١.٢٠ بر الوالدين


بر الوالدين

معنى بر الوالدين، هو الإحسان إليهما، وطاعتهما في غير معصية الله، والتودد إليهما والرأفة بهما, خاصة عند كبر سنهما, وأن يخاطبهما الإنسان باللين، وأن يعاملهما بالشفقة والرحمة, وأن يحسن الألفاظ التي يتعامل بها معهما، فلا يقول لهما كلمة نابية ولا لفظا مؤذيا حتى كلمة أف. لا يقولها لهما عند التضجر من أمر أو الشعور بالضيق في لحظة ما، ولو كان هناك كلمة أقل من الإيذاء من كلمة أف لذكرها الله تعالى, ونهى عنها. قال تعالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)) [الإسراء: ٢٣، ٢٤].

وجاء الأمر بالإحسان إليهما في هذه الآية, بعد الأمر بعبادة الله وحده. وكذلك ما نزل في سورة النساء. قال تعالى: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)) [النساء: ٣٦].



١.٢٠ بر الوالدين


كما جاء الأمر بالإحسان إليهما, حتى ولو كانا مشركين, في سورة العنكبوت, قال تعالى: ((وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) [العنكبوت: ٨]. وفي سورة لقمان, وسورة الأحقاف كانت الوصية بالبر بالوالدين، والإحسان إليهما, وبيان مدى التعب والمشقة والوهن الذي تحملته الأم في حملها ووضعها ورضاعتها له، وسهرها على راحته، ومرضها لمرضه.

قال تعالى في سورة لقمان: ((وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ, وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) [لقمان: ١٤, ١٥].

وفي سورة الأحقاف قال تعالى: ((وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) [الأحقاف: ١٥].



١.٢٠ بر الوالدين


ولقد جاءت أحاديث كثيرة على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم, كلها تدعو إلى البر والإحسان إلى الوالدين. وذكر الإمام النووي في كتابه "رياض الصالحين" جملة من هذه الأحاديث, فإليكم هذه الأحاديث التي جاءت تحت باب: بر الوالدين وصلة الأرحام. قال رحمه الله تعالى:

بر الوالدين وصلة الأرحام

قال اللَّه تعالى: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) [النساء: ٣٦], وقال تعالى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)) [النساء: ١], وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)) الآية [الرعد: ٢١], وقال تعالى: ((وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)), [العنكبوت: ٨], وقال تعالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا, وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)).



١.٢٠ بر الوالدين


وقال تعالى: ((وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)).
٣١٢- عن أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه قال: سأَلتُ النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: أَيُّ الْعملِ أَحبُّ إلى اللَّهِ تَعالى؟ قال: ((الصَّلاةُ على وقْتِهَا" قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قال: ((بِرُّ الْوَالِديْنِ" قلتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قال: ((الجِهَادُ في سبِيل اللَّهِ)) متفق عليه.
٣١٣- وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ((لا يَجْزِي ولَدٌ والِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مملُوكا، فَيَشْتَرِيَهُ، فَيَعْتِقَهُ)) رواه مسلم.
٣١٤- وعنه أيضا رضي اللَّه عنه, أَن رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيوم الآخِر فَلْيصلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه وَالْيوْمِ الآخِرِ فلْيقُلْ خيرا أَوْ لِيَصمُتْ)) متفق عليه.
٣١٥- وعنه قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:((إِنَّ اللَّه تَعَالى خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هذا مُقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعةِ، قال: نَعَمْ, أَمَا تَرْضينَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالت: بَلَى، قال: فذلِكَ لَكِ، ثم قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ((اقرءوا إِنْ شِئتُمْ: ((فهَلِ عَسَيْتمْ إِن تَولَّيتُم أَنْ تُفسِدُوا في الأَرْضِ وتُقطِّعُوا أَرْحامكُمْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أُولَئِكَ الذين لَعنَهُم اللَّهُ فأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)) [محمد: ٢٢، ٢٣])) متفق عليه.

١.٢٠ بر الوالدين


وفي رواية للبخاري: ((فقال اللَّه تعالى: منْ وَصلَكِ وَصلْتُهُ، ومنْ قَطَعكِ قطعتُهُ)).
٣١٦- وعنه رضي اللَّه عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال: يا رسول اللَّه, مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحَابَتي؟ قال: ((أُمُّك" قال: ثُمَّ منْ؟ قال: (أُمُّكَ" قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: ((أُمُّكَ" قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: ((أَبُوكَ" متفق عليه.
وفي رواية: يا رسول اللَّه, مَنْ أَحَقُّ بِحُسْن الصُّحْبةِ؟ قال: ((أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثمَّ أَباكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ)).
"والصَّحابة" بمعنى: الصُّحبةِ. وقوله: ((ثُمَّ أباك" هَكَذا هو منصوب بفعلٍ محذوفٍ، أي: ثم برَّ أَباك, وفي رواية: ((ثُمَّ أَبُوكَ)) وهذا واضِح.
٣١٧- وعنه عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ((رغِم أَنْفُ، ثُم رغِم أَنْفُ، ثُمَّ رَغِم أَنف مَنْ أَدرْكَ أَبَويْهِ عِنْدَ الْكِبرِ، أَحدَهُمَا أَوْ كليهُما، فَلمْ يدْخلِ الجَنَّةَ)) رواه مسلم. كما جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل كثير من الأحاديث في هذا الموضوع, ألا وهو البر بالوالدين.

ورواها الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- بسنده في مسنده الذي رتبه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا في كتابه: الفتح الرباني, ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني. وقد جاءت أحاديث البر بالوالدين في الجزء التاسع عشر ص٣٥ من هذا الفتح. قال رحمه الله تعالى:


١.٢٠ بر الوالدين


ما جاء في بر الوالدين وحقوقهما والترغيب في ذلك

(عن أنس بن مالك) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يمد له في عمره, وأن يزاد له في رزقه, فليبر والديه وليصل رحمه. (عن أبي هريرة) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا, فيِشتريه فيعتقه.

(عن معاذ بن جبل) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاه بعشر كلمات (منها) ولا تعقن والديك, وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك. (عن عبد الله بن عمرو) قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: جئت لأبايعك (زاد في رواية أخرى: على الهجرة) وتركت أبوي يبكيان, قال: فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما, وأبى أن يبايعه.

(وعنه أيضا) قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت هذه الشجرة, إذ أقبل رجل من هذا الشعب, فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((يا رسول الله, إني قد أردت الجهاد معك, أبتغي بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة, قال: هل من أبويك أحد حي؟ قال: نعم يا رسول الله كلاهما، قال: فارجع أبرر أبويك، قال:


١.٢٠ بر الوالدين


فولى راجعا من حيث جاء (وعنه من طريق ثان) أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)) (عن أبي سعيد الخدري) قال: ((هاجر رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هجرت الشرك ولكنه الجهاد، هل باليمن أبواك؟ قال: نعم، قال: أذنا لك؟ قال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ارجع إلى أبويك فاستأذنهما فإن فعلا وإلا فبرهم))
ا، (عن معاوية بن جاهمة) قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال:

هل لك من أم؟ قال: نعم، فقال: الزمها؛ فإن الجنة عند رجلها، ثم الثانية, ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول (عن ابن مسعود) رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قال: قلت:



١.٢٠ بر الوالدين


ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله، قال: فحدثني بهن ولو استزدته لزادني، (عن أبي هريرة) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رغم أنف, رغم أنف, رغم أنف رجل أدرك والديه, أحدُهما أو كلاهما عنده الكبر لم يدخله الجنة (وفي لفظ) فلم يدخلاه الجنة (عن أبي بن مالك) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك, فأبعده ألله وأسحقه (عن المقدام بن معد يكرب) الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم:

إن الله عز وجل يوصيكم بأمهاتكم, إن الله يوصيكم بآبائكم, إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب (عن خداش بن سلامة) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أوصي امرأ بأمه, أوصي امرأ بأمه, أوصي امرأ بأمه, أوصي امرأ بأبيه, أوصي امرأ بأبيه, أوصي امرأ بمولاه الذي يليه, وإن كانت عليه فيه أذاة تؤذيه)) (عن معاوية بن حيدة) قال: قلت: ((يا رسول الله, من أبر؟ قال: أمك، قلت: ثم من؟ قال: ثم أمك قال: قلت: يا رسول الله, ثم من؟ قال: أمك قال:

قلت ثم من؟ قال: ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب))
(وعن أبي هريرة) عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه إلا قوله: ثم الأقرب فالأقرب، (عن أبي أسيد الساعدي) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان بدريا وكان مولاه،


١.٢٠ بر الوالدين


قال أبو أسيد: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذ جاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله, هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم خصال أربع؛ الصلاة عليهما والاستغفار لهما, وإنفاذ عهدهما, وإكرام صديقهما, وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قِبَلهما, فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما.

(حدثنا محمد بن جعفر) ثنا شعبة عن عطاء بن السائب قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يحدث أن رجلا أمرته أمه أو أبوه أو كلاهما قال شعبة: يقول ذلك أن يطلق امرأته, فجعل عليه مائة محرر, فأتى أبا الدرداء فإذا هو يصلي الضحى يطيلها, فصلى ما بين الظهر والعصر, فسأله فقال له أبو الدرداء: أوف بنذرك وبر والديك, إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط باب الجنة, فحافظ على الوالد أو اترك (ومن طريق ثان) عن أبي عبد الرحمن السلمي أيضا قال:

أتى رجل أبا الدرداء رضي الله عنه فقال: إن امرأتي بنت عمي وأنا أحبها وإن والدتي تأمرني أن أطلقها، فقال: لا آمرك أن تطلقها ولا آمرك أن تعصي والدتك، ولكن أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الوالدة أوسط أبواب الجنة, فإن شئت فأمسك وإن شئت فدع)).



١.٢٠ بر الوالدين


(وعنه من طريق ثالث) قال: كان فينا رجل لم تزل به أمه أن يتزوج حتى تزوج، ثم أمرته أن يفارقها, فرحل إلى أبي الدرداء بالشام فقال: إن أمي لم تزل بي حتى تزوجت, ثم أمرتني أن أفارق, قال: ما أنا بالذي آمرك أن تفارق, وما أنا بالذي آمرك أن تمسك؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة, فأضع ذلك الباب أو احفظه, قال: فرجع وقد فارقها.

(عن ابن عمر) قال: كانت تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها, فأمرني أن أطلقها فأبيت, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إن عند عبد الله بن عمر امرأة كرهتها له, فأمرته أن يطلقها فأبى, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الله طلق امرأتك)), فطلقتها (وفي رواية عنه أيضا) فقال: أطع أباك.

(عن عياض بن مرثد) أو مرثد بن عياض عن رجل منهم, أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: ((هل من والديك من أحد حي؟)) قال له مرات قال: لا، قال: ((فاسق الماء))، قال: كيف أسقيه؟ قال: ((اكفهم آلته إذا حضروه واحمله إليهم إذا غابوا عنه)) (عن أسماء بنت أبي بكر) قالت: قدمت أمي (وفي لفظ: أتتني أمي) وهي مشركة في عهد قريش, إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:


١.٢٠ بر الوالدين


أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم صِلي أمك, (وعنها من طريق ثانٍ) قالت: قدمت على أمي في مدة قريش (وفي لفظ: في عهد قريش ومدتهم التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم) مشركة وهي راغبة, يعني: محتاجة، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله, إن أمي قدمت علي وهي مشركة راغبة, أفأصلها؟ قال: صلي أمك (عن عبد الله بن دينار) عن ابن عمر أن أعرابيا مر عليه وهم في طريق الحج، فقال له ابن عمر: ألست فلان بن فلان؟ قال: بلى قال: فانطلق إلى حمار كان يستريح عليه إذا مل راحلته وعمامة كان يشد بها رأسه, فدفعها إلى الأعرابي، فلما انطلق قال له بعضنا: انطلقت إلى حمارك الذي كنت تستريح عليه وعمامتك التي كنت تشد بها رأسك فأعطيتهما هذا الأعرابي, وإنما كان يرضى بدرهم، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أبر البر صلة المرء أهل ود أبيه بعد أن يولي، (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده) قال: أتى أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي، قال: أنت ومالك لوالدك.

إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا، (عن عائشة رضي الله عنها) عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن أولادكم من أطيب كسبكم, فكلوا من كسب أولادكم.



١.٢٠ بر الوالدين


وبر الوالدين له ثمار طيبة حسنة في الدنيا والآخرة؛ فالبر بالوالدين يكون سببا في إجابة الدعوة كما ورد في الحديث الصحيح في قصة الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار, فدعوا الله بصالح أعمالهم، وكان واحد بارا بأبويه فاستجاب الله دعاءهم وخرجوا من الغار يمشون.

وكذلك ما جاء في الحديث الصحيح من قصة أويس القرني, وأنه كان مجاب الدعوة بسبب بره بأمه, جاء حديثه في صحيح مسلم. وإليكم ما جاء في ذلك من كتاب الأخلاق الإسلامية وأسسها, والتي نقلها من الكتب الصحيحة الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني قال:


١.٢٠ بر الوالدين


في ثمرة بر الوالدين

قصة أصحاب الغار الثلاثة
من ثمرات بر الوالدين استجابة الدعاء، ومن أمثلة ذلك قصة أحد الثلاثة الذين أووا إلى غار في ليلة ممطرة، فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل فانطبقت عليهم، فدعا كل منهم متوسلا بصالح عمله، وكان عمل أحدهم بره بوالديه، فاستجاب الله دعاء كل منهم، ففرج لهم, فخرجوا من الغار. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَمالُوا إِلَى غَارٍ فِى الجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ الغَارِ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صالحةً, فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا, فقَالَ أَحَدُهُم: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فحَلَبْتُ، َبَدَأْتُ بِوَالِدَي أَسْقِيهِمَا قَبْلَ ولدي، وَإِنّه قد نأى بي الشجر, فما أتيت حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قد نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فجئت بالحلاب, فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبدأَ بالصِّبْيَةِ قبلهما، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللَّهُ لهم حتى رَأَوُا السَّمَاءَ.



١.٢٠ بر الوالدين


َقَالَ الثاني: اللَّهُمَّ إِنَّه كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحبهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إليها نفسها, فَأَبَتْ حَتَّى آتَيهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مائة دينار، فلقيتها بها, فَلَمَّا قَعدتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَفْتَحِ الْخَاتَمَ, فَقُمْتُ عنها. اللهم فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ, فَافْرُجْ لنا منها, ففرج لهم فرجة.

وَقَالَ الآخر: اللَّهُمَّ إِنِّي كنت اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقّي, فَعَرَضْتُ عَلَيْه حقهِ، فتركه وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا, فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ ولا تظلمني وأعطني حقي, فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَراعيهَا, فَأخذه فانطلق بها. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِي، فَفَرجَ اللَّهُ عنهم))
. هذه قصة هؤلاء الثلاثة أصحاب الغار، وقد فرج الله عنهم؛ إذ توسلوا إليه بما قدموه من أعمال صالحة:
فالأول: كان عمله الصالح من باب بر الوالدين.
والثاني: كان عمله الصالح من باب العفة عن الحرام.
والثالث: كان عمله الصالح من باب أداء الحقوق إلى أهلها بأمانة تامة, مقرونة بإحسان وفضل.


١.٢٠ بر الوالدين


قصة أويس القرني

روى مسلم عن أسير بن عمرو, أو هو أُسَيْر بْن جَابِرٍ, قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبرأتَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِع دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عمر: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ, مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ, كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ, لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ, فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ)).

فَاسْتَغْفِرْ لِى, فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ. قَالَ: أَلاَ أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُون فِى غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ.

فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ, فَوَافَقَ عُمَرَ, فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ, فَقَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ:


١.٢٠ بر الوالدين


((يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ, كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ, لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ, فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ)).

فَأَتَى الرجل أُوَيْسًا, فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ, فَاسْتَغْفِرْ لِي. لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ. أمداد أهل اليمن: هم متطوعة الجهاد الذين كانوا يأتون مددًا لجيوش الفتح الإسلامي من مختلف الجهات، وكان اليمانيون عنصرًا مهمًّا يمد بالأعداد الكثيرة من المقاتلين. لو أقسم على الله لأبره؛ أي: لو حلف يمينا قال فيه: والله ليفعلن الله هذا الأمر, لأبر الله قسمه, ففعل الله ما حلف عليه.

أكون في غبراء الناس أحب إلي؛ أي: أكون في عامتهم وفقرائهم ومن لا ينظر إليه منهم أحب إلي، وهذا من تواضعه وإخلاصه العظيم رضي الله عنه. رث البيت: الرث هو الخَلَق البالي المهترئ الخسيس من كل شيء, تقول: ثوب رث، ورجل رث الهيئة، ومتاع رث، والجمع رِثاث.

فانطلق على وجهه؛ أي: ذهب ثم لم يُعرَف مكانه؛ إخفاء لنفسه وبعدا عن التظاهر مخافة أن يدخل إلى قلبه الرياء. واضح من قصة أويس أنه كان يتمتع بميزتين عظيمتين:

١.٢٠ بر الوالدين


الأولى: أنه كان برا بأمه، فكان من ثمرة بره بها أن منحه الله تبارك وتعالى الدعوة المستجابة، فهو امرؤ كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عنه: لو أقسم على الله لأبر الله قسمه.
وأويس تابعي لم ير الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر عنه وعن صفته قبل أن يأتي، ثم جاء مع أمداد أهل اليمن كما أخبر الرسول, فهي إحدى معجزاته صلوات الله عليه.
الثانية: تواضعه وإخلاصه لله تعالى وزهده في الدنيا، وقد ظهر ذلك بإيثاره البعد عن كل ما فيه ظهور وشهرة، حرصا على مرتبة الصدق والإخلاص لله عز وجل، وظهر أيضا برفضه أن يكتب أمير المؤمنين عمر إلى عامله في الكوفة يوصي فيه، وقوله: أكون في غبراء الناس أحب إلي.


١.٢٠ بر الوالدين



١.٢٠ بر الوالدين



١.٢٠ بر الوالدين