أن القياس: "ردّ الفرع إلى الأصل، بعلّة تجمعهما في الحكم".
وهذا التعريف هو: اختيار إمام الحرمين -رحمه الله- في "الورقات"؛ لكنه عزَا في كتابه "البرهان" قريباً من هذا التعريف إلى بعض المتأخرين، حيث عرّفه بأنه: "ردّ فرع إلى أصل بما يجمع بينهما". ثم تعقّبه بقوله: "وهذا فيه إبهام من الوجوه التي أخلّ بها من تقيّدات كلام القاضي؛ فإنه لم يتعرض للحكم الذي يطّرد القياس له، ولم يفصّل الجامع".
شرح التعريف:
قوله: "رد" أي: التسوية بينهما في الحكم. والفرع: المحلّ الذي أريد إثبات الحكم فيه. والأصل هو: المحل الذي عُلم ثبوت الحكم فيه.
وقوله: "بعلّة" أي: بسببها، وهي: أمر مشترك بينهما يوجب الاشتراك في الحكم؛ فخرج به: الرد بغير علّة، كالرد بالنص والإجماع، فليس بقياس.
قوله: "تجمعهما في الحكم" أي: تدل تلك العلّة على اجتماعهما في الحكم المعلوم للأصل ثبوتًا كان أو نفيًا.
واعترض على هذا التعريف بعدّة اعتراضات:
الاعتراض الأول: أنّ ردّ الفرع إلى الأصل هو: إثبات حكم فيه، وقد جعله جنسًا مع أنه ثمرة القياس، ولا شيء من ثمرة القياس بقياس. وأجيب عن ذلك: بأن كون الرد بمعنى الإثبات غير مسلّم؛ بل معنى رده إليه: التسوية بينهما كما تقدم.
الاعتراض الثاني: أنّ الفرع هو: المقيس، والأصل هو: المقيس عليه؛ فيتوقف معرفة الفرع والأصل على معرفة القياس، والقياس متوقف عليهما لكونهما أجزاء من تعريفه؛ فيلزم الدّوْر.
وأجيب: بأن المراد بالفرع والأصل: ما تقدم في شرح التعاريف؛ فلا دَوْر. وهو: أن الفرع هو: المحل الذي أريد به إثبات الحكم فيه، والأصل هو: المحل الذي علم ثبوت الحكم فيه؛ وعلى ذلك فلا يتحقق الدّوْر.
الاعتراض الثالث: أنّ حكم الفرع متفرّع على القياس، متأخِّر عنه بالإجماع. وقد جعله ركنًا له متقدّمًا عليه، من حيث أخْذه في تعريف القياس؛ فلزم الدّوْر.
وأجيب: بأن ذكر حكم الفرع في تعريف القياس إنما يقتضي توقّف القياس، وتعقّل ماهيته على معرفة حكم الفرع. وتعقل ماهية الفرع وماهية حكم الفرع وتعقل هذا الحكم والماهية لا يتوقف على تعقل ماهية القياس، لا من جهة تعقله ولا من جهة حصوله؛ بل غاية الأمر: أن حصول حكم الفرع يتوقف على حصول القياس لا على ماهيته حتى يلزم الدّوْر. والحاصل: أن الجهة منفكة؛ لأن القياس متوقف على ماهية حكم الفرع، وحكم الفرع من جهة تعلّقه وحصوله ليس متوقفًا على ماهية القياس، بل حصوله متوقف على حصول القياس.
عند المتكلمين: "أنه حمل الشيء على الشيء، لإثبات حكم بوجه شَبه". وهو تعريف الأستاذ أبي بكر بن فورك، عزاه إليه إمام الحرمين، ثم تعقّبه بقوله: "وذكْر الشيء يخرج الأقيسة المتعلّقة بالنفي، وكذلك ذكر إثبات الحكم، ولم يتعرض لنفيه".
نقول: وفيه أيضًا: أن ذكْر "شيء" يخرج القياس في المعدومات وهو جار فيها أيضًا، وإنما خرج لأن "شيء" عند الأشاعرة لا يدخل فيها أمر أعجمي؛ فخرج بذكر "شيء" في تعريف القياس في المعدومات؛ فيكون التعريف حينئذ غير جامع. وقد تقدم التنبيه على ذلك في كلام إمام الحرمين، وسيأتي أيضًا من كلامه.
XXXXXXXXXXXXX
أن القياس هو: "حمل الفرع على الأصل، ببعض أوصاف الأصل".
وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ولم يرتضه القاضي حسين.
XXXXXXXXXXXXX
أنّ القياس هو: "رد فرع مسكوت عنه وعن حكمه، إلى أصل منطوق بحكمه".
وهذا التعريف لابن كج.
XXXXXXXXXXXXX
أنه: "إثبات مِثل حكم معلوم في معلوم آخر، لاشتراكهما في علّة الحكم عند المثبِت".
وهذا هو التعريف الذي سنختاره وسنتناوله بالشرح والتوضيح عند الانتهاء من بقية التعريفات.
XXXXXXXXXXXXX
أنّ القياس: "عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل، في العلّة المستنبطة من حكم الأصل".
وهذا التعريف هو مختار الإمام الآمدي، قال: "وهذه عبارة جامعة وافية بالغرض، عارية عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها". وعبارة ابن الحاجب التي لخصها من كلام الآمدي: "مساواة فرع لأصله في علّة حكمه". وهذا التعريف قد نقله الزركشي عن المحققين؛ فإنه قال: "وكلام الجمهور يقتضي إمكانه -يعني: إمكان حد القياس-. واختلفوا. فالمحققون: أنه مساواة فرع لأصل في علّة الحكم، أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم". وممن اختار هذا التعريف أيضًا من المحققين العلامة سعد الدين التفتازاني، إلا أنه قال: "مساواة الفرع للأصل في علّة حكمه".
وقد عزا الأسنوي -رحمه الله- هذا التعريف الأخير للآمدي وابن الحاجب. وقد عرفت اختلاف عباراتهما. وقد التزم الآمدي بكون تعريفه هذا يقتصر على قياس الطرد دون قياس العكس؛ فإنه نبه على أن القياس في اصطلاح الأصوليين منقسم إلى قياس العكس وقياس الطرد، وأن قياس العكس عبارة عن تحصيل نقيض حكم معلوم في غيره لافتراقهما في علّة الحكم؛ وذلك كما لو قيل: لو لم يكن الصوم شرطًا في الاعتكاف، لما كان شرطًا له عند نذره أن يعتكف صائمًا كالصلاة.
عند المتكلمين وهو: "حمل فرع على أصل، في حكم، بجامع بينهما".
وهو كما سبق عن الإمام ابن قدامه -رحمه الله- في كتابة "روضة الناظر". ولا يخفى ما يرد عليه من اعتراضات بذكر الفرع والأصل في التعريف.
XXXXXXXXXXXXX
"حمل معلوم على معلوم، لمساواته في علّة الحكم عند الحامل".
وهذا كما قلنا: إنه مختار الإمام تاج الدين بن السبكي وأتباعه كشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وابن حجر -رحمهما الله تعالى-. إلا أنّ ابن حجر لم يرتض القيْد الأخير فقال: "وزِيدَ "عند الحامل"، ليدخل الفاسد". وقال شيخ الإسلام: "وإن خصّ بالصحيح حذف الأخير. وقد نبه الزركشي على: أن أصل هذا التعريف هو تعريف القاضي أبو بكر، وأنّ ابن السبكي اختاره لأن المحققين من أصحابنا عليه، وبيّنوا وهْمَ من أشار بالاعتراض عليه".
XXXXXXXXXXXXX
وهو: أن القياس: "استخراج مِثل حكم المذكور لِما لم يُذكر، بجامع بينهما".
وهو اختيار الإمام الشوكاني وقال -رحمه الله-: "إنه أحسن ما يقال في حدّه".
XXXXXXXXXXXXX
٤.١ تعريف "القياس" عند الشافعية، والحنفية، والمعتزلة، وغيرهم...
تعريف القياس عند الحنفية
أما تعريف القياس عند الحنفية، فقد ذكر له عدّة تعريفات نذكر منها. فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
أن القياس: "إبانة مِثل حُكم أحد المذكوريْن، بمثل علّته في الآخَر".
وهو تعريف الإمام أبي منصور الماتريدي -رحمه الله-.
وقوله: "إبانة" أي: إبانة الشارع. والتعريف بالتسوية كما سيأتي في تعريف صاحب "المنار" أوْلى من الإبانة؛ لأن الإبانة ظاهرة في الإظهار للعباد، وظهور الدليل الذي ليس تسوية ليس شرطًا لوجوده لجواز ألا يطلع عليه. وذهب ابن نجيم إلى: وجوب حذف "مثل حكم" لأن حكم الفرع هو حكم الأصل؛ غير أن النص الذي عليه في خصوص محل، والقياس يفيد أنه في غيره. وكذا يجب حذف "مثل" في قوله: "بمثل علته". ثم أفاض في التدليل على ذلك.
XXXXXXXXXXXXX
أنّ القياس في الشرع: "تقدير الفرع بالأصل، في الحكم والعلّة".
وهو تعريف صاحب "المنار".
فقوله: "تقدير" أي: تسويته تعالى محلًّا بآخر، بناء على أنّ التقدير يقال للتسوية، وعلى أنّ القياس فعْل الشارع، وعلى أن المراد بالفرع والأصل: المحلّ؛ فاندفع الدّوْرُ بأن تعقل الفرع والأصل فرع تعقل القياس.
قوله: "في الحكم والعلّة" كربويّة الذُّرة، قياسًا على ربويّة البُر، بعلّة الكيل.
XXXXXXXXXXXXX
أنّ القياس: "تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع، بعلّة متّحدة لا تدرك بمجرد اللغة".
وهو تعريف صاحب "التوضيح". وعزا السعد إلى القوم بعد هذا التعريف، وهو إلى قوله: "متحدة"، فقال: "وعبارة القوم: أنه... ثم بيّن أن قوله: "لا تدرك..." إلى آخره: من زيادة صاحب "التوضيح". ثم اختار السعد تعريف ابن الحاجب كما تقدم في محلّه.
قوله: "تعدية" أي: إثبات حكم مِثل حكم الأصل في الفرع. وظاهره: أنها فعْل مجتهد.
وتُعقب بأن التعدية ليست بفعله؛ إذ لا فعل للمجتهد سوى الترتيب. ويلزمه أيضًا: أن التعدية ليست سوى ظنّ حكم الأصل في الفرع، بخلْقه تعالى عادة. وهو ثمرة القياس لا نفس القياس. وثمرة الشيء لا تكون نفسه؛ فبطل التعريف.
واعترض عليه أيضًا: بأنه منقوض بدلالة النص؛ فإنه لا معنى لتعدية الحكم لاستحالة الانتقال على الأوصاف. ولو سلم، فيلزم عدم بقاء الحكم في الأصل لانتقاله عنه.
ولو سلم؛ فالثبات في الفرع لا يكون حكم الأصل، بل مثله، ضرورة تعدد الأوصاف بتعدّد المحالّ. فصاحب "التوضيح" -رحمه الله تعالى- زاد تقييد العلّة بما لا يدرك بمجرد اللغة، احترازًا عن دلالة النص. وفسّر تعدية حكم الأصل بإثبات حكم مثل حكم الأصل في الفرع؛ وبهذا خرج الجواب عن الاعتراضات المذكورة. فقوله: "لا تدرك بمجرد اللغة": احتراز عن دلالة النص. وذكْر هذا القيد واجب، لاتفاق العلماء على الفرق بين دلالة النص والقياس.
وهو من تعريفات الحنفية: أن القياس: "مساواة محلّ لآخَر في علة حكم له شرعي، لا تدرك من نصّه بمجرد فهم اللغة".
وهذا التعريف مختار الكمال بن الهمام -رحمه الله-. قال الشيخ زكريا وتبعه ابن علان: "وهو لا يشمل غير الشرعي، لكنه أخصر من الأول -يعني: حد القياس عند ابن السبكي وأتباعه، والذي تقدم ذكره-، وأقرب إلى مدلول القياس اللغوي، وسالم ممّا أورد من الاعتراضات على الأوّل"، وقد تقدم بيان تعريف ابن السبكي.
شرح تعريف الكمال ابن الهمام:
قوله: "مساواة محل" أي: من محالّ الحكم للآخَر، أي: لمحلّ آخر.
"في علّة حكم له" أي: لذلك المحل الآخر.
"شرعي": صفة لحُكم: احتراز عمّا ليس بشرعي، كالحكم العقلي.
"لا تدرك من نصه" أي: لا تدرك تلك العلة من نص ذلك المحلّ الآخر بمجرد فهم اللغة، بأن يفهم تلك العلة من النص كلّ من يفهم معناه اللغوي؛ بل يحتاج فهمها إلى تأمّل وإعمال فكر واجتهاد.
وهو من تعريفات الحنفية: أن القياس: "مساواة المثبوت للمنصوص في علّة الحكم".
وهذا التعريف منسوب لصاحب "مسلّم الثبوت"، قال شارحه صاحب "فواتح الرحموت":
- "في علّة الحكم" أي: في نفس علّة الحكم، لا في قَدْرها؛ فإنها قد تكون في الفرع أقوى، وقد تكون أضعف، وقد تكون مساوية. ولا بد في العلة من تقييد هو: كونها غير مفهومة لغة، لئلا يرد النقد بمفهوم المخالفة.
بذلك ينتهي الكلام على تعريف القياس عند الحنفية.
XXXXXXXXXXXXX
٤.١ تعريف "القياس" عند الشافعية، والحنفية، والمعتزلة، وغيرهم...
تعريف "القياس" عند المعتزلة، والفلاسفة وغيرهم...
ننتقل بعد ذلك إلى تعريف القياس عند المعتزلة، والفلاسفة وغيرهم... فقد ذكروا للقياس عدة تعريفات، نذكر منها:
وهو: أن القياس: "حمل الشيء على غيره، وإجراء حكمه عليه".
وهذا هو تعريف أبي هاشم الجبائي -رحمه الله-.
واعترض عليه بأنه غير جامع، لكونه لم يذكر العلّة فيه؛ فإنه إن أراد إجراء حكمه عليه لأجل الشّبه فصحيح، وكان يجب التصريح بذلك. وإن لم يرد ذلك لم يصح؛ لأن إثبات الحكم في الشيء من غير تشبيه بينه وبين غيره يكون مبتدأ، ومن ابتدأ فأثبت في الشيء حكمًا لا يكون قائسًا، وإن اتفق أن يكون ذلك الحكم ثابتًا في غيره.
واعترض عليه أيضًا وعلى كل تعريف للمعتزلة: ذكر لفظ شيء في هذه التعريفات، بأن "الشيء" لا يطلق على المعدوم؛ لأن الشيء عند الأشاعرة هو" الموجود، فلا يطلق على المعدوم.