٣.١١ أنواع الدعاوى باعتبار المدعى


استدل جمهور الفقهاء على عدم جواز شهادة غير المسلم بعموم الآيات في قوله تعالى: ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)) [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ((مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)) [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ((وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)) [الطلاق: ٢] وقوله عن الفاسقين: ((وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [النور: ٤].
فقوله: ((رِجَالِكُمْ))، ((تَرْضَوْنَ))، ((ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ))، ((وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)) أدلة على أن الشاهد على المسلم لا بد أن يكون مسلمًا عدلًا. فالكافر لا تقبل شهادته لأنه غير مسلم، والفاسق لا تقبل شهادته لأنه ليس عدلًا ولا محل رضا.
ومن المفهوم والمعقول أن الشهادة نوع من الولاية وولاية الكافر على المسلم لا تجوز؛ لقوله تعالى: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)) [النساء: ١٤١] وجوازها في السفر على الوصية كما جاء في الآية المائدة استثناء من هذا الأصل.
قال الحنفية: إن شهادة غير المسلم لغير المسلم ثابتة بالقرآن الكريم في قوله تعالى: ((فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)) [المائدة: ٤٢].
فالذميون مخيرون بين الاحتكام إلينا أو الاحتكام لشريعتهم فجاز أن يشهدوا لبعضهم البعض وإلا ضاعت الحقوق وكانت الفوضى في بلاد المسلمين ...

٣.١١ أنواع الدعاوى باعتبار المدعى


... أما في السفر والوصية فقد أجاز الله شهادتهم على المسلم للضرورة وقد تكون الضرورة في الحضر كما تكون في السفر، فتجوز شهادتهم إذا لم يوجد غيرهم، ولأن منهم عدول كما ذكر الله تعالى عنهم: ((مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)) [آل عمران: ١١٣: ١١٥] والآيات في ذلك عديدة.
ومن السنة الشريفة نجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مبدأ الأمر في الهجرة يكتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار يوادع فيه اليهود ويقرهم على دينهم وأموالهم، ويسلك نفس الطريق مع النصارى، وقد سمحت السنة للذميين أيضًا أن يرجعوا في حقوقهم، ومواريثهم إلى أهل دينهم.
وكانوا يتبعون أحكام شرائعهم في جميع المسائل إلا إذا رغبوا في أن يفصل بينهم أحد المسلمين فعندئذ يحكم بينهم بكتاب الله وفق قوله تعالى: ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)) [المائدة: ٤٩]، وقوله أيضًا: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)) [النساء: ١٠٥] أي بما أوحى إليك به لفظًا وهو القرآن أو معنى وهو السنة.