٤.١١ تابع أنواع الدعوى باعتبار المدعَى


قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ)) [المائدة: ١٠٦].
هذه الآية أصل في جواز شهادة عند المسلم على المسلم في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم، وفي جواز شهادة غير المسلم على المسلم، لذا كان من المفيد بيان أقوال المفسرين فيها، وخير من قام بذلك وجمعه ووضحه الإمام القرطبي، فلنجمل ما قال ثم نفصله.

قال: وفي الآية سبع وعشرون مسألة: نذكر منها:
قال مكي رحمه الله: هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابًا ومعنى وحكمًا، قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها، وذلك بيِّن من كتابه رحمه الله. قلت: ما ذكره مكي رحمه الله ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضًا، ولا أعلم خلافًا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن براء لما رواه البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس.
قوله تعالى: ((ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)) صفة لقوله: ((اثْنَانِ)) و((مِنْكُمْ)) صفة بعد صفة، وقوله: ((أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ)) أي أو شهادة آخريْن من غيركم، فـ ((مِنْ غَيْرِكُمْ)) صفة لـ ((آخَرَانِ))، وهذا الفصل هو المشكل في هذه الآية، والتحقيق فيه أن يقال:
اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:


٤.١١ تابع أنواع الدعوى باعتبار المدعَى


أن الكاف والميم في قوله: ((مِنْكُمْ)) ضمير للمسلمين، و((آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ)) للكافرين، فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية وهو الأشبه بسياق الآية مع ما تقرر من الأحاديث.
هو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل: أبو موسى الأشعري وعبد الله بن قيس، وعبد الله بن عباس.
معنى الآية من أولها إلى آخرها على هذا القول: أن الله تعالى أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين، فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض، ولم يكن معه أحد من المؤمنين فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر ... إلخ.
هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبي مجلز، وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني، وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي وابن عباس وغيرهم، وقال به من الفقهاء سفيان الثوري، ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به، واختاره أحمد بن حنبل وقال: شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين كلهم يقولون: ((مِنْكُمْ)) من المؤمنين، ((مِنْ غَيْرِكُمْ)) من الكافرين ... والآية، محكمة على مذهب أبي موسى وشريح وغيرهما.