![]() |
ليس كل موضوعٍ جديرًا أن يكون بحثًا؛ فعلى الباحث أن يتساءل أمام هذا الموضوع الذي اختاره. فهناك خصائص وسمات تميّز الموضوع وتحدّد طبيعته. وهناك فرقٌ أيضًا بين العلم والمعرفة. فمن خلال الموضوع الجيّد والبحث الجيّد يستطيع الباحث أن يتوصل إلى المعرفة الحقيقية. |
![]() |
الفرق بين العلم والمعرفة يتمثل في: توسّل المنهج وأساليب التفكير؛ لأن المعرفة أوسع والعلم أشمل. فالمعرفة تتضمّن معارف علمية ومعارف غير علميّة، بمعنى: أن الباحث إذا اتّبع قواعد المنهج العلمي في البحث وخطواته في التعرف على الظواهر والكشف عن الحقائق، فإنه يصل إلى المعرفة العلمية. |
![]() |
وقد لاحظ بعض الباحثين: أن هناك مقابلة في الفكر العربي بين ما يسمّى بالصناعة والمعرفة. فالصناعة في عُرف بعض النحاة هي: العلْم الحاصل بالتمرن، أي: أنه قواعد مقررة وأدلة. لكن المعرفة هي: علمٌ يُكتسب بمجرد التحصيل دون اشتراط التمرن. إذا كان علماء اللغة العربية القدامى قد فرّقوا بين الصناعات والمعارف، فهناك أيضًا المحدثون يفرِّقون بين العلم المضبوط وبين العلم غير المضبوط. وهذا التفريق يُشبه إلى حدٍّ بعيد الفرق بين الصناعة والمعرفة؛ لأن هؤلاء الباحثين رأوا أنّ أهم سمات العلم المضبوط تتمثل في الموضوعية، والشمولية، والتماسك، والاقتصاد وغير ذلك... |
![]() |
الاستقراء الناقص المراد به هو: إجراء الملاحظة على نموذجٍ مختار، بأن يجمع الباحث المادة العلمية التي تتصل بموضوعه، ويُجري الملاحظة على نموذجٍ واحدٍ من النماذج المتعددة في القضية الواحدة. فهناك مثلًا عدة قضايا أو قضية واحدة يوجد فيها عدّة أمثلة، فليس واجبًا على الباحث أن يُجري الملاحظة على جميع الأمثلة في القضية الواحدة، وإنما يُجري الملاحظة على مثالٍ واحدٍ من هذه الأمثلة كنموذجٍ يكتفي به؛ فيكتفي بالقليل عن الكثير، ويُقدِّم التعليل السليم لذلك بإثبات ما لا يدخل تحت الحصر بطريق النقل. |
![]() |
الأمر الآخر: صلاحية النتائج من الاستقراء التام بالعلم المضبوط أو المعرفة. |
![]() |
والمراد بالقياس: رد الشيء إلى نظيره، بمثابة المكيال والميزان. وقد وظف علماء العربية القياس في استنباط الجديد الذي لم يُسمع عن العرب ولم يرو عنهم على غِرَار ما روي. فما قيس على كلام العرب يُعدُّ من كلامهم؛ ولذلك وجدنا ابن جني في كتابه "الخصائص" يُعدّ بابًا في ذلك، ويوضِّح مفهوم القياس وأثره. يقول: "ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض، فقستُ عليه غيره، فإذا سمعت: "قام زيدٌ" أجزت "ظَرُفَ بِشْرٌ"، ومن ثَمَّ يُطلِق عليه بعض الباحثين مصطلح الحتمية مقرِّرًا أنها تمنح للعلم صفة الشمول؛ لأنها تجعل ما غاب من المفردات بمثابة ما كان حاضرًا، وتسحب النتائج العلمية التي يصل إليها الباحث على الحاضر والغائب على حدٍّ سواء، هذا بالنسبة للقياس. |
![]() |
الأمر الآخر: التجريد وهو: الاعتماد على الأفكار العامة أو الأفكار الثابتة التي يمكن تطبيقها على المتغيرات، يعني: يمكن تطبيق هذه الأفكار العامة أو الأصول الثابتة على المفردات؛ لذلك يصبح التجريد والقياس من الأمور التي تحقق صفة الشمول وتميّز العلم المضبوط. |
![]() |
وهي من أهم سمات البحث العلمي، أو من أهم سمات العلم المضبوط؛ لأن هذه السمة تعني: الترابط العضوي بين عناصر الموضوع وبين وحداته. ولكي تتحقق هذه السمة لا بد من مراعاة أمرين: الأمر الأول عدم التناقض. والأمر الآخر: التصنيف. |
![]() |
والمراد بعدم التناقض هو: أن ينسجم أوّل الموضوع مع آخِره، بحيث يكون هناك اتفاق في أوّل الموضوع مع ما جاء في آخره مع ما جاء في وسطه؛ فلا تجد مثلًا إحدى النتائج الأخيرة طعنًا لبعض النتائج الأولية. |
![]() |
أما المراد بالتصنيف فهو: ربطٌ لأجزاء الموضوع في الفهم، أي: أن تكون أجزاء الموضوع وحْدة متكاملة، أو يكون هناك وحدة عضوية مثل: الوحدة العضوية للقصيدة. فلا بد أن يكون للموضوع وحدة عضوية متناسقة ومترابطة العناصر والأجزاء الداخلية؛ فهذه علاقات توفيقية أو وفاقية بين أجزاء الموضوع. |
![]() |
كذلك أيضًا مراعاة العلاقات الخلافية، هذه العلاقة التي تُعين على أمن التباس هذا الصنف مع بقية الأصناف الأخرى، بحيث تكون عملية التقسيم أو التصنيف لا لبس فيها بين هذا الصنف وبين ذلك، مثلًا: لاحظ النحاة أن الجر والتنوين والنداء وأل من خصائص الأسماء كما قال ابن مالك في "الألفية":
|
![]() |
إذًا هذه علاماتٌ تميّز الاسم، فاعتبروا الأسماء قسْمًا ونمطًا بعيْنه يقابله القسم الآخَر وهو: الأفعال، والقسم الثالث وهو: الحرف. فكما جعل النحاة للأسماء علامات تميّزها جعلوا أيضًا للأفعال ما يميّزها. فمن مميزات الأفعال: إسناد الفعل إلى الفاعل، وإلحاق علامة التأنيث، وغير ذلك... |
![]() |
إذًا هذه تُعدُّ علاقات وفاقية بين شريحة الأسماء وشريحة الأفعال، وعلاقات خلافية بين شريحة الأفعال والأسماء. وكذلك الحروف، فالعلامات التي تميّز الأفعال تختلف عن العلامات التي تميّز الأسماء. |
![]() |
وهذا التصنيف يقوم على ركيزتين: الركيزة الأولى: التقسيم. والأخرى: التحليل. |
![]() |
التقسيم هو: الانتقال مثلًا من الأعم إلى الأخص؛ لأن الموضوع أو عنوان الرسالة أو عنوان الكتاب عنوان موضوع، هذا العنوان يعتبر عنوانًا عامًّا شمل في داخله عدّة فصول أو عدّة أبواب. وهذه الأبواب والفصول تشتمل على جزئيات... إلى آخره. إذًا بعد العنوان يقوم بالتقسيم بحيث يعتبر هذا التقسيم انتقالًا من العامّ إلى الخاص. فعلماء المنطق عندما يقسّمون الجنس إلى أنواع، والنوع إلى أصناف، والصنف إلى أشخاص، فكذلك أيضًا عنوان الموضوع يقسّم أولًا إلى أبواب، ثم بعد ذلك يقسم الباب الواحد إلى فصول، ثم الفصل يقسم إلى مباحث، وهكذا... فهذا التقسيم أيضًا ممّا يتصل بالعامل الموضوعي في البحث. كذلك أيضًا نجد النحاة يقولون: الكلام جنس، والكلام ينقسم إلى: اسم، وفعل، وحرف. إذًا الفعل نوع من هذا الجنس وهو: الكلام. هذا الفعل الذي هو نوع يُقسّم إلى ثلاثة أقسام: ماض، مضارع، أمر. فالفعل الماضي يُعتبر صنفًا من هذا النوع. وهذا الصنف أيضًا يقسّم إلى صوَر. فهناك الفعل الماضي المبني على الفتح، مثل: ضرب، والفعل الماضي المبنيّ على الضم مثل: ضربوا، والفعل الماضي المبني على السكون: مثل ضربْتُ، وهكذا... إذًا هذا التقسيم أيضًا من الأساسيات التي تتّصل بموضوع البحث. |
|
![]() |
الركيزة الأخرى للتصنيف هي التحليل: وهي الانتقال من الأخص إلى الأعم؛ لأن النحويين لاحظوا: أن من صوَر الماضي مثلًا: ما هو مبنيّ على الفتح، وما هو مبنيّ على الضم، وما هو مبنيّ على السكون، فانتُقل من هذه الأحكام الخاصة إلى حكم عام وقاعدة تقرّر: أن الفعل الماضي يُعدُّ مبنيًّا دائمًا. |