![]() |
هذه المرحلة تتميز بالتعميمات الناتجة عن قصورٍ في الخبرة؛ لأن هذه المرحلة تعتبر مرحلة تلقائية ليست لها أسس علمية قامت عليها؛ فتتميز بأنها تعتبر مرحلة عامة وليست مرحلة متخصصة. هذه المرحلة أو هذا النوع من المعرفة يُعدُّ من الطرق البدائية الأولى. فهي تناسب المرحلة الطفولية بالنسبة للغة الإنسانية الأولى. هذه المرحلة يمكن أن يكون لها صدى في مجال البحث العلمي من حيث المعرفة الحسية، والصدى يكون بأن الإنسان الأول عرف اللغة عن طريق المحاكاة مثلًا، وهذا رأي من ضمن الآراء التي قيلت في نشأة اللغة. فهي آراء كثيرة ومتعددة. |
![]() |
فمثلًا الرأي الذي قال بأن اللغة الإنسانية الأولى نشأت عن طريق المحاكاة، كأنه أحس أصوات الطبيعة حوله وأدركها عن طريق الحس السمعي، ثم بعد ذلك حاكاها معبرًا بصوته عن مصادرها وما اتصل بها. |
![]() |
أيضًا هذه الطريقة وهي طريقة المصادفة البحتة مثلًا: عندما يحاكي الطفل بعض الحيوانات في أصواتها، هذه المحاكاة تساعده على تكوين بعض الأصوات التي تصير بعد ذلك عنده أصواتًا ذات معنى وذات مدلولٍ خاص. |
![]() |
في هذه المرحلة نجد الباحث يكون مرتبطًا بفكر أسلافه السابقين، هؤلاء الأسلاف وضعهم الباحث بالنسبة له موضع الثقة الزائدة، وأعطاهم أجَلَّ تقدير واحترام بالنسبة له، واطمأن إلى فكر هؤلاء العلماء ما دام قد اتفقوا فيه. فهو لم يحاول أن يُفكّر هنا في مناقشة فكر السابقين عليه، وإنما حاكاهم في أقوالهم وأفعالهم، واعتمد أقوالهم بأنها الأقوال السائدة النهائية التي ليس بعدها قول. واقتبس هذه الأقوال مستشهدًا بها وداعمًا لرأيه في ذلك، وظلت ممتدة في حياة الناس أو في حياة الخاصة من الباحثين. |
![]() |
وقد وجدنا الناس في القديم مثلًا يعتمدون على أفكار الفلاسفة والحكماء في تعليل وتوضيح بعض الظواهر، وما زال بعض الباحثين في الحديث يعطون لهؤلاء المفكرين القدامى اهتمامًا كبيرًا. ويرى هؤلاء المُحدَثون: أن هؤلاء القدامى كانوا على قدرٍ كافٍ في اكتشاف الحقيقة الثابتة في عصورهم، وأيضًا العصور التي تلت عصورهم. فهؤلاء اللاحقون لم يضيفوا شيئًا جديدًا على ما ذكره القدماء. فوجدنا هؤلاء اللاحقين كانت محاولاتهم دراسة ما تركه القدامى من آثار فكرية، مرة على أساس أنه سبيلُ فهمِ كلّ جديدٍ بُني عليه، ومرة أخرى على أساس أن دراسة القديم تُعدُّ وفاء لأصحابه، وهناك أمم كثيرة عاشت على هذا التراث القديم. |
![]() |
والسؤال الآن: هل الماضي وحده يكفي في البحث العلمي الآن؟ |
![]() |
والإجابة: لا يكفي الماضي وحده في مجال البحث العلمي. نحن مثلًا نجد أن أوربا خلال العصور الوسطى عاشت على فكر أرسطو وأفلاطون أكثر مما عاشت على الملاحظة وتحليل الحقائق. وهناك أيضًا شعوب حُسبت في تعداد الشعوب المتقدمة لا تزال تعيش على الفكر الذي ورثتْه عن علمائها القدامى سواء في التاريخ أو الاقتصاد، وربما أن الاقتصاد القديم لا يتناسب مع فكر الاقتصاد الحديث. يعني: في دول مثل الشيوعية فكر ماركس ما زال موجودًا، وحتى المحدَثون الآن يرفضون مناقشة فكر ماركس؛ بل يسيرون عليه ويطبقونه بحذافيره. |
![]() |
وفي مجال اللغة نجد أنّ الأبوين بالنسبة للطفل يمثلان مصدر الثقة لهذا الطفل الذي يعتمد عليهما، ويتقيّد الطفل أيضًا بما يصدر من ألفاظٍ وكلماتٍ عن أبويه فيحاول أن يحاكيهما، أو يحاول محاكاة المحيط الأسري المحيط به من إخوته وغير ذلك. فإذا خرج الطفل من هذا المحيط الضيق -وهو المحيط الأسري- إلى رحاب المجتمع الأوسع، ووقف على تقاليد هذا المجتمع اللُّغوية التي تسوده، اتخذ وسيلته إلى التفاهم مع هذا المجتمع الذي صار عضوًا فيه، ولا يحاول مجرد مناقشته في هذه الوسيلة من وسائل الفهم؛ بل إنه يعتبر هذه الوسيلة عاملًا أساسيًّا من مكونات شخصيته الاجتماعية، فلا يزال يتمسك بها ويدافع عنها ويرمي مَن يخرج عليها بالشذوذ، أو ربما يكون محلّ سخرية واستهزاء. |
![]() |
في مجال البحث العلمي أيضًا نجد الدارسين يقومون باقتباس ما كتب أهل الثقة في مجال تخصصهم، ويستشهدون بأقوالهم، ولا يحاولون الخروج على أفكارهم. هذا يوجد عند كثير من اللُّغويين الباحثين، شأنهم شأن غيرهم. فالذي يقف عند فكر العلماء القدامى ولا يحاول أن يقدّم نفسه خطوة إلى الأمام في طريق البحث العلمي، بل يحاول أن يقيّد نفسه بهذا الفكر الذي ورثه عن العلماء القدامى، ولا يحاول أن يقوِّم أسلافه بتحليل النصوص تحليلًا واقعيًّا موضوعيًّا أيضًا حتى يقدّم قواعد اللغة في ثوبٍ عصري وأسلوب يناسب العصر، هو لم يحاول وإنما اعتمد على أقوال السابقين واكتفى بترديدها لأنه من وجهة نظره ليس هناك إبداع أبدع ممّا قاله هؤلاء السابقون، وأنه ربما يأخذ بالمقولة التي تقول: "إن الأول لم يترك شيئًا للآخِر". |
![]() |
هذا إن دل فإنما يدل على عجز الباحث وكسله وخموله، وليس على عجز البحث اللُّغوي نفسه. فليس هذا وفاء في حق علمائه القدامى، وإنما هو عجز وكسل منه، وليس وفاء لهؤلاء المتقدمين لأنه لو ناقش القديم أو حاول تقديمه في ثوبٍ جديدٍ لا يُعدّ هجرًا للموروث والمأثور عن العلماء القدامى من الأفكار اللُّغوية والتراث العلمي بالنسبة لهم؛ لأن الأمة التي تتخلى وهذا ليس تخليًا عن العلوم اللُّغوية السابقة بسهولة عن ماضيها وتاريخها تُعدُّ كالنبات الذي ينبت على سطح الأرض ولا يضرب بجذوره في الأعماق، فلا يستطيع أن يثبت أمام نسمة ريحٍ، فما بالك بالعواصف والأعاصير الأخرى؟ |
![]() |
فالذي نريده من الباحث هو: أن يلجأ إلى هذا التراث الموروث من أفكار أهل الثقة حينما يصعب عليه الوصول إلى الحقيقة، وعندما لا تسعفه النصوص وتفتقد المادة اللغوية؛ فإنه في هذه الحالة عليه أن يرجع إلى آراء العلماء القدامى اللُّغويين فهم أوثق وذوو خبرة وآراؤهم لها قيمة علمية وأكثر وزنًا وقدرًا من الآراء الأخرى التي تصدر من غير سندٍ من الواقع اللُّغوي. في مثل ذلك عندما يستهدي الباحث ويرجع إلى أقوال علمائه القدامى ويسترشد بآرائهم فليس أمامه سوى هذه الحيلة. لكن إذا توفرت المادة وكثرت الوسائل التي تساعده على البحث والتنقيب، فهو في هذه الحالة عليه أن يناقش فكر هؤلاء السابقين، ليس معنى ذلك أن يقوم بهدمه، ولكن من خلال المناقشة والتعليل الصحيح لآرائهم يستطيع أن يصل الباحث إلى الحقيقة بالنسبة له، حتى ولو كان توصّله في النهاية متّحدًا إلى ما توصّل إليه الأوائل، فإنه يكون بذلك قد وقف على الحقيقة الكاملة، فليس شرطًا أن يتوصل إلى حقيقة تغاير حقيقة ما توصّل إليه السابقون. |
![]() |
عندما يجد الباحث السند اللُّغوي ويصل به البحث إلى نتائج يجدها متحدة مع النتائج التي توصّل إليها القدماء، في هذه الحالة على الباحث أن يتخذ من فكر هؤلاء القدماء أساسًا متينًا لبناء دراسته عليه، أو نقطة بدء لمسيرته البحثية في هذا البحث لإقامة صرح لمعرفة ذلك. |
![]() |
عندما ينضج فكر الإنسان وترتقي طرق معرفته، يتخطّى مرحلة المعرفة عن طريق أهل الثقة والتأثر بأفكارهم الموروثة، ليتعلم الباحث عن طريق التأمل والحوار. وفي هذه المرحلة يُعمِل الباحث عقله فيما ورثه من أفكار السابقين، فيحاول مناقشتها ليرى مدى ما تحمله من حقائق فيقرّها، أو ما تتضمّنه من خرافات فيقوم الباحث برفضها ومناقشتها. |
![]() |
إذًا الآراء كل الآراء تُعدُّ قابلة للمناقشة والحوار، فليست الآراء فيها استكبار واستعلاء على المناقشة والحوار، إنما الباحث الذي يعتمد على التأمل والحوار يلجأ دائمًا في بحثه إلى التشكك، ويتخذ من هذا التشكك وسيلة توصله إلى الحقيقة عن الكشف عن صدق هذه الحقائق التي جمعها عن السابقين. هل هذه الحقائق صحيحة؟ أم مزيّفة؟ |
![]() |
في هذه المرحلة يميل الباحث أيضًا إلى التأمل والفلسفة، والتدليل العقلي المنطقي. فمثلًا في مجال اللغة: نجد تلك المرحلة واضحة حين يأخذ الفرد في مساءلة نفسه عن العلل والأسباب، ولماذا كان هذا ولم يكن غيره؟ كأن يحاول التعرف على ... |
| ... العلاقة مثلًا بين اللفظ ومدلوله، ولماذا اختص هذا اللفظ بهذا المعنى؟ وقد مرَّ التفكير اللُّغوي العربي بهذه المرحلة؛ وهي مرحلة فلسفة القواعد النحوية، وكثرة التعليلات والتوجيهات والعلل وما شاكل ذلك... | |
![]() |
مر الدرس اللُّغوي العربي بهذه المرحلة في فترة متأخرة من فترات الدراسة اللُّغوية، حيث استخدم الدارسون التعليل المنطقي أو التعليل الفلسفي في المسائل اللغوية لكي يتوصلوا إلى الحقيقة أو تأكيد الحقائق التي توصّل إليها العلماء السابقون. لكن اللغويون أكثروا من هذه التعليلات حتى خصّها بعضهم بمؤلَّف. وجدنا مثلًا: كتاب "الإيضاح في علل النحو" للزجاج قد اختص ببيان العلل النحوية، فأصبحت هذه العلل تحمل كتابًا مستقلًا من خلال المحاولة والتشكك في صحة ما قاله العلماء، حتى وصلوا من خلال هذا الشك إلى الحقائق التي وصل إليها، أو معرفة الحقيقة كاملة كما رآها العلماء. |
![]() |
أيضًا ربما يكون الحديث عن العوامل النحوية نفسها؛ مثلًا: إذا نظرنا إلى كتاب "الرد على النحاة" لابن مضاء، نجد: أن العوامل النحوية التي عالجها ابن مضاء كانت مخالفة تمامًا لفكر اللُّغويين؛ ولذلك هذه القضية أو هذا الاتجاه الفكري دعا ابن مضاء وغيره إلى الثورة على هذه العوامل والدعوة إلى إلغاء جميع العوامل النحوية. |
![]() |
ونحن أيضًا لو نظرنا في مجال البحث اللُّغوي، في مجال القياس في اللغة، نجده يُعتبر من نتاج هذه المرحلة الاعتمادية، أو التي تتخذ الشك وسيلة لها، حين حاول النحاة أن يُخضِعوا الظواهر اللغوية للمنطق كان مظهر ذلك الاطّراد والقياس -أي: قياس غير المعروف على المعروف-، وحمْل ما لم تتكلم به العرب على ما تكلمت به ما دام يشاركه في العلة والسبب، فكان المعروف لسماعه من العرب ورواية الثقات له بمثابة المقدمة التي تُسْلِم حتمًا إلى النتيجة. فإذا لم تُسلم هذه المقدمة إلى نتيجة ماذا يكون؟ هل عُدَّت من الشذوذ، أو من الضرورات، أو من الألفاظ التي تُسمع والتي تُحفظ ولا يقاس عليها؟ وهذا يُعدُّ ضرب من ضروب التفسير العقلي والقياس المنطقي وليس القياس اللُّغوي. |
![]() |
الذين ساروا على هذه الطريقة إنما ساروا عليها عندما وجدوا فيها من خداعٍ أحيانًا؛ لأنها تشغل الباحث بالعمليات العقلية والحوار الماهر بدلًا من التركيز والاهتمام على البحث عن الحقيقة ذاتها. إن هذه الطريقة لا تكشف عن المجهول، وهي: طريقة الجري وراء القضايا الفلسفية والمنطقية في اللغة، لا تكشف عن الحقيقة ذاتها، وإنما هذه الطريقة الفلسفية تفيد الباحث في تنمية قدرته على الجدل العلمي. فهي لا تسمح له بالابتكار والتجديد والكشف والوصول إلى الحقيقة، وإنما تجعل العقل دائمًا سَجِين المعارف السابقة، يقلّدها تقليدًا غير واعٍ، وتُبعده عن الملاحظة المباشرة للواقع اللُّغوي. |
![]() |
هذه الخطوة أو هذه المرحلة بها خطورة في طرق التعلم في مختلف المجالات، وخاصة خطورتها في مجال اللغة؛ لأنها تكمن في إمكان وقوع الخطأ في المقدمات ممّا يترتب عليه استمرار الخطأ في النتائج. ربما كان هذا ما دعا ابن مضاء إلى نظرية العامل التي افترض النحاة سلامتها؛ فأدت بهم إلى افتراضاتٍ وتمحلاتٍ بلغت حدّ التعسف الذي لم يرض عنه ابن مضاء ومن سار على منواله، حتى واتت الشجاعة ابن مضاء فأعلن رأيه فيما ذهب فيه إلى إلغاء العامل النحوي. |
![]() |
يستخدم الإنسان العقل في هذه المرحلة استخداما علميًّا سليمًا، حيث يعتمد على المادة العلمية، ويتخذ من الواقع منطلقه للبحث، ويجعل من الاستقراء هاديًا له ومرشدًا. وتتّسم هذه المرحلة بالتدليل العقلي الاستقرائي، بحيث ينتقل فيها الباحث من الجزء إلى الكل. كما أنها أيضًا تتسم بالتدليل الاستنباطي، والاستنباط هو: أن يتوصل الباحث من خلال الكليات العامة إلى الجزئيات الخاصة. فهذه الطريقة تلجأ إلى صياغة الافتراضات العلمية بعد تجميع كل الحقائق المتعلقة بالموضوع، وتلجأ أيضًا إلى التجارب وصياغة نتائجها في قوانين علمية. |
![]() |
مرحلة البحث والتحقيق العلمي هي مرحلة أكثر تقدمًا من المراحل التي سبقتها؛ لأن الباحث في هذه المرحلة -وهي: الموضوعية- يصل إلى الحقائق العلمية، وهذه الحقائق يستخلص منها النتائج. وهي نتائج علمية؛ لأنها قائمة على الموضوعية والشمولية والتحليل. فهي تُخضع جميع الجزئيات للتحليل واستنباط الحقائق من هذا التحليل دون تدخل من الباحث لتحقيق غرض مسبق. فالباحث في هذه المرحلة يُثبت النتائج الموضوعية التي توصّل إليها من خلال البحث دون محايدة أو انحراف عن الحقيقة، ولم يتأثر بهوى أو بفكر سبقه، أو يثبت فكرة معينة تبعًا لهواه، وإنما يقوم بالتحليل الموضوعي ومن خلاله يتوصل إلى النتائج التي تسفر عنها حقيقة هذه الموضوعية في هذا التحليل. |
![]() |
من خلال هذه المراحل السابقة نرى: أن الإنسان لا يصل إلى هذه المرحلة الموضوعية -وهي أعلى المراحل- إلا بعد أن يقطع شوطًا كبيرًا في التفكير، وبعد أن ينضج عقله وتتسع مداركه العلمية؛ لذلك كانت هذه المرحلة أرقى مراحل البحث وأرقى مراحل التعليم وأعلى المنازل. |
![]() |
هناك سؤال: هل المراحل التي ذكرناها تُعدُّ كل مرحلة منها منفصلة عن الأخرى؟ |
![]() |
والجواب: أن هذه المراحل ليست منفصلة بعضها عن بعض؛ لأن الباحث ليس بمجرد بلوغه مرحلة منها يمكن أن يستغني عن المرحلة التي سبقتها فلا يلجأ إليها في اكتشاف المعارف. فكل مرحلة من المراحل السابقة تُعدُّ مكمّلة للمرحلة التالية لها، كما أن المراحل قد تتداخل خاصة في المعارف الإنسانية، واللغة دراسة إنسانية أو فكرية. |
![]() |
فالباحث اللغوي يتخذ من التدليل العقلي الاستقرائي والاستنباطي والتجربة منهجًا لبحثه وطريقًا يوصله إلى الحقائق. قد يلجأ الباحث إلى المناقشة والحوار والتأمل، بل قد يلجأ أيضًا إلى الاعتماد على أقوال الثقات من اللُّغويين. |
![]() |
الباحث في مجال اللغة العربية خصوصًا لا يستطيع- وليس في إمكانه- أن يصطدم مع الأفكار السائدة، خاصة وأنها قد تتصل بالدين أو القيم التي يتمسك بها المجتمع. |
![]() |
نعم، قد يتوصل الباحث عن طريق المصادفة الواعية التي تأتي عن طريق الملاحظة الذكية إلى: أن يكتشف ما يوجّه بحثه وجهة لم تكن في الحسبان في بدء عمله. فكثيرٌ من الباحثين تعرَّض لمثل ذلك. كم من باحث وقع على دقائق وحقائق لم يكن يعرف عنها شيئًا في بداية بحثه، هذه الحقائق وجّهتْه في بحثه وجهة أخرى لم يكن متوقعًا في بادئ أمره أن يصل إليها. |
![]() |
هناك كثير من الباحثين توصّل إلى آثار وحقائق علمية دقيقة، هذه الآثار ربما لم يستنتجها أو لم يتوصل إليها السابقون، ولم يتوصلوا إلى حقائق فيها تُماثل الحقائق التي توصّل إليها المُحدَثون. على سبيل المثال: ذُكِرَ في "المعجم": أن الفارابي صاحب "ديوان الأدب" هو: مؤسس مدرسة القافية المعجمية وليس ابن أخته الجوهري. وقد ناقشنا هذه القضية في مادة: المعاجم اللُّغوية. كذلك أيضًا فيما يتصل بقضايا اللهجات العربية، مثل الكشكشة، والشنشنة، والعجعجة وغير ذلك، قد توصّل بعض الباحثين من خلال هذه المصطلحات إلى ... |
| ... وصفٍ دقيقٍ لهذه المصطلحات. ومن أراد أن يعرف حقيقة هذه المصطلحات مثلًا فعليه أن يقوم بمراجعتها في كتب اللهجات العربية الحديثة. | |
![]() |
هل معنى أن هناك بعض الأشياء التي يكتشفها الباحث عن طريق المصادفة القائمة على الملاحظة والتجربة في البحث: أننا ندعو الباحثين إلى: أن يعتمدوا في بحوثهم على طريق المصادفة؟ أو ندعوهم إلى: أن يتركوا أنفسهم لهذه المصادفة لكي تحلّ المشاكل البحثية في أبحاثهم؟ لا، أيضًا هذه مراحل وكل مرحلة لا تنفصل عن الأخرى. |
![]() |
كذلك يجب على الباحث أيضًا: أن يكون فطنًا، وأن يكون واعيًا مستعدًّا للإفادة من الأحداث التي قد تطرأ فجأة على الباحث أو البحث دون توقع من الباحث أن يرى مثل ذلك، فلا يتركها تمرّ دون الإفادة من أحداثها. | |
![]() |
كما يجب على الباحث أيضًا: أن يكون مُهَيِّئًا نفسه وفكره لإمكان حدوث اكتشاف عن طريق المصادفة أثناء البحث. فلو كان هذا الاكتشاف جاء عن طريق المصادفة فليس من الواجب على الباحث أن يتجاهله، وإنما طالما أنه اكتشفه عن طريق المصادفة عليه أن يحرص عليه وأن يستفيد منه؛ لأنه ربما كان فيه إثراء للعلم، أو اكتشاف جديد يستفيد منه في مجال عمله، أو يستفيد منه الباحثون بعد ذلك، أو ربما أن هذا الاكتشاف الذي جاء عن طريق المصادفة يصحح بعض المفاهيم الخاطئة التي استقرت في النفوس. |
![]() |
هذا هو العامل الذاتي الذي نهدف من خلاله الوصول إلى بحثٍ جيدٍ. |
![]() |
وهناك أشياء تتصل بهذا العامل، مثلًا: |
![]() |
على الباحث أن يفتش عن الحقيقة بأي وسيلة من الوسائل، وطريق الحقيقة طويل شاق لا يمكن أن يسلكه ويصل إليها إلا من توافرت فيه شروط. | |
![]() |
كذلك أيضًا يجب على الباحث: أن يتحلى بالروح العلمية. فالشق العلمي مثلًا يُعدّ جزءًا من الروح العلمية، هذه الروح ليس معناها: سعة اطلاع الباحث وكثرة المراجع والشك المنهجي، أو الصبر على المتاعب؛ بل الروح العلمية هي: جملة خصائص، منها: الإنصاف، الأمانة، النزاهة، الموضوعية، القدرة التنظيمية، الجرأة، وهكذا... والإنصاف يقتضي التجرد من الهوى، والأمانة تقتضي إعطاء الآخرين أو السابقين حقوقهم من نسبة الأقوال إليهم، وغير ذلك... وتقتضي أيضًا: أن تكون لدى الباحث قدرة تنظيمية تساعده على تنظيم أبواب البحث في الموضوع. | |
![]() |
كذلك يجب عليه أن تكون لديه الجرأة، وليس معناها الوقاحة في أي وجه من الوجوه؛ بل الجرأة هي: القول عن الباطل بأنه باطل، وعن الحق بأنه حق، دون خوفٍ أو وجلٍ أو مجاملة لأحدٍ أو مداهنة؛ لأن البحث العلمي ليس ... |
| ... فيه صديقٌ ولا عدوٌّ. فالهدف منه: الوصول إلى الحقائق العلمية. ولذلك عندما سُئل أرسطو: لماذا تناقض أفلاطون في آرائه وهو صديقٌ لك؟ أجاب: "إن أفلاطون صديقي، ولكن الحق أوْلى بالصداقة منه". وأحسن ما تكون الجرأة عندما يكون هناك اعترافٌ بالخطأ، والاعتراف بالخطأ فضيلة؛ ولذلك يقول الله عز وجل: ((وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [البقرة: ٤٢]. |
![]() |
وقد وجدنا علماء العربية القدامى يهتمّون بصفات الباحث أو العالم؛ وقد قال الإمام مالك في شروط الأخذ عن المتحدّث: "لا يؤخذ الحديث من سفيه، ولا من صاحب هوًى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذّاب يكذب في أحاديث الناس، ولا من شيخ له فضلٌ وصلاحٌ وعبادة إذا كان لا يعرف ما يُحدّث به". هذه صفات اشترطها العلماء في صفات الباحث. |
![]() |
كذلك أيضًا من العوامل التي يجب أن تشترط في الباحث :أن يكون متمكنًا من لغته في ميدان بحثه ومناهجه وكيفية إجرائه. وكذلك التفكير العلمي مطلوب أيضًا في البحث العلمي؛ لأن التفكير العلمي السليم لا يميل إلى العمومية أو الشمولية، وإنما يفرض على الباحث أن يسرد كلّ الحقائق العلمية المتعلقة بالموضوع، وأن يقوم بوصفها في إطار المنطق الصحيح. فلا يأخذ آراء أهل اللغة أو أهل الثقة دون أن توضع هذه الآراء موضع الاختبار والتعليل، وهل هي موافقة للقياس، أو انطبقت عليها شروط الأخذ كما وصفها علماء اللغة، كل ذلك لإظهار الحقيقة تامة. |