![]() |
إن الحضارة العربية الإسلامية حضارة إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة، سِمتها التسامح، تؤمن بالعلم في أصدق صوَره وأعمق أصوله، ممّا كان له أثره البارز في تكوين الفكر العلمي لدى الغربيِّين منهجًا، وأساليب بحث، ومعارف نظرية، وتجارب تطبيقية في شتى العلوم، إضافة إلى إسهام الفكر العربي في نقل التراث اليوناني، والهندي، والفارسي، والحضارات القديمة في موطن العرب: حضارة بلاد ما بين النهرين، وحضارة وادي نهر النيل. |
![]() |
وهكذا كان دور حضارة العرب منطلق النور الذي عمَّ أوربا بعد الظلام، وهو دورٌ لا يمكن أن يُجحد أو يُنكر. كان تفوّق الحضارة العربية العلمي والمادي في الشطر الأعظم من العصر الوسيط أمرًا لا يُنكره أحد؛ فالعصر الذهبي في المشرق والمغرب العربيّين كان بدأ من منتصف القرن الثالث للميلاد وحتى القرن الثالث عشر الميلادي، وفيه فاق العرب والمسلمون علميًّا وماديًّا. فحينما سقطت طليطلة في سنة (٤٥٧هـ) الموافق (١٠٨٥م)، سرعان ما بدأ "ريموند" النظر في إنشاء معهدٍ لترجمة الكنوز العربية إلى اللغة اللاتينية. |
![]() |
وفي سنة (٦٢١هـ) الموافق (١٢٢٤م) أسس "فريدريك الثاني" جامعة "نابولي" لترجمة العلوم العربية إلى اللغة اللاتينية، وانتشرت في جميع أجزاء |
| أوربا. وإلى ما بعد النهضة الأوروبية الكبرى بقيت جامعات فرنسا وإنجلترا وإيطاليا تعتمد على المراجع العربية. وقرب نهاية العصر الوسيط دخل الشرق العربي في دور ركودٍ ذهنيٍّ واضمحلال اقتصادي. |
![]() |
شهد القرن السادس عشر خاتمة تأثير العرب في الدراسات الأوربية، وإن بقيت منه شوارد متخلّفة إلى أوليات القرن التاسع عشر. ومنذ القرن السابع عشر أخذت الحضارتان تتباعدان، وأخذت أوربا تستعيد ماضيها الكلاسيكي القديم، فأصبح الاتصال الذهني بالمشرق طرفًا بعد أن ظل أمدًا طويلًا بحاجة ماسة. وبعد أن كانت الحضارة الإسلامية هي المَعْلَم أخذت تتحول بالتدريج إلى موضوعٍ يُدرس، وبهذه الصفة صار إسهامها في عملية التأويل الذاتي الغربية ثمينة لا تقدر بثمن. |
![]() |
أيضًا في ميدان الكيمياء القديمة والتنجيم كان فيها العالم الإسلامي المعلِّم، وعالم الغرب هو التلميذ؛ فزاد في عدد الأفكار والخواطر التي اشترك فيها الجانبان. إنه لمن دواعي الأسف أنّ ما بين أيدينا من معرفة بالعلوم القديمة العربية والإسلامية لا يسمح لنا بإصدار حكم نهائي على مدى إسهام تراثنا في كلّ فرع بعينه من فروع العلم بشكل دقيق؛ لكن ما يَعترف به الغربيون: أن تراثنا زاخرٌ علميًّا في مجالَي الطب والفلك. |
![]() |
أما البصريات فقد بزغ العرب فيها بأوضح صورة أساتذتهم الإغريق، بينما كان المؤثر الهندي واضحًا في الرياضيات. يقول "سارتن" المتوفى عام (١٩٥٠م) الذي درس الحضارات الإنسانية على اختلافها: "إن العلم الروماني ليس إلا نسلًا ضعيفًا للعلم الهيلي، وما بعد الحضارة الإغريقية تشتت العلماء، وأحرق الكثير من الكتب إلى أن جاءت الحضارة العربية الإسلامية". |
![]() |
واستنادًا إلى ما ذكره ابن أبي أصبعة في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، وما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف"، فإن مدرسة الفكر انتقلت من مدرسة الإسكندرية إلى أنطاكيا، حيث مكث فيها حوالي سنة (٢٣٠هـ) الموافق (٨٤٤م)، ومنها إلى حران حتى حوالي سنة (٢٧٠هـ/ ٨٤٨م). وفي المرحلة الثالثة بين عامي (٨٩٢هـ إلى (٩٠٢هـ) انتقلت إلى بغداد، حيث أصبحت متماسكة الحلقات، تسير بين أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه إلى أمهات المدن الإسلامية الأخرى في دمشق، والقاهرة، والقيروان، وقرطبة. |
![]() |
وعن طريق الأندلس فيما بعد وإيطاليا وصقلية، وجد العلم طريقه إلى أوربا مُحْدثًا بذلك دورة أخرى في التاريخ، انتقل العلم فيها بوساطة الاقتباس من الحضارة الأندلسية في القرن الثاني عشر تقريبًا. |
![]() |
ويرى "لبون": أن الحضارة العربية لم تدخل أوربا نتيجة الحروف الصليبية كما هو الرأي الشائع، بل دخلت بوساطة الأندلس وصقلية وإيطاليا. وزهاء مدة خمسة قرون أو ستة ظلت ترجمة كتب العرب العلمية هي المصدر الوحيد للتدريس بجامعات أوربا. ولم يظهر في أوربا قبل القرن الخامس عشر عالمٌ لم يقتصر على استنساخ كتب العرب. وكان الموسوعيون الأوروبيون حينما يتحدّثون عن الأرض يردِّدون ببساطة آراء ابن سينا. وقبل نهاية القرن الثالث عشر الميلادي كانت معظم العلوم بما فيها علوم الأرض والفلسفات العربية قد تمت ترجمتها ونقلها إلى أوربا. |
![]() |
وهكذا نرى: أن الدعائم الأولى للحضارة الأوروبية الحديثة ارتكزت على أسس متينة من الحضارة الإسلامية التي تركت بصماتها واضحة في شتى مجالات الفكر الأوروبي وعلومه. من ذلك: شيوع مصطلحات عربية أو ذات أصل عربي في اللغات الأوروبية على اختلافها. |
![]() |
وقد تأثر بذلك بخاصة اللغات الإسبانية، والبرتغالية، والإنكليزية، والفرنسية، والإيطالية، والألمانية، ونُقِلَ عن العرب العلوم والفلسفات العربية كما هي بأسمائها الأصلية، وفي أغلب الأحيان لم يشيروا إلى مصادرها، كما أخذوا عن العرب منهجهم العلمي في البحث. |
![]() |
يقول "غوستاف لوبون": "إن العرب استطاعوا أن يُبدعوا حضارة جديدة، وكان تأثير العرب في الغرب عظيمًا، يرجع إليهم الفضل في حضارة أوربا". ويقول المستشرق الألماني "شِخن": "لقد تتلمذت أوربا على العرب مدة خمسة قرون نهِلت في أثنائها من حياض العلوم العربية، وبهذا أعدّت نفسها لما تنتج الآن من البحوث العليمة الحديثة". |
![]() |
فأي برهان أنصع من هذا على اتصال شجرة المعرفة الإنسانية واستمرارها من عصر لعصر، وتعاون الأجيال على رعايتها والعناية بها رغم اختلاف الأديان واللغات والعصور؟ وأي برهان هو آكد من هذا على ما قام به العرب من دور جليل في تطوير المعرفة الإنسانية، والسير بمشعل الحضارة الإنسانية خلال العصور التي تسمّى مظلمة، وما هي مظلمة بحال؟ |
![]() |
إن أعظم كشف طبي قُدِّرَ أن يكون علي يد عالمين عربيّين هو: كشف الدورة الدموية، وذلك قبل أن يعرفه الأوروبيون ببضعة قرون. هذان العالمان هما الطبيبان: علي بن عباس المجوسي، وابن النفيس. وكان حديث ابن النفيس في مجال التشريح كاد يتوصّل به إلى علمٍ لم يكن قد عُرِفَ بعد هو: علم التشريح المرضي.وفي عام (١٥٤٧م) ترجم كتابه إلى اللاتينية ثلاثة من علماء أوربا، يصفون الدورة الدموية في الرئة بنفس الألفاظ التي استخدمها ابن النفيس. |
| طبع البحوث العربية بطابع الأسلوب العلمي حنين بن إسحاق العبادي في كتابه "العشر مقالات في العين". ومهد لكشف الأوعية الدموية الذي تحقق بعده بعدة قرون. |
![]() |
ويقول مؤرخ الطب الغربي "إدور براون": "إن "يوحنا ماسويه" قد وضع كتاب "دغل العين"، وهو أقدم كتاب وُضِعَ في طب العيون من مختلف اللغات القديمة". ويقول الدميلي و"ماكس ميراهوف": "إن كتاب "تذكرة الكحالين" الذي صنّفه علي بن عيسى في القرن العاشر يعلو على جميع الكتب الأوربية حتى القرن التاسع عشر". وعلى هذا المستوى كتاب "المنتخب بعلاج أمراض العين" لعمار بن علي الموصلي، ترجمه إلى الألمانية "هيرج برج" مع آخرين. وهو اخترع الإبرة المجوّفة التي تمتص ماء العين. |
![]() |
كان العرب أول مَنْ استخدم المخدّر، وسمّوه بالمرقِّد، ونبّهوا إلى شكل الأظافر عند المصدورين، ووصفوا صب الماء البارد لإيقاف النزف، وعالجوا الجنون علاج الأمراض الطبيعية. وبشكل عام ظلت دراسة الطب في أوربا عالة على العرب أكثر من أربعة قرون. |
![]() |
يقول الأستاذ "ميارهوف": "إن علم الصيدلة العربي استمر في أوربا حتى منتصف القرن التاسع عشر". |
![]() |
هذا وإن أول صيدلة افتتحت في العالم كانت في إيطاليا، ولم يتحوّل الأمر من الأعشاب إلى المساحيق والأقراص والأشربة إلا بعد أن ازدهرت الكيمياء في القرن التاسع عشر. ونذكر من الأطباء الذين كانوا يعالجون بالأعشاب: الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن خورشد الطبري الناتلي، كان حيًّا سنة (٣٨٠هـ/ ٩٩٠م)، وإسحاق بن عمران، وكتاباهما في اسطنبول وفي الأسكريال. |
![]() |
وقد خلّف لنا علماء العرب كتبًا كثيرة في الصيدلة منها: "تذكرة ابن داود"، وكانت من مراجع الصيادلة في القرون الماضية. وبدأ علماء أوربا في سنة (١٩٦٤م) وأيضًا في أمريكا، يعيدون قراءة كتابه للاستفادة مما ذكره حول النباتات التي تستخدم طبيًّا. |
![]() |
إن من أهم وأندر المؤلفات التي وُضِعَتْ في هذا المجال: كتاب جابر بن حيان "السموم ودفع مضارها"، سار فيه وفق المنهج العلمي الذي لا يختلف في جوهره عمّا هو جارٍ الآن. وكتاب "القانون" لابن سينا تضمن خمسة أبواب: اثنان منها في الأدوية المركبة والأدوية المفردة، وله "مختصر أقربازين بن سينا" مصوّر في معهد التراث بحلب. |
![]() |
وقد اختار مجمع الصيادلة في إنجلترا أعظم اثنين تدين لهما علوم الصيدلة بالفضل هما: "جلت" اليوناني، وابن سينا العربي. |
![]() |
أما علم الكيمياء علم الصنعة، فإن المستشرقين ومنهم "سارتن" وغيره، أشاروا إلى دور العرب في مجال علم الكيمياء واستفادة الغرب منهم. ويتفق مؤرخو هذا العلم على: أن نشأته علمًا تجريبيًّا كان مقدرًا على أن يكون على أيدي علماء العرب وفي مقدمتهم: جعفر الصادق المتوفى سنة (١٤٩هـ/ ٧٦٦م)، وهو من الرواد الأوائل في هذا العلم، وأستاذ جابر بن حيان في هذا المجال. |
![]() |
وكان جابر أول من أثبت دعائم هذا العلم، وكانت تسمّى قبلُ: الصنعة. وبقيت الكيمياء طوال العصور الوسطى تسمّى: علم جابر أو صنعة جابر . وله كشوفات كثيرة في هذا المجال، منها: طريقة فصل الذهب عن الفضة، وما تزال هذه الطريقة متّبعة حتى الآن في تقدير عيارات الذهب في السبائك. وبَلْور نظرية الاتحاد الكيميائي التي تقول باتصال العناصر المتفاعلة بعضها مع بعض؛ وهذا يوحي بالنظرية المشهورة التي نسبها علماء الغرب خطأ إلى العالم الإنكليزي أي بعد جابر بن حيان بما ينيف على عشرة قرون. |
![]() |
يقول الأستاذ "هوكنغ" في مقالة عن حضارة العرب ومستقبلها، عن أسباب جمود الفكر العربي بعد هذه النهضة: "إن أسباب الانطلاقة هي: الفقر الطبيعي والحضارة والإنشاء العالمي والتعاون المثمر الصادق بين مختلف الذهنيات والعقل العربي الواسع الفعال"، ثم يتساءل: هل لتلك العوامل أن تعود يومًًا؟ ويجيب بأن الأمّة العربية ذات فعالية وطاقة حيوية وذاتية يدل عليهما: عدم مقدرة الحضارة الرومانية أن تغطِّي على هاتين المزيّتين، بل هو طغى على جميع البلاد التي انتشرت فيها ثقافته وشريعته ولسانه وتعليمه، فامتزج بالإسلامية امتزاجًا لم تستطع المدنية الرومانية العظيمة أن تفعل مثله. |