٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


تعريف القياس عند الإمام الرازي من خلال كتابه "المحصول"

فالإمام الرازي في كتابه "المحصول" عقد فصلًا عن القياس، فقال: "الكلام في القياس: وهو مرتّبٌ على مقدّمة وأربعة أقسام. أما المقدّمة: ففيها مسائل: المسألة الأولى: في حدّ "القياس".
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل

ما ذكره القاضي أبو بكر واختاره جمهور المحققين منّا: أنه حمْل معلومٍ على معلومٍ، في إثبات حكمٍ لهما أو نفْيه عنهما، بأمرٍ جامعٍ بينهما من إثبات حكمٍ أو صفة أو نفيهما عنهما".

٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


الاعتراضات التي وجهها الإمام الرازي على هذا التعريف؛ يقول -رحمه الله-: "والاعتراض عليه من وجوه:
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل

أن نقول: إن أردتَ بحمل أحد المعلومين على الآخر: إثبات مثل حكم أحدهما للآخر، فقولك بعد ذلك في إثبات حكمٍ لهما أو نفْيه عنهما إعادة لعيْن ذلك؛ فيكون ذلك تكريرًا من غير فائدة.

وإن كان شيئًا آخر، فلا بد من بيانه. وأيضًا فبتقدير: أن يكون المراد منه شيئًا آخَر، لكن لا يجوز ذكره في تعريف القياس؛ لأن ماهية القياس تتمّ بإثبات مثل معلومٍ لمعلومٍ آخَر بأمرٍ جامعٍ، وإذا تمت الماهية بهذا القَدْر وكان ذلك المعلوم الزائد خارجًا، فلا يجوز ذكره.

٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


فلنفسر الألفاظ المستعملة في التعريف:
أما "الإثبات": فالمراد منه: القدر المشترك بين العلم والاعتقاد والظن، سواءٌ تعلّقت هذه الثلاثة بثبوت الحكم أو بعدمه. وقد يُطلق لفظ "الإثبات" ويراد به: الخبر باللسان، لدلالته على الحكم الذهني.
وأما "المثل": فتصوّره بديهي؛ لأن كل عاقل يعلم بالضرورة كون الحار مثلًا للحار لكونه حارًا، ومخالفًا للبارد في كونه باردًا. فلو لم يحصل تصوّر ماهية التماثل والاختلاف إلا بالاكتساب لكان الخالي عن ذلك الاكتساب خاليًا عن ذلك التصور، فكان خاليًا عن هذا التصديق.
وأمّا "العلّة" فسيأتي تفسيرها -إن شاء الله تعالى-. وقولنا عند المثبت ذكرناه هنا ليدخل فيه القياس الصحيح والقياس الفاسد. هذا ما ذكره الإمام الرازي -رحمه الله- من تعريفيْن للقياس.


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


الجواب على الاعتراضات: فضلا انقر على الأوزرار للتفصيل
أما الاعتراض الأول وحاصله: الاستفسار، والجواب عنه أي: الجواب عن هذا الاعتراض من وجوه:
أحدها: أن المراد بـ"الحمل": الاعتبار على ما صرّح به إمام الحرمين في شرح هذا التعريف، وقد سبق بيانه.
وثانيها: ما قاله صاحب "الإحكام" وهو: الإمام الآمدي، وهو: أن المراد بقوله: "حمل المعلوم على المعلوم" إنما هو: التشريك بينهما في حكم أحدهما مطلقًا. وقوله بعد ذلك: "في إثبات حكم لهما": تفصيل ذلك الحكم وأقسامه؛ وهو زائدٌ على نفس التسوية في مفهوم الحكم، فلا يكون تكرر.
وثالثها -أي: ثالث الأجوبة-: قاله صاحب "التلخيص" وهو: أن المراد بالحمل: التسوية بين معلومين وهو: أعمّ من التسوية بينهما في حكم شرعي أو عقلي، أو صفة محسوسة أو معقولة وهو كالجنس؛ فاندفع السؤال.


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


والحق!!

أن هذه الاعتراضات قوية، وأجوبتها ضعيفة، وأن التعريف المذكور ضعيف، وكيف يُتوقع أن يكون كاشفًا بما هو خفيّ في نفسه غاية الخفاء. واعلم أن المصنف قال: "القياس الفاسد قياس، وهو خارجٌ عن هذا التعريف"؛ لأنه اعتبر في التعريف: حصول الجامع، ومتى حصل الجامع كان القياس صحيحًا، وهذا ضعيفٌ لتوجه المنع على المقدّمتين.

والحق: أن تعريف القاضي أبو بكر الباقلاني للقياس تعريفٌ فاسدٌ، وإن اختاره بعض المحققين.

يقول الإمام الرازي :

"وأقرب منه: قولنا: إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر، لأجل اشتباههما في علّة الحكم عند المثبت".


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


شرح التعريف الذي اختاره الإمام الرازي

واعلم أن المصنِّف فسّر ألفاظ هذا التعريف فقال: "المراد بالإثبات: الاعتقاد الراجح الأعم من العلم والظن؛ وهو: القَدْر المشترك بينهما. فالإثبات معناه: جعل الشيء ثابتًا؛ فيكون معناه: إثبات الحكم على هذا: جعل الحكم ثابتًا في محلّه بعد أن لم يكن كذلك. غير أن المراد به هنا: إدراك ثبوت الحكم في الفرع؛ وذلك لأن الإدراك هو الذي يكون من المجتهِد.

وأما الإثبات بمعنى جعْل الحكم ثابتًا في الفرع بعد أن لم يكن فإنما يكون من الشارع؛ إذ لا حكم إلا لله تعالى بالإجماع؛ فلا يصحّ إرادته في التعريف. والمراد بإدراك الثبوت الذي فسّرنا به الإثبات: حكم الذهن بأمر على أمر سواء كان جازمًا أم راجحًا، فيشمل القياس القطعي كما إذا قطع القائس بعلّيّة العلّة في الأصل، وبوجودها في الفرع عن دليل، كقياس الضرب على التأفيف في الحرمة بجامع الإيذاء في كلّّ؛ فإنه قياسٌ قطعيٌّ للقطع فيه بعلّيّة العلّة وبوجودها في الفرع. والقياس الظني بأن ظن القائس علّيّة العلّة في الأصل، أو ظن وجودها في الفرع لدليلٍ ظنيٍّ، كقياس التفاح على البُر في الربوية بجامع الطعم في كلّ؛ فإنه قياسٌ ظنيٌّ، وذلك لأن علّية الطعم مظنونة فقط وليست مقطوعة بها، لاحتمال علية أخرى كالاقتيات والادخار مثلًا كما قال بها بعض الأئمة".


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


شرح التعريف الذي اختاره الإمام الرازي

يقول الإمام الأصفهاني: "وأما المثل فتصوّره غنيٌّ عن الاكتساب عند المصنف، وعند غير المصنف تصوّره مُكتسب. والدليل أن تصوّره غنيٌّ عن الكسب هو: أن كل سليم الحس والعقل يعلم قطعًا أنّ الحار مثل الحار وهو مخالفٌ للبارد. ولولا أن تصوّرهما غنيٌّ عن الكسب لكان الخالي عن اكتسابه غير حاكم بثبوت محمول هذه القضية لموضوعها قبل الاكتساب، وذلك باطلٌ؛ فدل ذلك على: أن تصوّره غنيٌّ عن الكسب".

هذا، وذكر لفظ "مثل" في التعريف يقتضي: أنّ حكم الفرع مثل حكم الأصل لا عينه. وهنا يجدر بنا أن نعرض لاختلاف العلماء في أن حكم الفرع عين حكم الأصل أو مثله، فنقول:


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


شرح التعريف الذي اختاره الإمام الرازي

قد اختلف العلماء في حكم الفرع هل هو عين حكم الأصل أو مثله؟ على مذهبين:

المذهب الأول: ما ذهب إليه أبو منصور الماترودي، وصاحب "المنهاج"، وشارحاه: الأسنوي وابن السُّبكي، و"العضد في شرح مختصر ابن الحاجب" من: أنّ الحكم الثابت في الفرع مثل الحكم الثابت في الأصل لا عينه.
المذهب الثاني: ما ذهب إليه صاحب "التحرير" وغيره من: أنّ الحكم الثابت في الفرع هو بعينه الثابت في الأصل لا مثله.


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


شرح التعريف الذي اختاره الإمام الرازي

وأما كلمة "الحكم": فالحكم هو:


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


فضلا، انقر على الزرين للتفصيل

فإن كان إثبات الأمر للأمر أو نفيه عنه ليس متوقفًا على التكرار ولا وضع واضع، فهذا يسمّى: الحكم العقلي.
والحكم العقلي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: واجب، ومستحيل، وممكن. وفي ذلك يقول صاحب "الخريدة":


فالواجب هو: الموجود الذي لا يقبل العدم أبدًا. والمستحيل هو المعدوم الذي لا يقبل الوجود أبدًا. والممكن أو الجائز هو المتردد بين الوجود والعدم.

٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


شرح التعريف الذي اختاره الإمام الرازي

وإن كان متوقفًا على وضع الواضع فننظر مَنْ هذا الواضع؟

فإن كان الواضع أهل البلاغة، سمّيناه حكمًا بلاغيًّا، كما نقول: "الجملة مسنَد ومسنَد إليه"، فهذا يسمّى: حكم بلاغي. "الأصل في الكلام الحقيقة"، فهذا: حكم بلاغي. وإن كان الواضع أهل النحو، سمّيناه: حكمًا نحويًا، كما نقول: "الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب".

وإن كان الواضع أهل المنطق، سمّيناه: حكمًا منطقيًّا.

وإن كان الواضع أهل الشرع، سمّيناه: حكمًا شرعيًّا. وأهل الشرع الشارع -الواضع- للحكم ابتداء هو: الله -سبحانه وتعالى-. فالحكم هو: الذي يصدر عن الله -سبحانه وتعالى-؛ ولذا يقال: "لا حاكم إلا الله" ((إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ)) (الأنعام: 57). فالحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير، وزاد بعضهم: أو الوضع. هذا هو ملخّص ما قيل في كلمة "الحكم".


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


شرح التعريف الذي اختاره الإمام الرازي

أما "المعلوم" فهو: متعلّق العلم أو الظن.

وأما قوله: "لاشتباههما في علّة الحكم عند المثبت" فيدخل فيه: القياس الصحيح والفاسد.

يقول الإمام الرازي في "الرسالة البهائية":

"القياس الفاسد قياس؛ وذلك لأنّا نقول: القياس إما صحيحٌ أو فاسدٌ، ومورد التقسيم مشتركٌ بين القسمين جزمًا، ويلزم من هذا كون القياس الفاسد قياسًا. ولأن الصحابة -رضوان الله عليهم- ردّوا بعض الأقيسة وعملوا ببعض الأقيسة، ولا سبيل إلى الجمع بين عمليْهما -الذي هو العمل والرد- إلا حمل الأول على القياس الصحيح والثاني على القياس الفاسد".

هذا شرح هذا التعريف، وهو يقتضي خروج القياس العقلي عن تعريف القياس، وذلك لأن الإمام الرازي فسر الحكم المعتبر في تعريفه بالحكم الشرعي.


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


شرح التعريف الذي اختاره الإمام الرازي

ومن المعلوم أن حكم البُر في كونه ربويًّا ثبت بالنص عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والمِلح بالمِلح، يدًا بيد، هاء بهاء؛ فمن زاد أو استزاد فقد أربى)).

فالرسول -صلى الله عليه سلم- نص على ربوية هذه الأصناف الستة: الذهب، والفضة، والبُر، والشعير، والتمر، والمِلح. لماذا حُرِّمَ التفاضل في هذه الأصناف، في البُر مثلًا على سبيل المثال؟ لماذا حُرِّمَ التفاضل في البُر؟ قيل: لكونه مطعومًا. فنظرنا فوجدنا: أنّ الذرة مثلًا مطعوم، وجدنا أن الأرز أيضًا مطعوم، لكن لم يُنص على حكمه وهو كونه ربويًّا أو غير ربويٍّ؛ حينئذٍ نعدّي الحكم من الأصل المنصوص على حكمه إلى الفرع الذي لم ينص على حكمه، لوجود العلّة التي من أجلها جاء الحكم في الصورة المنصوص عليها.

فهنا يحصل لنا: أن حكم الذرة مثل البُر في كونه ربويًّا. ومعلوم أنّ المشروط في ذلك إنما هو العلم بالبُر والذرة علماً تصوريًّا،


٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


شرح التعريف الذي اختاره الإمام الرازي

ثم نقول: إن أردت إخراج القياس العقلي عنه، قيّدت الدليل بالشرعي. أي: إن أردت إخراج القياس العقلي، قيّدت الدليل الذي هو قياس بالقياس الشرعي، وإن لم تقيّده بالعقلي أو بالشرعي فإنه يتناول الدليل العقلي. يقول الإمام الأصفهاني تنبيهين:

أحدهما: قال المصنف -يعني: الإمام الرازي- في "الرسالة البهائية": نحن إنما لم نقل: مثل حكم الأصل في الفرع؛ لأن الإضافة تقتضي المغايرة.
وعندنا الأصل والفرع -هو الحكم الثاني-: أن الناس ذكروا للمثل تعريفين:

أحدهما: أن المثلين هما: اللذان يقوم كلُّ واحدٍ منهما مقام الآخر في جميع الصفات النفسية.
والتعريف الثاني: أنهما اللذان قد حصل لكل واحدٍ منهما من الصفات ما يساويه للآخر.
والتعريفان باطلان. أما الأول، فلأن لفظة "يقوم" ظاهرة في الأجسام، وهو غير مراد، فوجب أن يكون المراد منه أحد ثلاثة:
أحدها: أنّ ما لكل واحد منهما من الصفات النفسية حاصل للآخر.
وثانيها: أنّ ما لكل واحد من الصفات فقد حصل ما يساويه للآخر.

واعلم أنه لما كان كل واحد من تعريفي المثل فاسدًا عند المصنف، عدل عنهما إلى كون المثل بديهي التصور، وقد تحقق أنه يُشترط في المثل الاشتراك في تمام الحقيقة، ولا بد من الاختلاف بالعوارض، كما بينا ذلك قبل قليل.

٣.١ التعريف الأول الذي ذكره الإمام الرازي، والتعريف الثاني الذي اختاره


شرح التعريف الذي اختاره الإمام الرازي

والتعريفان السابقان باطلان. فضلا، انقر على الزرين للتفصيل

أما الأول، فلأن لفظة "يقوم" ظاهرة في الأجسام، وهو غير مراد، فوجب أن يكون المراد منه أحد ثلاثة:
أحدها: أنّ ما لكل واحد منهما من الصفات النفسية حاصل للآخر.
وثانيها: أنّ ما لكل واحد من الصفات فقد حصل ما يساويه للآخر.
وثالثها: أن يكون أعم من التساوي والاتحاد؛ وهو أن يكون قد حصل لكل واحد منهما صفات.