لا يمكن لعاقل أن يتجاهل أهمية البحث العلمي، وما يقدِّمُه هذا البحث للإنسانية جميعًا.
بعد أن كان الإنسان البدائي الأول يفترش الأرض ويلتحف السماء، أصبح الآن يجتاح أجواء الفضاء. وبعد أن كان لا يستطيع التفاهم مع بني جنسه إذا ما خَيَّم الظلام أو بَعُدوا عنه عشرات الأمتار، صار الآن يتفاهم مع أخيه الإنسان في أي مكان كان، ويمتلك من أسباب الحضارة والرفاهية ما لم يخطر على بال.
كل هذا راجع إلى: أن الإنسان قد احترم عقله الذي فضّله وكرمه الله به على سائر المخلوقات الأخرى؛ قال الله -عز وجل: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)) [الإسراء: ٧٠]؛ لذلك استخدم الإنسان حواسّه وأعمل تفكيره في كلّ شيء حتى وصل إلى ما وصل إليه مِن تقدُّم.
فالبحث العلمي يُحتِّم على الإنسان إتمام المسيرة لكي يستطيع أن يكتشف المزيد من الحقائق العلمية التي ما زالت مجهولة، أو التي ما زالت محفوفة بالغموض؛ فلا بد أن يتمم هذه المسيرة.
وكذلك العلوم العربية والإسلامية أيضًا ما زالت بحاجة إلى البحث العلمي بكلّ المضامين وبكل الوسائل؛ لأن لدينا تراثًا ضخمًا طالت عليه قرون فهو في حاجة إلى من يقوم بنفض الغبار عنه، سواء في مجال التحقيق، أو في مجال الدراسة العلمية. لذلك يجب على...
٢.١ أهمية البحث العلمي، وفائدته
...
الإنسان: أن يتسلح بسلاح البحث العلمي في سبيل الكشف عن أبعاد ذلك التراث، وبعثه من جديد، ويقدمه للقارئ الحديث في ثوب جديد.
إذا كان البحث العلمي يهدف إلى تلبية رغبات الإنسان وسد حاجاته لأن حاجة الإنسان لا تنتهي ولا تقف عند حد، فاللغة التي يتكلّمها الإنسان ما زالت بَعْد في حاجة إلى مزيد من البحث والدراسة لكشف المزيد من أسرارها، سواء كانت هذه الأسرار متعلقة بماضيها أم بحاضرها.
ولنضرب مثالًا بتاريخ اللغات، وعلى وجه الخصوص ماضي اللغة العربية.
فنحن إلى الآن ما زلنا لا نعرف تاريخ اللغة العربية الذي ما زال مجهولًا لنا، ولا نعرف سوى التراث الجاهلي الذي وصلنا، وهو لا يتعدى قرنين أو ثلاثة من الزمان قبل ظهور الإسلام. فنحن لا نعرف مثلًا إلا القَدْر اليسير فقط عن: طفولة اللغة العربية، ومراحل تطوّرها حتى وصلت إلى هذه الصورة التي وصلتنا في تراث الأدب الجاهلي.
كذلك أيضًا إذا كان هذا بالنسبة للعربية القديمة، فما بالك أيضًا بالعربية الباقية التي نتحدثها اليوم ونكتب بها، فهي أيضًا لم تأخذ حظها من الدراسات التاريخية التي توضّح لنا التغيرات التي تعاقبت على مظاهرها المختلفة من الأصوات، والصرف، والنحو، والدلالة، وغير ذلك... لذلك فالبحث العلمي الصحيح يهدف إلى اختراق حواجز الزمان وحواجز المكان أيضًا، ويحقق الاتصال بين
...
٢.١ أهمية البحث العلمي، وفائدته
...
أبناء الجيل الواحد، وكذلك أيضًا بين الأجيال المتعاقبة؛ لأنه في نطاق الفرد له هدف وغاية تتمثل في تنمية قدراته وملكاته من التفكير والخيال وحب الاستطلاع، والحدس، والتخمين، وغير ذلك...
كما أن البحث العلمي أيضًا يُحَمِّل الإنسان المسئولية والصبر على مكابدة البحث، وتحمّل المشقات في سبيله.
الجدير بالذكر: أن البحث العلمي لا يهدف إلى الجديد المبتكر في جميع الظروف والأحوال؛ لأن ذلك يحدث نادرًا ولا يأتي إلا من القلائل الذين وُهِبوا عقلية خاصة تختلف عن أقرانهم. وأكثر هؤلاء الموهوبين يكونون في مجال العلوم التجريبية، أما في مجال اللغة فغالبًا ما تكون الغاية في مجال البحث اللغوي: شرح الغامض من بعض الأشياء، أو إتمام ناقص في كتاب سابق، أو اختيار كتاب مطوّل يقوم الباحث باختصاره، أو جمع مسائل متفرقة في موضوع واحد، أو تصحيح أخطاء، أو نحو ذلك...
الدافع إلى العمل في ميدان البحث العلمي
لا بد أن تكون هناك أسباب أو سبب يدعو كل باحث في مجال عمله لكي يدفعه إلى مواصلة البحث والكد فيه. هذه الأسباب تجعل الإنسان يفضّل أن يكون باحثًا على أن يكون شيئًا آخر. تلك الأسباب والدوافع تكون متفاوتة وليست متساوية. وهذه الأسباب التفاوت فيها متوقف على مقدار تسلط الباحث وقدرته على هذا البحث.
٢.١ أهمية البحث العلمي، وفائدته
أقوى الدوافع على اختيار هذا العمل والاستمرار فيه هو: العامل أو الميل الغريزي نحو سلوك البحث. فشأن البحث شأن كلّ السلوكيات الأخرى للحياة العادية: يفحص الباحث البحث، ويختبر نفسه، ثم يقلّب معلوماته فكريًّا، ويختبر نفسه من حيث القدرة العلمية، ومن حيث مكانته أيضًا في جمع المادة، ومن حيث المكتبة، وغير ذلك... كل هذه الوسائل أيضًا -كما سنتحدث عنها بعد ذلك- من أهم مقومات البحث ونجاح البحث.
السلوك البحثي أيضًا يحتاج إلى من يتعهده بالرعاية والتوجيه، وهذا أيضًا من ضمن الدوافع إلى الخوض في مجال البحث؛ فلا بد أن يكون هناك من يوجّه الباحث إلى من هو أفضل وأحسن في خدمة هذا البحث حتى يصير البحث بالنسبة للباحث عادة عالية، ويصبح في نهاية الأمر طريقًا مريحًا في الحياة.
ولذلك مثلًا في عملية التوجيه نجد أن في عملية الإشراف على الرسائل لا بد وأن يكون لكل رسالة من مشرف أو أكثر لكي يقوم المشرف بتوجيه الطالب في مساره العلمي؛ لأن الطالب في هذه الحالة تكون معرفته العلمية ما زالت محدودة وقاصرة. فلا بد أن يكون هناك مشرف يوجّهه إلى الطريق الصحيح، ويفتح أمامه طريق البحث فيما يتصل بالنقاط والموضوعات التي تخدم موضوعه.
إضافة إلى هذين العاملين أو الدافعين أو السببين كما تسمّيهما، هناك سبب آخر يزيد من نبل الباحث والبحث أيضًا. هذا السبب كأن يفطن الباحث إلى ما خصه الله به من العقل والتفكير والنظر والتمييز فيمضي باحثًا عن حقائق الأشياء، وهذا يعتبر أيضًا سبباً خصّه الله -سبحانه وتعالى- لمن يقوم بالبحث عن حقائق الأمور ومعرفة أسرارها؛ لذلك يكون الباحث ...
٢.١ أهمية البحث العلمي، وفائدته
...
قد ميّزه الله بميزة عن غيره، أن جعله متوجّهاً هذا التوجيه لبيان حقائق الأمور والأشياء، وتقديمها للناس في حياتهم. فيكون الباحث مدفوعًا نحو بحثه وميدانه بدافع ديني إذا كان البحث يتعلق مثلًا بالعقيدة، فيكون القصد من هذا البحث الديني هو: إرضاء الله -سبحانه وتعالى- ورسوله، وهذا كان الهدف عند علماء المسلمين الأوائل الذين بحثوا في الشريعة وموادها، وفي اللغة وعلومها، وغير ذلك... فالهدف من ذلك: خدمة دينية للغتهم، وكذلك إرضاء لله -سبحانه وتعالى- بأن هذا هو واجبهم نحو لغتهم.
ربما قد يسعى الباحث في بحثه من خلال تحصيل منفعة خاصة أو عاجلة، وهذه قد تتمثل مثلًا في عائد مادي، أو منصب، أو تحقيق شهرة، أو نيل درجة علمية، وهكذا....
إذًا هذه من ضمن الأسباب والدوافع التي تدفع الباحث إلى العمل في البحث.
كي يتقدم الباحث مثلًا، لكي يسجِّل موضوعًا للحصول من خلاله على رسالة الماجستير، أو الدكتوراه، هذا أيضًا تحصيل منفعة بالنسبة له، فهي أيضًا من ضمن الأسباب.
هناك دوافع أخرى نحو البحث مثلًا: مثل بعض المؤسسات التي تقوم بعمل الجوائز، وتشجيع الأبحاث عن طريق الهيئات والمؤسسات، ومجامع البحوث العلمية واللغوية؛ فالدولة تقوم بذلك لأنها حريصة على تقدم العلم، وعلى الإسهام في
...
٢.١ أهمية البحث العلمي، وفائدته
...
بناء الحضارة؛ فليس هناك مانع للباحث أن يكون مدفوعًا إلى البحث بسبب من ذلك، أو بآخَر، أو بهذه الأسباب كلها. وكلما قويت الأسباب وكان القصد حسنًا والنية سليمة كان ذلك أعون على إخراج البحث في صورة مُرْضِية للباحث أولًا، ثم للقارئ ثانيًا. وهذا يكون عملًا يُحسب للباحث من خلال قُرَّائه، والحديث النبوي الشريف يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
٢.١ أهمية البحث العلمي، وفائدته
أهداف البحث
الهدف من البحث العلمي -كما قلت- هو: البحث عن حقيقة الأشياء، ومعرفة معالمها الحقيقية، واستكمال الحقائق؛ هو يعتبر بيت القصيد لدى كل الباحثين.
يمكننا أن نوضح أهداف البحث العلمي في النقاط التالية:
إضافة معرفة جديدة حول فكرة معينة أو نظرية ما. على سبيل المثال: إننا مثلًا في مجال البحث اللغوي ربما يأخذ الباحث فكرة معيّنة من الأفكار التي تتعلق باللغة، ويقوم باستقصاء ما كتب حول هذه الفكرة، ثم بعد ذلك يناقش هذه الآراء التي كُتبت حول هذه الفكرة وهذه القضية.
بعد ذلك يوضّح لنا الباحث جهده، ثم ما توصّل إليه من خلال معالجته لهذه الأفكار السابقة. يبيّن لنا وجهة نظره، والجديد الذي توصّل إليه في هذه القضية.
ربما أيضًا يكون الهدف من البحث هو: الوصول إلى حقيقة أو قاعدة، أو التحقق من صحة الحقيقة، أو التحقق من صحة القاعدة. هنا دراسة تأصيلية: يحاول الباحث الوصول إلى الحقيقة، أو إلى القاعدة العلمية التي وضعت في مثل هذه القضية.
ربما أيضًا يكون الهدف من هذا البحث هو: وضع الحلول لبعض المشكلات اللغوية المطروحة للدراسة، فلا يستطيع الباحث أن يضع حلًّا لها إلا من خلال الدراسة. فمن خلال الدراسة وما تسفر عنه نتائج هذه الدراسة، يستطيع الباحث أن يضع الحلول المناسبة دون تحيّز إلى هذه المشكلة.
الرابعة
ربما يكون الهدف من البحث: جمع الظواهر، أو جمع مادة الدراسة ووصفها، ووضع القوانين اللازمة التي تحكمها وتضبطها.
على سبيل المثال: ربما يريد الباحث مثلًا: دراسة ظواهر لغوية في شعر شاعر من الشعراء؛ فإنه يحاول أن يجمع هذه الظواهر المتعلقة التي وجدت في ديوان هذا الشاعر، أو فيما كتب عن الشاعر. فليست الظواهر مقصورة، وإنما يتناول الديوان،والذي يعتبر مصدر الدراسة بالنسبة للباحث. ثم بعد ذلك يتناول ما كتب عن هذا الشاعر؛ لأن الكتابات التي كتبت من غير الشاعر على الشاعر وإن كانت قد كتبها غير الشاعر إلا أنها تخدم الباحث في مجال دراسته. فيقوم بجمع هذه الظواهر، ثم بعد ذلك يقوم الباحث بتصنيف هذه الظواهر على حسب مستويات الدراسة التي يقوم بها. إذا كان مقتصرًا على ...
... الدراسة الصوتية، فإنه يقصر بحثه على الدراسة الصوتية. وإذا كان بحثه مقتصرًا على الدراسة الصرفية فقط، يقصره على الدراسة الصرفية، أو على النحوية، وهكذا... ثم بعد ذلك يقوم بتصنيف كلّ مستوى على حسب ما رآه من هذه الظواهر، فيرصد الظواهر التي وجدها حقيقة في شعر هذا الشاعر، ثم يوضّح ذلك ويضع لها القوانين المناسبة لما رآه.
أيضًا ربما يكون الهدف من البحث: الكشف عن المجهول في أيّ ناحية من نواحي الحياة. على سبيل المثال: هناك بعض الاكتشافات العملية مثلًا: البحث في مجال الطب، أو في مجال الآثار الذي يكون عمله الكشف عن مجهول. فعندما يقوم الباحث في الآثار بالتنقيب والبحث والحفر في أماكن محددة، ربما يجد، وربما لا يجد؛ فإذا وجد ففي هذه الحالة قد اكتشف مجهولًا بالنسبة له، وكذلك أيضًا في مجال اللغة وغير ذلك...
فمجال البحث اللغوي يتشعّب ويتّسع تبعًا لاتّجاه الباحثين في مجال اللغة.
٢.١ أهمية البحث العلمي، وفائدته
أهداف البحث بالنسبة لمجالات الدراسة اللغوية
بالنسبة لمجالات الدراسة اللغوية يمكننا أن نضيف إلى الأهداف السابقة ما يلي:
الهدف من الدارسة اللغوية هو: الشرح أو الاختصار لأعمال لغوية سابقة. هناك بعض الكتب تحتاج إلى شرح وتوضيح لبيان الألفاظ فيها، فيقوم الباحث مثلاً بتحقيق هذا الكتاب، وشرح ما يراه غامضًا ويحتاج إلى توضيح في هذا الكتاب؛ فهذا أيضًا عمل بحث.
هناك أيضًا بعض الكتب لكنها مطوّلة فتكلّف الباحث أو القارئ الكثير من الوقت، فيحاول الباحث الآخر أن يقوم باختصار هذه المطولات في صورة مختصر بسيط يستطيع القارئ أن يقرأه في وقت موجز. وقد وجدنا الكثير من الكتب التي اختُصِرت اختصارًا نافعًا، مثل: "مختصر ابن كثير"، وغير ذلك من هذه الكتب...
وربما يكون الهدف: إعادة ترتيب وتنظيم بعض الكتب، وخاصة في المعاجم اللغوية. فمثلًا معجم "لسان العرب" لابن منظور هذا المعجم يسير على منهج مدرسة القافية التي تجعل الحرف الأخير بابًا، والحرف الأول فصلًا منه، هناك بعض الباحثين المُحدَثين مَن قاموا بترتيب هذا المعجم، وترتيب مواده في داخله على منهج مدرسة الأبجدية العادية، وتركوا منهج مدرسة القافية الذي سار عليه المؤلف؛ لأن ترتيب مدرسة الأبجدية العادية أيسر المدارس المعجمية من حيث الترتيب، فيستطيع أي باحث في مجال اللغة، أو في المعجم -إذا لم يكن له دراية، أو صلة بالمعاجم-: أن يبحث في المعجم ويصل إلى ما يريده من خلال هذا الترتيب الأبجدي.
أيضًا ربما تكون الدراسة هي دراسة المسائل الخلافية، والترجيح بين فريقين، أو بين مذهبين أو مدرستين، أو ما شاكل ذلك... مثلًا: كالدراسة التي قام بها ابن الأنباري في كتابه "الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين"؛ فهو يذكر رأي الكوفيين، ثم رأي البصريين، ويذكر أدلة كل رأي، ثم يرجح بعد ذلك، وهكذا... أو ربما يقوم باحث بالموازنة والمقارنة مثلًا بين الفصحى والعامية، أو بين المادة المعجمية في مدرسة القافية ومدرسة التقليبات الصوتية، أو بين مدرسة وأخرى، وهكذا...
يدخل في مجال البحث اللغوي أيضًا: عرض وتقديم ودراسة بعض المصادر الدراسية، حيث يقوم الباحث بتحقيق كتاب. فيقوم بتحقيق النص تحقيقا لغويًّا سليمًا، ثم يقدّم لهذا التحقيق تعريفًا بالكتاب والمؤلف، ثم دراسة عن الكتاب، وعن مؤلفه.
هناك أيضًا مما يتصل بالدراسات اللغوية: النقد والاستدراك على بعض المؤلفات اللغوية. فقد قامت بعض الكتب باستدراك ما فات اللغويين، مثل: الكتب التي أُلّفت حول الاستدراكات على "الصحاح"، وغير ذلك كما فعل ابن بري... إلى آخره.
هناك أيضًا ما يتصل بمجال اللغة من رد الشبهات، وتحليل بعض القضايا التي تثار حول العربية والفصحى وغير ذلك...
كذلك أيضًا مما يتصل بالبحث اللغوي: الموازنة بين العربية وغيرها من اللغات السامية الأخرى في استنباط القواعد والأصول، وغير ذلك...