٤.٢ الخلفية التاريخية لمناهج البحث العلمي


الخلفية التاريخية لمناهج البحث العلمي

إن تتبع مناهج البحث العلمي من القديم إلى الحديث يجعلنا نقول:
إنّ أول مَن وضَع البحث العلمي وطُرق الاستدلال فيه والاستنباط هو: "أرسطو". وقد سمَّى منهجه باسم: "المنطق"، إلا أن الطابع التأملي كان غالبًا على تفكيره. وقد تحدث فيه عن الكليات الخمس المعروفة: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض. ومنها تتألف الحدود والتعاريف. وقد لعبت دورًا كبيرًا في جميع العلوم عند العرب، وإن أصبح العصر الحديث لا يُعنى بها لأنها كثيرًا ما تكون مضلّلة، وخير منها: التقسيم الذي يقوم على تحليل ما يراد تعريفه إلى عناصره وجزئياته وأفراده وأصنافه.
وأهم الكلّيّات في منطق "أرسطو": اهتداؤه في الاستدلال إلى أنه يتألّف من قضايا هي الوحدات التي يتحلّل إليها. وينبغي أن ندرس أشكال ودروب تركيبها من موجبة كلية، وموجبة جزئية، وسالبة كلية، وسالبة جزئية. ومن هذه القضايا تتكوّن مقدّمة القياس، بحيث إذا كانت صادقةً كان صادقًا، وإذا كانت فاسدةً فسد بفسادها.
فإذا قلنا: فلان إنسان، وكل إنسان ناطق، تولّد من القضية أو ترتب عليهما: أن فلانًا ناطق.
اهتم العرب بمنطق "أرسطو". أخذوا يترجمونه أولًا، ثم مضوا يشرحونه ويلخِّصونه في مصنفات كثيرة. واستلهموا هذا المنطق في وضع علومهم.

٤.٢ الخلفية التاريخية لمناهج البحث العلمي


واهتدى علماؤهم إلى: أن القياس الأرسطي قياس رياضي. فهو يبدأ من العام الكلي ويطلبه في المفردات الجزئية. وقد تضطرد صحته تلك في الرياضيات، أما في العلوم الطبيعية والإنسانية، فلا بد من الانتقال العكسي أي: من الأفراد والمفردات إلى الكل العام، حتى يكون القياس سديدًا. وكان لذلك أثره البعيد في العلوم العربية؛ إذ عُدّ الاستقراء والملاحظة أصلين أساسيين فيها، وضُمت إليها العلوم الطبيعية والتجريبية.
وبذلك أمكن للعلوم العربية أن تنهض نهضتها العظيمة في كل مجال، وهي نهضة أعدت لازدهار علوم الطب والصيدلة بفضل التجارب الكثيرة التي كان يجريها الصيادلة والأطباء.
وقُلْ ذلك نفسه في الكيمياء والفلَك ومراصده الضخمة، وحتى في البحوث الأدبية. كان أهم بحث أدبي عند العرب يتّضح فيه تأثير المنطق الأرسطي، والتأثر بمنهجه في كتاب "البرهان في وجوه البيان" لابن وهب، الذي نشر خطأ باسم "نقد النثر" ونُسب إلى قدامة.
وعلى هذا النحو كان العرب يستضيئون بمنطق "أرسطو" حتى في بحوثهم الأدبية، مع محاولات خصبة للعناية بالجزئيات والمفردات واكتمال الاستقراء وصحة الاستنباط. واتسعوا في الملاحظات سعة شديدة وهي تقابل في البحوث الأدبية والتجارب في البحوث العلمية عندهم.
وظلوا مع ذلك يحتكمون إلى المنطق الأرسطي مكثرين من القواعد والضوابط والأقيسة، وهم في كل ذلك يختلفون عن علماء العصور الوسطى الغربيِّين. ولا ريب في أنهم أخذوا يتعرفون بوضوح على العلم العربي في نهاية تلك العصور، فعرفوا بدقة ما تَنادى به علماء العرب ومفكّروهم من العناية بالاستقراء الكامل والملاحظة والتجربة.

٤.٢ الخلفية التاريخية لمناهج البحث العلمي


وعلى قبس أو أقباس من هذه المعرفة أخذ "روجر بيكون" الفيلسوف الإنجليزي و"ليونارد دي فنشي" وغيرهما ممن طالبوا باستخدام الملاحظة والتجريب وأدوات القياس للوصول إلى الحقائق وعارضوا منهج "أرسطو" في القياس المنطقي. ولا بد من الإشارة إلى: أنه بالرغم من مطالبة هؤلاء المفكرين تبني الطريقة العلمية، إلا أنهم لم يستخدموا فعلًا هذه الطريقة إلا في حدود ضيقة.
أتى "فرنسيس بيكون" لبعث الحياة في فكرة "روجر بيكون"، وقام بالاستقراء الكامل وبالتجارب، وجمع الأمثلة الكلية التي تنقض القانون العام، والتجارب وحدها لا تكفي، فلا بد من الاستنباط والنشاط العقلي. وكان المنهج الصحيح عنده هو: الذي يجمع بين التجربة والطريقة القياسية، أو بعبارة أدق: هو الذي يجمع بين الاستقراء الدائم على التجارب وبين القياس العقلي المحكَم، أو قل: هو الاستقراء المصبوب في قالب عقلي وطيد. وبذلك كله يعتبرون "فرنسيس بيكون" مؤسِّس المنطق الحديث، وفاتح عصر جديد في البحث العلمي، ومؤلَّفه "الأداة الجديدة للعلوم" يفصل بين قواعد المنهج التجريبي وخطواته.
إن جوهر العمل الذي قام به "بيكون" لم يكن علمًا بقدْر ما كان في مجال العلاقات الاجتماعية للعلم. وقد أشار إلى ضرورة إخضاع العلم بكلياته وجزئياته للملاحظة العلمية، كما قام بتصنيف الأخطاء الشائعة التي تعوق البحث العلمي وهذه الأخطاء:
أخطاء تعود إلى ضعف العقل الإنساني.
أخطاء تعود إلى اللغة التي يتعامل بها الفرد مع أقرانه.

٤.٢ الخلفية التاريخية لمناهج البحث العلمي


أخطاء تعود إلى اعتماد الفرد على أهل الثقة.
أما بالنسبة لخطوات المنهج التجريبي، فقد أوضح "بيكون": أنّ على الباحث أن يجمع الحقائق التي تعتبر أساس المنهج الاستقرائي ومادته، كما بيّن مراحل البحث:
الأولى: مرحلة التجريد.
والثانية: مرحلة اللوحات، أو تسجيل التجربة.
والخطوة التالية هي: مقارنة ما تم تسجيله في اللوحات الثلاث: الحضور، الغياب، تفاوت الدرجات، لاستخلاص الخصائص الظاهرة موضع الدراسة. ثم يقوم بالتحقق من النتائج لإثبات مدى صحتها أو خطئها. والنتائج الأولى هي فروض عملية لا بد من اختبارها حتى يتأكد الباحث من صحتها لتصبح قاعدة أو قانونًا.
جاء بعد "بيكون" الفيلسوف الفرنسي "ديكارت"، ورأى أن يضع للعلوم كلّها رياضية وطبيعية منهجًا واحدًا صوَّره في مبحثه "مقال في المنهج". وقد هاجم المنطق الأرسطي لعدم أخذه بالشك، وهاجم "فرنسيس بيكون" لأنه اعتمد التجربة والمشاهدة الحسية في استنباط القوانين الطبيعية. ونفذ من ذلك إلى منهجه الجديد وهو: منهج يعتمد على البراهين الرياضية.

٤.٢ الخلفية التاريخية لمناهج البحث العلمي


ووضع مكان قواعد المنطق الأرسطي القديم شديد التعقيد: أربع قواعد هي: قاعدة اليقين، قاعدة التحليل، قاعدة التركيب، قاعدة الاستقراء.
ومن أبرز الأسماء في تاريخ العلم: "إسحاق نيوتن" الذي عاش بين (١٠٥٢هـ إلى ١١٤٠هـ/ ١٦٤٢م إلى ١٧٢٧م). ونال شهرة عظيمة. وأصبحت الروح العلمية تتغلب على عقيدة الكنيسة بخاصة في إنكلترا وفرنسا. وبعد ذلك في ألمانيا وأمريكا، ساد في القرن الثامن عشر في أوروبا النظرية العقلية بين الطبقات المتعلمة.
وظهر فيه "فولتير" و"روسو"، وكثير من العظماء والكتاب الفرنسيين الذين كتبوا في كل المواضيع، وأحدثوا ثورة في العقل البشري، وقد سايرت هذه النظرة العقلية النظرة العلمية. وكان القرن التاسع عشر عصر العلم، فكان الفضل في قيام الثورة الصناعية والتطور الصناعي والتطور السريع على وسائل النقل راجعًا إلى العلم.