٥.١ منهج البحث التاريخي


مقدمة

يختلف الناس بفطرتهم فيما يتناولون من الأمور، وما يسلكون من طرق البحث والاستنباط. ولكل منهم موازين معيّنة يهتدي بها في تفكيره، ويعتمد عليها في استنباطه، وتكوِّن له منهجًا خاصًّا يتميّز عن المنهج الفكري لغيره، ويسيطر على فقهه.
ولقد دار حول لفظ "منهج" جدل طويل بين رجال الفلسفة، والمنطق، وعلم المناهج، ولبست هذه اللفظة لباسات متعدِّدة بمرور الزمن منذ القرن السادس عشر حتى الآن.
يُعرَّف "المنهج" بأنه: الطريقة المتبعة. ولا بد لتصور الجهود العقلية من وجود طريقة متّبعة في التفكير. ويختلف المفكرون فيما بينهم في هذه الطُّرق، وبالتالي تختلف النتائج التي يَصِلون إليها.
أما "المِنهاج العلمي" فهو: تلك المجموعة من القواعد والأنظمة العامة، التي يتم وضعها من أجل الوصول إلى حقائق مقبولة حول ظاهرات موضوع الاهتمام من قِبل الباحثين في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية.

٥.١ منهج البحث التاريخي


تعريف: "التاريخ"

يعرَّف :التاريخ" بأنه: كلّ ما حدث، أو هو: رواية وتدوين كلّ ما حدث. وهو: فعالية علمية من فعاليات المعرفة البشرية، تتسع حاستها لكل شئون الإنسان. وقد عرَّفه بعض الباحثين: بأنه التدوين الموثَّق للأحداث الماضية. وعرّفه البعض الآخر بأنه: وصف الحقائق التي حدثت في الماضي بطريقة تحليلية ناقضة.
ومن هذين التعريفين نستخلص: أنّ علم التاريخ لا يمكن فصله عن المنهج التاريخي؛ وذلك باعتبار أن البحث أو التقصي العلمي وسيلة موضوعية هدفها: الوصول إلى نتائج أو قوانين أو قواعد يمكن تعميمُها واستخدامُها للتنبؤ بما يحدث في المستقبل ضمن السياق التاريخي.

تعريف منهج البحث التاريخي

أما منهج البحث التاريخي فنعرِّفه بأنه: مجموعة الطرائق والتقنيات التي يتّبعها الباحث التاريخي والمؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية، وإعادة بناء الماضي بكل وقائعه وزواياه، وكما كان عليه في زمانه ومكانه، وبجميع تفاعلات الحياة فيه.

٥.١ منهج البحث التاريخي


وهذه الطرائق قابلة دومًا للتطور والتكامل، مع تطور جموع المعرفة الإنسانية وتكاملها ومنهج اكتسابها.
لقد دار جدل ونقاش حول طبيعة المادة التاريخية، وطرائق الوصول إلى الحقائق العلمية المجردة الثابتة، وكان على المؤرخين أن يثبتوا أن التاريخ معرفة علمية دقيقة، غنية بتجربة قرون طويلة، لها منهج أو طرائق في البحث أو الاستقصاء عن الحقيقة، لا تقلّ في عِلميتها وصحة وسائلها عن مناهج العلوم الوضعية الأخرى....
بحث عددٌ من المؤرخين في طرائق علم التاريخ، وأثبتوا في كتبهم ومقالاتهم: أن علم التاريخ علم يعود إلى الحقيقة الثابتة والمؤكدة، وفي عام (١٨٩٤م) صدر كتاب حول منهج البحث التاريخي قام بوضعه "أرنست برنهام" جمع فيه ما كُتب عن المنهج التاريخي. وكان كتابًا لنخبة المثقفين لا يتضمن طريقة صحيحة في البحث لمن يريد.
أما المؤرخ "فوستل دوكو لانج" فقد قام بتحويل قواعد المنهج التاريخي إلى دساتير دقيقة جدًّا، وكان أول كتاب بسط فيه إلى حد ما منهج البحث التاريخي هو: الكتاب الذي ألفه المؤرخان الفرنسيان "لانغلو" و"سينوبوس" في أواخر القرن التاسع عشر، وأطلق عليه اسم "مدخل للدراسات التاريخية" صدر في باريس سنة (١٨٩٨م)، وقد تُرجم جزء منه إلى اللغة العربية.

٥.١ منهج البحث التاريخي


منهج البحث التاريخي عند العرب

نشأ علم التاريخ عند العرب المسلمين فرعًا من علم الحديث، وقد سعَوْا إلى المصادر الموثوقة، وإلى الرواية الشفوية. واهتم مؤرِّخوهم بالمكان، فمزجوا بين الجغرافيا والتاريخ، من مثل: المسعودي وابن النديم؛ ومن ثَمَّ اعتمدوا على الوثائق الرسمية في مدوّناتهم من مثل: اليعقوبي، والبلاذري، والطبري، وابن الجوزي، والعماد الأصفهاني. كما اعتمد بعض المؤرخين النقوش الكتابية على الأبنية، كالخطيب البغدادي، وابن الشحنة، والأزرقي، وكذلك النقوش على الأختام. وقد أشار ابن خلدون إلى هذا المضمون الشامل لمصادر التاريخ حين قال في "مقدمته": "إن المؤرخ محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة".