القول الأوّل: أنه كان متعبِّدًا بشرْع، وهو المختار لجماعة من الحنفية والشافعية، ومنهم: البيضاوي. وأيضًا اختاره: الكمال بن الهمام، وصاحب "فواتح الرحموتِ"، وغيرهم...

![]() |
فيما جاءت به المصادر الإسلامية على: أنه ثابت في الشرائع السابقة، من غير أن تتعرّض لبيان بقائه أو نسخه، ولا دليل يدلنا على شيء من ذلك، مثل قوله تعالى: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)) (المائدة: ٤٥). |
![]() |
أمّا ما ثبت بنص إسلامي: أنه مشروع في الإسلام كما كان في الشرائع السابقة؛ فإنه يكون ثابتًا بذلك النص الإسلامي لا بالحكاية عن السابقين؛ وذلك بدون خلاف. وذلك مثل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة: ١٨٣) وكقوله -صلى الله عليه وسلم- في جوابه للسائلين عن الأضحية التي طُولب بها المسلمون: ((فإنها سُنّة أبيكم إبراهيم))، قالوا: ما لنا منها؟ قال: ((بكلّ شعرة حسنة))، رواه أحمد وابن ماجة. |
![]() |
كذلك لا خلاف فيما ثبت نسخه بنص إسلامي، وأيضًا ما ثبت أنه خاصٌّ بمن شُرع في حقهم، مثل: تحريم ذوات الأظافر وشحم البقر والغنم، الثابت بقوله تعالى: ((وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا)) (الأنعام: ١٤٦). |
![]() |
وقد اختار الغزالي وابن السبكي والرازي والقاضي أبو بكر والآمدي: القول بمنْع تعبّدنا بشرع مَن سبق. وعليه -كما قال صاحب "فواتح الرحموت"- الأكثرون من أهل القبلة؛ لأن له -عليه السلام- شرعًا يخصّه. |
![]() |
والنفس أميَل إلى ما يراه جمهور الحنفية والمالكية والشافعية من القول: بأنّ نبيّنا -صلى الله عليه وسلم- بعد البعثة ونحن معه، متعبِّدون بشرع مَن قبْلنا على أنه شرع نبيّنا لا على أنه شرع نبيّ آخر، ما لم يَثبت نسخُه بشرعنا. وليس في هذا القول انتقاص لشريعة الإسلام؛ بل فيه تشريف لهذه الأمّة ورفعة لمكانتها حيث يجمع لها ما يلائم طبيعتها ممّا جمعت الشرائع من أوصاف الكمال ووسائل الرفعة وأسباب الرقيّ، عن طريق ذلك التشريع الإلهي والشريعة الجامعة لكلّ خير ونفع. |

![]() |
بل إنّ الحنفية هم أوّل مَن عمِل به. |
![]() |
كما قال به مالك وأصحابه والتابعون مِن بَعده. |
![]() |
واختلف النقل عن الإمام أحمد بن حنبل: فابن الحاجب والبدخشي والإسنوي والآمدي قالوا: إن الإمام أحمد يعمل به كالحنفية. وغيرهم ينفي عنه ذلك، ويجعله كالشافعية الذين شدّدوا النكير على القائلين به؛ حتى روي عن إمامهم أنه قال: "من استحسن فقد شرّع". |
![]() |
وقد اشتهر عن الإمام مالك: أنه كان يقول: "الاستحسان تِسعة أعشار العلم". وقال محمد بن الحسن: "إن أصحاب أبي حنيفة كانوا يُنازعون إمامهم المقاييس، فإذا قال: "أستحسِن"، لم يلحق به أحد. وكان يعمل بالاستحسان كلما استقبح القياس. |
![]() |
وقد عرّفه أبو الحسن الكرخي من الحنفية بقوله: "الاستحسان" هو: قطع المسألة عن نظائرها لِما هو أقوى"، ومعناه: أنه يعدل المجتهد على أن يحكم في المسألة بمثل ما يحكم به في نظائرها، لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأوّل. ولعل هذا أحسن تعريف عند الحنفية، لشموله جميع أنواعه، ولأنه بيّن أساسَه ولبّه. |
![]() |
وقد قال ابن الحاجب -رحمه الله-: "والحق: أنه لا يتحقّق استحسان مختلف فيه؛ لأنهم ذكروا في تفسيره أمورًا لا تصلح محلًّا للخلاف؛ لأن بعضها مقبول اتفاقًا، وبعضها متردّد بين ما هو مقبول اتفاقًا، وبين ما هو مردود اتفاقًا". |
![]() |
وقد أعقبه بذكر بعض التفاسير لكلمة "الاستحسان"، ثم قال هو والإمام العضد: "إذا تقرر ذلك، فإذا أظهر الخصم استحسانًا يصلح محلًّا للنزاع، قلنا له في نفْيه: إنه لا دليل يدلّ عليه؛ فوجب نفْيه لِما عُلم من أنّ عدم الدليل في نفْي الأحكام الشرعية مُدْرَك شرعي". |
![]() |
وما ذكره ابن الحاجب هو: الذي يجب المصير إليه؛ لأنّ مَن تتبّع الجزئيات التي عمل القائلون فيها بالاستحسان، يجدها لا تخرج عن الأدلة الشرعية المتّفَق عليها. ومن نازع فيها -كما قال الأزميري- فقد أبطل الشرع. |
![]() |
وعليه، فإن إنكار المنكرين للعمل بالاستحسان كالشافعي ومَن ماثله، يجب أن يُحمل إنكارهم ذلك على الاستحسان المبنيّ على التّشهِّي والهوى من غير اعتماد على دليل، أو يُحمل على نفس التسمية فقط، لإيهامها العمل بمجرّد الاستناد على الرأي المحض والتّشهّي من غير سند أو دليل. أما القائلون به فإنهم لا يرون غضاضة في إطلاق تلك التسمية على ما يندرج تحتها من الأحكام الشرعية، ما داموا يعملون على هدي من شريعة الله؛ فالعبرة ليست بالأسماء، وإنما العبرة بالمسمَّيات. |
![]() |
عرّف جمهور الأصوليين "الصحابيّ" بأنه: مَن اجتمع بالنبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به، ولازمَه مدة طويلة حتى صار يُطلق عليه اسم "الصاحب" عُرفًا. |
![]() |
وبعض الأصوليين كأصحاب الحديث لا يشترطون في الصحابيّ طول الاجتماع بالنبي -صلى الله عليه وسلم؛ بل تَكفي اللحظة، متى كان مؤمنًا به. |
![]() |
أنّ قول الصحابي ليس حُجة على صحابيّ آخر مجتهد. |
![]() |
أمّا قوله بالنسبة لغيره من المجتهدين ممّن ليسوا من الصحابة: |
![]() |
فإن كان تعبّديًّا فهو حُجة لأنه لا مجال فيه للاجتهاد؛ فيُحمَل على السماع من الرسول -صلى الله عليه وسلم-. | |
![]() |
أمّا إذا كان غير تعبّديّ، ففيه خلاف. |
![]() |
المذهب الأول: أنه ليس بحجة؛ وعليه الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة، والشافعي وأحمد في أحد قوليهما، وكثير غيرهم... |
![]() |
المذهب الثاني: أنه حُجة؛ وعليه الإمام مالك، وجمهور الحنفية، وأحد الرأيين عن أحمد، ورأي الشافعي في القديم. |
![]() |
المذهب الثالث: قول من قال: إنه حجّة إذا خالف القياس. |

![]() |
فالحنفية ومعظم الشافعية والمالكية والظاهرية والإمامية وطائفة من حنفية السمرقنديين يقولون به؛ لأنهم يرون: أن الاستصحاب يستند إلى دليل معتبَر في جميع حالاته. وذلك أنّ ما تحقق وجوده في حال من الأحوال ولم يطرأ معارض قطعيّ أو ظنيّ، فإنه يستلزم ظنّ بقائه، والظن -كما هو معلوم-: حجة شرعية. |
![]() |
وكثير من الحنفية والمتكلمين وبعض الشافعية لا يرون الاستصحاب دليلًا شرعيًّا تستند إليه الأحكام، سواء ذلك في الإثبات أم النفي؛ وذلك لأنّ سبْق الوجود مع عدم ظن الانتفاع ليس دليل البقاء عندهم. فالحكم بالاستصحاب حكم بلا دليل؛ لأنه لا بدّ في الدليل من جهة يستلزم بها المطلوب، وهي منفية هنا. |
![]() |
وهناك من الحنفية -وبخاصة المتأخّرين منهم- مَن يفرّق بين الإثبات والدفع. فيقولون: هو حجة في الدّفع لا في الإثبات، بمعنى: أننا نستصحب الحال الماضية، ونعتبرها مستمرّة باقية على ما كانت عليه، لندفع بها ما يُدّعى من إثبات أمر لم يكن، أو من طروء تغيير لم يقم عليه دليل، دون أن يُتّخذ ذلك حجّة ملزمة للغير. فهو سلاح دفاع -كما يقولون-، وليس سلاح هجوم. |
![]() |
و"المصالح": جمع: مصلحة وهي: "مَفْعَلَة" من: الصلاح بمعنى: حُسن الحال. وصيغة "مَفْعَلة" إنما تُستعمل في الموضع الذي يكثر فيه الشيء المشتقّة منه؛ وعلى ذلك فالمصلحة شيء فيه صلاح قويّ. |
![]() |
وقد عرّفها الأصوليون بتعاريف عِدّة تختلف لفظًا لكنّها متلاقية أو متقاربة معنًى؛ إذ إنهم لم يخلطوا بينها وبين المفسدة قط. |
![]() |
والمصلحة بقيد الإرسال تُعتبر: أحد أقسام المناسب الثلاثة. وهي: كلّ منفعة داخلة في مقاصد الشرع، دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء، لا بالنص ولا بالإجماع، ولا يترتب الحكم على وفقه أو على خلافه. |
![]() |
ومن أمثلتها: فرْض الضرائب عند الحاجة، وتدوين الدواوين، والقضاء بتضمين الصنّاع، والعهد بالخلافة إلى سيدنا عمر، وجمع الحديث وتدوينه ووضع أصول روايته، واتّخاذ دارًا للسجن، وعمَل السَّكة للمسلمين، وتجديد أذان الجمعة بالسوق -وهو الأذان الأول-، إلى غير ذلك مما هو كثير... |
![]() |
فقد ذكر الآمدي: أنّ الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم: اتّفقوا على امتناع التّمسك بالمصلحة، إلا ما نقل عن مالك: أنه يقول بها مع إنكار أصحابه لذلك عنه. كما أنّ ابن الحاجب قال: "الأكثر على: امتناع التمسك بها". |
![]() |
وذكر: أن القول بها مرويّ عن الشافعي ومالك. ثم قال: "والمختار: الرّدّ". |
![]() |
وحكى الإمام الغزالي التردد عن الشافعي. |
![]() |
و"العُرف": مرادف لكلمة "العادة"، غير أنّ كلمة "العادة" أعمّ من "العُرف". |
![]() |
فـ"العادة" تطلق على: عادة الفرد، وعلى عادة الجماعة. أما "العُرف" فلا يطلق إلا على: عادة الجماعة فقط. فبينهما عموم وخصوص وجهيّ: |
![]() |
فـ"العُرف" وهو: ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك. ويُسمّى: العادة. |
![]() |
وقد اعتبره الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وجعلوه أصلًا تُبنى عليه كثير من الأحكام الفقهية. يقول ابن عابدين -رحمه الله-: |