من فعل المجتهد، وليس دليلًا مستقلًّا كما سبق ذكره. - وقوله: "فرع". المراد منه: محلّ لم ينص الشارع على حكمه، ولا هو مجمَع عليه. والفرع أحد أركان القياس، ويسمّى مقيسًا ومشبهًا.
واحترز بهذا عن أمرين: أوّلهما: حمْل شيء غير فرع لشيء آخَر عليه. وثانيهما: تعدية الحكم من الأصل إلى أصل آخر. مثاله: قياس البر على الشعير في الربا، وهما معًا قد وردا في حديث الأشياء الستة.
قوله: "على أصل" المراد به: محل قد نص الشارع على حكمه، وهو أحد أركان القياس، ويُسمّى: مقيسًا عليه، ومشبهًا به. واحترز بهذا القيْد عن حمل فرع على فرع آخر، مثل: حمل الذرة على الأرز في تحريم الربا، وكلاهما فرع لأصل وهو: البر. وهذا لا يصح على رأي جمهور العلماء؛ لأنه لا يخلو: إمّا أن تتحد العلّة في القياسين فيكون القياس المتوسط لغوًا وتطويلًا بلا فائدة. وإما أن لا تتحد العلّة، وحينئذ يجب أن يبطل أحد القياسين لابتناء الحكم على غير العلّة المعتبرة شرعًا. وسيأتي لذلك زيادة بيان عند الكلام على شروط الأصل.


٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


شرح التعريف

قوله: "في حكم" المراد به: حكم الأصل، وهو أحد أركان القياس.
قوله: "بجامع بينهما" المراد به: علّة حكم الأصل وهي: الأمر الجامع المشترك بين الأصل والفرع المقتضي للحكم، وهو أحد أركان القياس. وأتى بهذا القيد ليدلّل على: أن القياس لا يمكن أن يتمّ إلا بجامع بين الأصل والفرع. واحترز به من ثبوت الحكم للفرع بسبب نص أو إجماع لا بسبب العلة الجامعة؛ فإن ذلك لا يُعدّ قياسًا، ويسمّى ذلك: الجامع، والمقتضي، والعلة، ووجه الشّبه، والمناط. وسيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء الله. مثاله: قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار. فعندنا أربعة أركان: الأصل: وهو الخمر،. والفرع: وهو النبيذ. والعلة وهي: الإسكار. والحكم -أي: حكم الأصل- وهو: التحريم.


٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


ما اعترض به على هذا التعريف

نذكر أهم الاعتراضات التي يمكن أن توجّه إلى هذا التعريف منها:

فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
أن التعريف هذا يشتمل على الدّوْر. وبيان ذلك: أن كون هذا أصلًا وذلك فرعًا لا يتصوّران إلا بعد تصوّر القياس. فذكرهما بصراحة في التعريف يلزمه الدّوْر؛ لأنهما يتوقفان على القياس، والقياس يتوقف عليهما؛ عندئذ يلزم الدّوْر، والدّوْر ممتنع.

٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس" عند ابن الحاجب

يقول ابن الحاجب -رحمه الله-:

"القياس": مساواة فرع لأصل في علّة الحكم".

وتحقيق ذلك بالمثال أن نقول مثلًا:

التين كالشعير في كونه مقتاتًا؛ فيكون ربويًّا مثله. فالتين: فرع. والشعير: أصل. وقد تساويا في العلّة التي هي: الاقتيات؛ فلذا صح أن يأخذ الفرع حكم الأصل الذي هو: الربوية.

٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس" عند ابن الحاجب

شرح ألفاظ التعريف:

قوله: "القياس: مساواة": يعتبر كالجنس يشمل المعرّف وغيره، وباقي القيود كالفصل. والمساواة صفة قائمة بالمنتسبين اللذين هما: الأصل والفرع.
وقوله: "فرع" المراد به: المحلّ الذي لم ينص أو يجمع على حكمه؛ وذلك مثل: التّين في مثالنا السابق. وبإضافة المساواة إليه، يخرج كلّ ما ساوى غيره وليس فرعًا، بأن يكون قد نُص أو أُجمع عليه أيضًا كالبر مثلًا، وهو أيضًا أحد أركان القياس الأربعة.
وقوله: "لأصل" معناه: المحل الذي نُص أو أُجمع على حكمه؛ وذلك مثل: الشعير في المثال المذكور؛ فقد ثبت في الحديث الشريف: أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مِثلًا بمثل.


٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس" عند ابن الحاجب

شرح ألفاظ التعريف:

والأصل: ثاني أركان القياس، كما أنه قيْد ثان في التعريف، يخرج به: مساواة الفرع للفرع؛ وذلك مثل: قياس الدّخن على التين المقيس على الشعير؛ فإن فيه خلافًا كما سيأتي. والذي يقول: إنه قياس، يُسمّي الفرع الثاني أصلًا، فيصدق عليه التعريف على رأيه، ولا يصدق عليه بناء على الرأي المخالف له. قد يقول قائل: لماذا عبر بالأصل والفرع الموهميْن لوجوب أن يكون المقيس والمقيس عليه وجودييْن، حيث إن الأصل: ما تولّد منه الشيء، والفرع: ما تولد عن الشيء، ولم يعبّر بمعلوم مثلًا كما فعل الإمام البيضاوي، ليشمل ما إذا قيس معدوم على معدوم؟ كأن نقول مثلًا: عدم المشروط فرع لعدم الشرط، وعدم الشرط أصل لعدم المشروط.
نقول: قد أجاب الإمام الزركشي عن هذا التساؤل بقوله: "بالتعبير بالأصل والفرع فائدة وهي: خروج ما لو كان أحدهما ليس أصلًا للآخر؛ فلا يكون قياسًا، كالبر والشعير المتساويين في علّة الربا. فإن أحدهما ليس أصلًا للآخَر؛ فإن حرمة الربا ثابتة فيهما، أي: في البُر والشعير بالنص. وأما الإيهام المذكور فمندفع بأنهما قد يُطلقان على المعدومين لغة واصطلاحًا، كما يقال: عدم الملزوم فرع لعدم اللازم، وعدم اللازم أصل لعدم الملزوم. وكالمثال الذي ذكرناه قبل قليل، غاية الأمر أنّ استعمال الأصل والفرع في الموجودات أكثر.


٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس" عند ابن الحاجب

شرح ألفاظ التعريف:

وقوله: "في علة حكمه": العلّة هي: الجامع بين الأصل والفرع. والعلّة هي: الركن الثالث للقياس. وسيأتي تخصيصها بمزيد من البحث عند ذكر أركان القياس. والضمير في "حكمه" يعود إلى الأصل. فكأنه قال: القياس هو: مساواة فرع لأصل في علّة حكم الأصل، ويكون حكم الأصل هو الركن الرابع للقياس. والمقصود: أنّ الفرع يساوي الأصل في وجود العلة وتحققها، وليس من شرطه مساواته في قَدْرها؛ فإنها قد تكون في الفرع أقوى، وقد تكون أضعف، وقد تكون مساوية. ومن هنا يأتي تقسيم القياس إلى مساو، وأولى، وأدْنى.


٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس" عند ابن الحاجب

قد اعترض على هذا التعريف بعدد من الاعتراضات أهمها ما يلي: فضلا انقر على الأزرار للتفصيل
قالوا: إنه مشتمل على الدّوْر، حيث ذكر فيه لفظ الأصل والفرع، ومعلوم أن كون هذا أصلًا وذلك فرعًا إنما يعقلان بعد معرفة القياس. يضاف إلى ذلك: أنّ علماء الأصول تعارفوا على تفسير لفظَي الأصل والفرع بالمقيس عليه والمقيس، وهما مشتقان من: القياس. ومعرفة المشتق فرع معرفة اشتق منه. فمعرفتهما حينئذ متوقّفة على معرفة القياس من وجهين، أعني: من جهة ذكرهما في التعريف، مع أنهما لا يَعْقلان أو لا يُعْقلان إلا بعد معرفة القياس، ومن جهة تعارف العلماء على تفسيرهما بالمقيس والمقيس عليه.
كما أن القياس تتوقف معرفته على معرفة الأصل والفرع، لكونهما من أجزاء التعريف، ولا يحصل العلم بالعرف إلا بعد حصول العلم بأجزاء تعريفه. ومن هنا حصل الدّوْر وهو باطل وممنوع، لما يلزم عليه من كون الشيء الواحد متقدمًا على نفسه.

٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس" عند ابن الحاجب

وهذا الاعتراض من الممكن أن يجاب عنه بجوابين: فضلا، انقر على الزرين للتفصيل
أنّ المراد من الفرع: محل لم ينص أو يجمع على حكمه، والمطلوب: إثبات الحكم له. والمراد من الأصل: محلّ نص أو أجمع على حكمه. وبتعبير آخر: فإن المراد بهما: ذات الأصل وذات الفرع، لا الوصف العنواني المتوقف معرفته على القياس وصفًا للأصلية والفرعية؛ فلا دَوَر حينئذ.

٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس" عند ابن الحاجب

يجاب عن ذلك بأن نقول:
إن التعريف المذكور إنما هو تعريف لقياس العلّة فقط، المقابل لما ذكر من بقية أنواع القياس. وذلك لأن لفظ القياس إنما ذكر من غير قيد، فإنه لا ينصرف على وجه الحقيقة إلا إلى: قياس العلة، ولا يطلق على غيره إلا مجازًا. وذلك حيث يذكر مقيّدًا فيقال: هذا قياس شبه، وهذا قياس عكس، وهذا قياس دلالة. وبناء على ذلك، فالاعتراض لاغٍ. ولو سلّمنا بدخول هذه الأنواع في القياس المعرّف، فلا نسلّم بعدم شمول التعريف لها. وبيان ذلك في قياس الدلالة: أنّ التعريف يشمله؛ إذ فيه مساواة بين الأصل والفرع في العلّة وإن لم يصرّح بها؛ لأن المساواة المذكورة في التعريف يراد بها ما هو أعمّ من المصرّح بها والضمنية؛ فعلى ذلك نجده يتّسع ليشمل قياس الدلالة.
كما يجاب بهذا الجواب نفسه عن القياس في معنى الأصل الذي جُمع فيه بين الطرفين بنفس الفارق؛ فإن عدم الفارق بينهما يستلزم اشتراطهما في علّة الحكم، وإن لم نعلمها. أما قياس الشّبه، فنمنع أيضًا خروجه عن التعريف؛ لأن خروجه عنه مبنيّ على اعتبار أن المساواة في العلة يراد بها المساواة التي هي بمعنى الوصف المؤثر أو المناسب، لا مطلق المعرّف، وهذا غير مسلّم، بل المراد بها مطلق المعرّف للحكم أعم من أن تكون فيه مناسبة ظاهرة وواضحة أو لا؛ فيشمل الوصف الشبهي.


٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


أما قياس العكس، فهو مشتمل على أمرين: الأول: قياس منطقي تلازمي، والثاني: قياس أصولي جيء به لبيان الملازمة الحاصلة في القياس المنطقي. والمساواة حاصلة فيه على التقدير؛ وعلى ذلك فيكون داخلًا في التعريف.
وهذا أحسن الأجوبة التي ذكرها العلماء لدفع ما ورد على قياس العكس؛ لأنه ينطبق على كل مثال من أمثلته. فالقياس المنطقي التلازمي في استدلال الشافعية المذكور مثلًا هو: قولهم: لو صح عقدها لما صح الاعتراض عليها، واللازم مُنتف. أما الاستثنائية فمتفق عليها، وأما الملازمة فبيانها بكون قياس أصولي فيه مساواة تقديرية بين الأصل والفرع في العلة.
وقد يجاب عن هذا الاعتراض الموجّه إلى المخطئة: بأن المساواة تُحمل على ما هو أعم من المساواة في الواقع ونفس الأمر أو في نظر المجتهد، ليشمل القياس الصحيح والفاسد. وأمّا على رأي المصوّبة فلا بد من زيادة قيْد في نظر المجتهد مثلًا، غير أنّ حمل المساواة على ما هو أعم لا يتم على رأي المخطّئة إلا بناء على اعتبار أنّ القياس من أعمال المجتهد؛ لأن الذي يقال فيه إنه صحيح موافق للواقع وفاسد غير موافق له إنما هو القياس الذي اعتُبر من أعمال المجتهد.
وفي هذا الحمل خروج بالقياس عمّا يراه صاحب هذا التعريف من أنه دليل نصَبه الشارع سواء نظر فيه المجتهد أم لا، وليس عملًا من أعماله، ويلزم على ذلك الوقوع في محظور يصعب دفعه. وزيادة على ذلك، فإنّ حمل المساواة على ما هو أعمّ خلاف المتبادر منه عند الإطلاق، ولم يتم ذلك إلا بقرينة، ولا قرينة هنا.


٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


وأخيرًا: فالذي يظهر: أن التعريف غير سليم على رأي المخطّئة، لخروج ما ذكر عنه، والتمحل المذكور لتصحيحه ليس له ما يبرره. ولكي يصح على رأيهم، فلا بد كما قال الفهري في "الضياء اللامع" من زيادة قيْد في نظر المجتهد، مع ملاحظة أنّ المجتهد إذا أدرك أنّ هناك مساواة بين الفرع والأصل خطأ فهو يستدل بما في الواقع على ما ظنه لا بعمله، وعلى ذلك يندفع ما تقدم. أمّا على رأي المصوّبة، فإنه يكون صحيحًا من غير زيادة القيد المذكور، حملًا للمساواة على المتبادر منها عندهم وهي: المساواة في نظر المجتهد؛ لأنه لا مساواة عندهم غيرها. وهذا التوجيه يخالف ما سبق من لزوم زيادة القيْد على رأي المصوّبة. وعلى ذلك، فإن قول ابن الحاجب والزركشي: "ويلزم المصوّبة زيادة في نظر المجتهد" غير مسلّم.
وأخيرًا فإن في هذا القدر مما يتعلق بشرح هذا التعريف كفاية، وبه نكتفي أيضًا من ذكر غيره من التعريفات التي تدل على أن القياس دليل شرعي في حد ذاته.

يلاحظ هنا: أنّ صاحب التعريف من الذين يقولون: إن القياس عمل من أعمال المجتهد. أما التعريف الأول: فإن ابن الحاجب -رحمه الله- من الذين يقولون: بأن القياس دليل مستقل.

٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس عند ابن السّبكي

يقول ابن السبكي:

"القياس" هو: حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه عند الحامل".

٣.٢ تعريف "القياس" عند كلٍّ من الأئمة: ابن قدامة، وابن الحاجب، وابن السبكي


تعريف "القياس عند ابن السّبكي

قبل أن نتعرض لشرح هذا التعريف، نودّ أن نذكر أصله وآراء العلماء فيه، وكيف هُذّب حتى أصبح سالمًا مما ورد على أصله من اعتراضات. وقد ذكر الإمام الرازي والآمدي والزركشي وإمام الحرمين والغزالي: أن هذا التعريف أصله للقاضي الباقلاني، ولفظه على ما ذكر في كتبهم: "هو: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفْيه عنهما، بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة، أو نفْيهما عنه".