٤.٣ قبسات منهجية من التراث العربي الإسلامي


قبسات منهجية من التراث العربي الإسلامي

تميز الإسلام منذ انطلاقته بمبادئه الأولى ومنها التوحيد. وتبيّن للمستشرقين بخاصة: الأهمية البالغة لأبعاد هذه الرؤية الإسلامية للإله الواحد. ويتداخل مع موضوع التوحيد موضوع آخر هو: الخطاب العقلاني؛ حيث يستخدم البرهان الذي أفاد منه الفلاسفة الإسلاميون.
لقد جعل القرآن العقل أداة أوّلية في حياة الإنسان، ودعا إلى استخدامه في البحث عن الكون، كأحد أركان العبادة كما في قوله تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [البقرة: ١٦٤].
ونرى من خلال آياته: أن العلم هو الحق اليقيني الثابت بالحجة القاطعة: ((إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)) [ يونس: ٣٦]، وهو الطريق العلمي السليم في بحث أسرار الطبيعة بأسلوب قائم على البرهان التجريبي، وليس على التخمين والظن. ويبني القرآن الكريم العلْم على المنطق الأساسي في قانونَيْن أساسيَّين:
فضلا، انقر على الزرين للتفصيل

٤.٣ قبسات منهجية من التراث العربي الإسلامي


ثبوت الفطرة واستقلالها؛ قال تعالى: ((فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)) [فاطر: ٤٣]

كما يؤكِّد المشاهدة الصحيحة كإحدى وسائل البحث في العلوم الطبيعية، قال تعالى: ((قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْض)) [يونس: ١٠١].
وتتجمّع أصول النظر العلمي السليم والمنهج الاستقرائي التجريبي في قوله تعالى: ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)) [الإسراء: ٣٦].
لقد أكّد الإسلام على استخدام المنهج الاستقرائي في النظرة العلمية، والبحث عن كيفية تركيب الأشياء في هذا الكون كما في قوله تعالى: ((أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)) [الغاشية: ١٧- ٢٠]. فكلمة ((كَيْفَ)) تُعبِّر عن روح العلم ومنهجه كلّه. كما أشار القرآن الكريم إلى عدم التوقف في البحث عند محصولات الخيال، إلا أنه لا بد من أن يأتي يوم يظهر فيه اليقين كما في قوله تعالى: ((وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين)) [ص: ٨٨].

٤.٣ قبسات منهجية من التراث العربي الإسلامي


لقد حض الإسلام على التقدم المستمر؛ قال تعالى: ((وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)) [طه: ١١٤]، وأن يكون العلم نافعًا.
وقد ورد في الحديث الشريف: ((اللهم إنِّي أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع)):وهذه إشارة إلى تكريس العلم واستخدامه في خدمة الإنسان ولصالحه وليس للقضاء عليه.
كانت الاتجاهات السائدة في المجتمع الإسلامي تحبِّذ أن يكون العالم نموذجًا معياريًّا للأخلاق والأنشطة البشرية؛ ولقد يظهر أن رجل العلم كان يظن في البداية: الإحاطة بكل شيء تقريبًا. ونظرًا لعدم وجود معايير معترَف بها مسلّمة فيما يجوز تصديقه عقلًا، كان من العسير الفصل بين الإدراك المتولِّد من العلم، ومثيله الذي يجيء عن طريق الإلهام.
ونستخلص من التراث العربي: ما يلفت النظر إلى النزعة الكريمة لدى العلماء الأوائل الذين واجهوا بشجاعة أهل الجمهور فيهم باعترافهم بقلّة ما لديهم من معلومات، مما ذكره السيوطي المتوفى (٩١١هـ/ ١٥٠٥م) في فصل. ثم يتبع فصلًا عقده في ذكر مَن سئل من علماء العربية عن شيء، فقال: "لا أدري" بفصل آخر سجل فيه أسماء من سئل عن شيء فلم يعرفه، فسأل من هو أعلم منه. ثم يذكر كذلك عددًا من الأعلام الثقات الذين جرؤوا على الرجوع عن رأيهم بعد طول البحث.
وقد صاغ المبرد المتوفى سنة (٣٠٦هـ/ ٨٩٨م) مبدأً يبرر فيه اعتراف الإنسان بخطئه فيقول إنه يمحو الذنب الذي قد يترتب على الوقوع في الأخطاء ونشرها بين الناس. لقد سما العصر العظيم الزاهر للحضارة العربية الإسلامية بالعلماء، واستطاع أن يقيم للعالم مثلًا أعلى ساميًا حقًّا.

٤.٣ قبسات منهجية من التراث العربي الإسلامي


ويأبى العلم أن يضع كنفه، أو يختفي جناحه، أو يسفر عن وجه إلا لمتجرِّد له بكليته ومتوفّر عليه بأيْنِيَتِه ممكّن بالقريحة الثابتة والرؤية الصافية معترف به التأييد والتسديد، قد شمر ذيله وأسهر ليله، حليف النصب ضجيع التعب، يأخذ مأخذه متدرجًا يتلقاه متطرفًا، لا يظلم العلم بالتعسف والاقتحام، ولا يخبط منه خبط عشواء في الظلام، ومع هجران عادة الشر والنزوح عن نزاع الطبع ومجانبة الأنفة ونبز المحاكلة واللجاجة، وإحالة الرأي عن غموض الحق، والتأتي بلطيف المآتي وتوفيته النظر حقه من التمييز بين المشتبه والمتّضح، والتفريق بين التمويه والتحقيق، والوقوف عند مبلغ العقول.
وهذا هو الحسن بن الهيثم يعترف بأن الدراسة والبحث هما عمله في الحياة، وأنه لا يتفق مع "جالينوس" في اعتبار الصدق أمرًا لا يُنال إلا بالجهد العلمي. وقد نبّه في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس" إلى: أن حسن الظن من العلماء السابقين مغروس في طبائع البشر، وأنه كثيرًا ما يقود الباحث إلى الضلال. وطالبُ الحق عنده ليس مَن يستقي حقائقه من المتقدمين؛ بل عليه أن يشكّ في إعجابه بهم، ويتوصل إلى حقائق الأمور. ورغم أنه يُقِرّ في كتابه أن "بطليموس" رجل يشار إليه في العلوم الحقيقية، لكن وجد فيه مواضع شُبهة وألفاظًا بشعة ومعاني متناقضة. وهذا أوضح من التعليق.