٢.١٩ التحذير من الكبر


التحذير من الكبر

لقد حرم الله تعالى الكبر وحذر منه, وبين الحق سبحانه وتعالى أنه وحده له العظمة والكبرياء, فلا يحق لأحد أن ينازعه في عظمته وكبريائه.

والتكبر على الناس هو ازدراؤهم والاستعلاء عليهم. غمط حقوقهم, أي: إنكار حقوقهم وأكلها بالباطل.

وبينت آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة أن إبليس عليه لعنة الله كانت أول معصيته الكبر, حيث تكبر عن السجود -بأمر الله- لآدم عليه السلام وتعالى بجنسه, وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، وقال: أأسجد لمن خلقت طينا؟ فكان جزاؤه اللعنة والطرد من رحمة الله تعالى. ولقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم, أن المتكبر لا ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة ولا يكلمه ولا يزكيه, وله عذاب أليم. وإليكم ما ذكره الإمام النووي في باب تحريم الكبر والإعجاب, في كتابه "رياض الصالحين" حيث قال:


٢.١٩ التحذير من الكبر


تحريم الكِبْر والإِعجاب

قال اللَّه تعالى: ((تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) [القصص: ٨٣].

وقال تعالى: ((وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا)) [الإسراء: ٣٧], وقال تعالى: ((وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)) [لقمان: ١٨].

ومعنى ((تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)) أي: تميله وتعرض به عن الناس تكبرا عليهم. والمرح: التبختر. وقال تعالى: ((إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)) إلى قوله تعالى: ((فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ)) الآيات.


٢.١٩ التحذير من الكبر


٦١٢- وعن عبدِ اللَّهِ بن مسعُودٍ رضيَ اللَّهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ((لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثْقَالُ ذَرَّةٍ مَنْ كِبرٍ)) فقال رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُه حسنا، ونعلهُ حسنة, قال: ((إِنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ, الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ)) رواه مسلم.
بَطَرُ الحقِّ: دفْعُهُ وردُّهُ على قائِلِهِ, وغَمْطُ النَّاسِ: احْتِقَارُهُمْ.
٦١٣- وعنْ سلمةَ بنِ الأَكْوع رضي اللَّه عنه, أَن رجُلا أَكَل عِنْدَ رسولِ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بشِمالِهِ فقال: ((كُلْ بِيَمِينِكَ)) قالَ: لاَ أَسْتَطِيعُ، قال: ((لا اسْتَطَعْتَ)) مَا مَنَعَهُ إِلاَّ الكبْرُ. قال: فما رَفَعها إِلى فِيهِ. رواه مسلم.
٦١٤- وعن حَارثَةَ بنِ وهْبٍ رضي اللَّه عنه قال: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)) متفقٌ عليه. وتقدَّم شرحُه في باب ضَعفَةِ المسلمينَ.
٦١٥- وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضيَ اللَّهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ((احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنَّارُ، فقالت النَّارُ: فيَّ الجَبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ، وقالَتِ الجنَّةُ: فيَّ ضُعَفاءُ النَّاسِ ومَسَاكِينُهُمْ. فَقَضَى اللَّه بيْنَهُمَا: إِنَّكِ الجَنَّةُ رَحْمَتي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ, وإِنَّكِ النَّارُ عذَابي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، ولِكِلَيْكُما عليَّ ملْؤُها)) رواهُ مسلم.

٢.١٩ التحذير من الكبر


٦١٦- وعن أبي هُريرة رضي اللَّه عنه أَن رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ((لا يَنْظُرُ اللَّه يَوْم القِيامةِ إِلى مَنْ جَرَّ إِزارَه بَطَرا)) متفقٌ عليه.
٦١٧- وعنه قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ((ثَلاثةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّه يَوْمَ القِيامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كَذَّابٌ، وعائلٌ مُسْتَكْبِرٌ)) رواهُ مسلم.
"العائِلُ": الفَقِير.
٦١٨- وعنه قال: قال اللَّه عزَّ وجلَّ: ((العزُّ إزاري, والكبرياءُ ردائي, فمن ينازعُني عذبتُه)) رواه مسلم.
٦١٩- وعنْه أَنَّ رسولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ((بيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في حُلَّةٍ تُعْجِبُه نفْسُه، مرَجِّلٌ رأسَه، يَخْتَالُ في مشْيَتِهِ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فهو يَتَجَلْجَلُ في الأَرْضِ إلى يوْمِ القِيامةِ)) متفقٌ عليه.
"مُرجِّلٌ رَأْسَهُ" أَي: مُمَشِّطُهُ. "يَتَجلْجَلُ" بالجيمين أَيْ: يغُوصُ وينْزِلُ.
٦٢٠- وعن سَلَمَة بنِ الأَكْوع رضيَ اللَّه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ في الجَبَّارينَ، فَيُصِيبُهُ ما أَصابَهمْ)) رواهُ الترمذي, وقال: حديث حسن.
"يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ" أَي: يَرْتَفعُ وَيَتَكَبَّرُ.


٢.١٩ التحذير من الكبر


وإليكم مزيدا من النصوص في التحذير من الكبر والغرور بالنفس, فتحت هذا العنوان كتب الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة كلاما طيبا في كتابه القيم ((الأخلاق الإسلامية وأسسها)), كتب يقول:

تحذير الإسلام من الكبر والغرور بالنفس

تبين لنا أن الكبر من أقبح الانحرافات الخلقية وأسوئها، وأنه قد يدفع بصاحبه إلى جحود خالقه والاستكبار على طاعته، ولذلك شدد الإسلام في تحريمه والتحذير منه، وشدد باللائمة على المستكبرين، وأوعدهم بالعقاب الشديد، كما رغب بالتواضع وحث عليه، ومجَّد المتواضعين وأثنى عليهم، ووعدهم بالثواب الجزيل.



٢.١٩ التحذير من الكبر


وفيما يلي طائفة من النصوص الإسلامية في هذا المجال:

روى الترمذي بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِن مِنْ أَحَبِّكُم إِليَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجلسا يَومَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُم أَخلاقا. وإِنَّ أَبَغَضَكُم إِليَّ وَأَبْعَدكُم مِنِّي يومَ الْقِيامةِ، الثَّرْثَارُونَ والمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ)) قالوا: يا رسول اللَّه, قَدْ عَلِمْنَا: الثرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا المُتَفيْهِقُونَ؟ قال: ((المُتَكَبِّروُنَ)).
والمتشدقون هم الذين يتكلمون بملء أفواههم، ويتصنعون القول تصنعا مع التعاظم به والتعالي على الناس، فيرجع إلى دافع الكبر.
ومن هذا الحديث نلاحظ أن أبغض المؤمنين إلى رسول الله وأبعدهم منه مجلسا يوم القيامة, المتكبرون.
وروى مسلم عن أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي, والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار)).
فالعقوبة الأخروية المقررة لمن ينازع الله تبارك وتعالى في صفتيه الكبرياء والعظمة, أن يقذف في النار.

٢.١٩ التحذير من الكبر


وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((وما تواضع أحد لله، إلا رفعه الله)).
المتواضعون لله هينون لينون، وبذلك جاء وصف المؤمنين، روى الترمذي مرسلا عن مكحول، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمنون هينون لينون، كالجمل الأُنُف، إن قيد انقاد, وإن أنيخ على صخرة استناخ)).
وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يحشر المتكبرون أمثال الذر يوم القيامة في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى (بَوْلَس) تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال)).
الأنيار: جمع النار. ونار الأنيار أي: أشد لهب النار، وتصغير المتكبرين في عذاب يوم القيامة، وإذلالهم من كل مكان، عقاب لهم من جنس عملهم.
وروى الترمذي عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم)).

٢.١٩ التحذير من الكبر


أي: لا يزال يذهب بنفسه مستكبرا منتفخا متعاليا على خلق الله، متعاظما بنفسه، حتى يرى أنه فوق الناس في خصائصه الفكرية، أو في خصائصه الجسدية، أو في أعراقه وأمجاده، أو في أتباعه وأولاده، أو في أمواله وأجناده، أو في مكانته في قومه، ويظل يتعالى بنفسه حتى يطغى ويكون جبارا من الجبارين، وعندئذ يقصمه الله.
إن هذا الحديث يصور حالة تدرج المستكبر في سلم الاستكبار والانتفاخ، حتى يكون جبارًا من الجبارين، وأنه في أول حاله قد لا يكون كذلك. وهذا ما يشاهد في بعض الناس حينما يملكون بعض القوى المادية، التي تمكنهم من بسط سلطانهم في الأرض. إنهم يبدءون بداية صغرى، ثم يترقون في درجات الكبر درجة بعد درجة، حتى يبلغوا الدرجة القصوى، والسبب في ذلك تزايد عامل الغرور بالنفس، حينما تساعدهم الظروف على التسلط، وينفخ في رءوسهم المتملقون، والمنافقون، والمداحون.
روى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظٍ مستكبر)).
العتل: هو الجافي, شديد الخصومة بالباطل.
الجواظ: الجموع المنوع، أو هو المختال المتكبر، أو هو الفاجر.

٢.١٩ التحذير من الكبر


وروى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم, ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر)).
أي: فقير مستكبر؛ وذلك لأن الفقير من شأنه أن يخفض الجناح، ولا يستكبر مع فقره إلا من ازداد لديه خلق الكبر زيادة جعلته منطمس البصيرة عن إدراك واقعه الذي يقتضي منه أن لا يكون مستكبرًا.
وروى مسلم عن عياض قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا, حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد)).
وأبان الله تبارك وتعالى أنه لا يؤمن بآيات الله عند تذكيره بها إلا الذين يخضعون لربهم ويسبحون بحمده وهم لا يستكبرون، فلا يمنعهم كبر في صدورهم عن الخضوع لله والتسبيح بحمده، قال الله تعالى:
((إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) [السجدة: ١٥, ١٦].

٢.١٩ التحذير من الكبر


فدل بهذا على أن عامل الكبر أخطر العوامل الصارفة عن الإيمان بالله وبآياته.
وأثنى الله على الملائكة بأنهم لا يستكبرون عن عبادة ربهم، فقال تبارك وتعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)) [الأعراف: ٢٠٦].
وقال تعالى: ((وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)) [النحل: ٤٩, ٥٠].
وروى مسلم عن سلمة بن عمرو بن الأكوع, أن رجلًا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال له: ((كل بيمينك)) قال: لا أستطيع، قال: ((لا استطعت)) ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه.
فهذا الرجل الذي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يأكل بيده اليمنى فلم يفعل، واعتذر بأنه لا يستطيع، إنما منعه الكبر أن يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمره به، لذلك قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا استطعت" فكان جزاء كبره وكذبه أنه صار عاجزًا فعلًا عن أن يرفع يده إلى فيه بعد ذلك)).

٢.١٩ التحذير من الكبر


ففي الحديث أمران:
الأول: استنكار الكبر الذي يمنع صاحبه من الطاعة، واستقباحه وتوجيه الذم والعقوبة لصاحبه. ومعلوم أن الكبر من أقبح الأخلاق التي يقاومها الإسلام، وينهى المسلمين عنها، وهو أخبث عنصر يقذف بصاحبه إلى درك الكفر والجحود والعصيان.
الثاني: استنكار الكذب واستقباحه، وقد دفع الرجل إلى الكذب إرادته تغطية كبره.
وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر)).
فدلت هذه الأقوال النبوية على أن المستكبرين أبعد الناس عن الجنة، وأن الكبر والكفر قرينان، إذ لا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر.
ولكن ليس المراد من الكبر ما يشمل رغبة الإنسان بأن يكون مظهره أنيقا ولباسه حسنا، بل المراد منه كما فسره الرسول صلى الله عليه وسلم بطر الحق وغمط الناس. وقد سبق تفسير هذا التعريف النبوي، ففرق الرسول صلى الله عليه وسلم بين الكبر وبين المظاهر الجمالية التي قد يدفع إليها الكبر، وقد يدفع إليها حب الجمال والرغبة بالأناقة، وعندئذ لا تكون من قبيل الكبر ولا دالة عليه.

٢.١٩ التحذير من الكبر


والكبر الذي يحرم المستكبر من دخول الجنة، هو الكبر عن الإيمان بالله وبما جاء من عنده, وبكل ما أمر بالإيمان به، والكبر عن طاعة الله وكل من أمر الله بطاعته. أما كبر الناس على الناس دون أن يؤثر ذلك على قضيتي الإيمان والطاعة لله, فهو من المعاصي الكبرى، ومن الكبائر، إلا أنه لا يخرج من دائرة الإيمان والإسلام إلى دائرة الكفر والحرمان من دخول الجنة.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي, أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي, أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها)).
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بينما رجل يمشي في حلة تُعجبه نفسه، مرجل رأسه, يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)).
يتجلجل: يغوص وينزل.
فدلت النصوص على أن الكبر داء, يجر إلى أوخم العواقب.


٢.١٩ التحذير من الكبر


آثار الكبر في السلوك

ويتولد عن داء الكبر الذي تصاب به النفوس أنواع قبيحة من السلوك الداخلي والخارجي. فالمستكبر قد يجحد الحق الذي لغيره، ولا يعترف له به؛ لأنه لا يريد أن يخضع لغيره، أو لا يريد أن يفوق عليه أو يساويه في الامتياز أحد. وحين لا يملك تغيير الواقع, فما عليه إلا أن يستره بغمطه وجحوده وتنقيصه، وبالتعالي عليه في تصرفات وأعمال من شأنها إشعار الآخرين بأنه ذو امتياز أسمى مما لغيره.

وقد يصل المستكبر إلى مستوى بالغ في الإجرام، إذ يعمل على قتل ما لدى غيره من خصائص تمتاز على ما لديه منها، أو قتل غيره وصرفه من الوجود نهائيا حتى لا يكون له منافسًا. ومتى تمادت الأنفس في استكبارها وغرورها أصابها مس من الطغيان، وكان كبرها أشبه ما يكون بالطوفان. وطوفان الكبر قد يصل في أقصى مده إلى جحود الله والاستكبار عن عبادته وطاعته، وتحدي قوته وقدرته، وجلاله وقهره لعباده، ويقف في أدنى مده عند حدود احتقار الناس والازدراء بهم، واستصغارهم، والاستهانة بما عندهم والتعالي عليهم.



٢.١٩ التحذير من الكبر


والغرور بالنفس ينفخ في صدور المستكبرين حتى يروا أنفسهم عظماء كبراء، وهم في واقع حالهم صغار جدا. إن شعورهم حول أنفسهم شعور هوائي صنعته الأوهام، لا يصاحبه نماء حقيقي فيما تملكه ذات المستكبر من خصائص وقوى معنوية أو مادية.

وربما يغشي الكبر على البصائر فيعميها عن رؤية الحق حقا والباطل باطلا، ومن أجل ذلك تتمادى في طغيانها. وما يزال الغرور بالنفس ينتفخ وينتفخ، وتنتفخ النفس به، حتى تنفجر وتتمزق، أو تصطدم بما يهشمها ويحطمها ويمزقها، وهذا من السنن الربانية الدائمة التي تقدم شواهدها من الواقع الإنساني، سنة الله, ولن تجد لسنة الله تبديلًا. ومن آثار الكبر في السلوك الظاهر، الهزء والسخرية بالآخرين، واحتقار الناس وازدراؤهم، وحركات الغمز، والهمز، واللمز، والتعيير، والتنقيص. وقد يكون من آثاره أيضا الغيبة، وفضح العيوب، وكشف نقائص الناس.

ومن آثاره أيضا التبختر والخيلاء والمرح في المشية، وتصعير الخد، والإعراض عن حديث المتحدث، والنظر الشذر إلى الناس، وجر الثوب من الخيلاء، والتطاول في الجسم، والتقعر في الكلام والتشدق فيه، والإجابة بحركات الوجه أو اليدين أو غيرهما من الجسم، كرفع الحاجبين, وغمز العين، وشد الحنك، ومط الشفاه، وإشارة اليد، وإدارة الظهر، والالتفات بالعنق, ورفع الرأس أو خفضه.



٢.١٩ التحذير من الكبر


ومن آثاره أيضا الترفع عن مجالسة ضعفاء القوم وفقرائهم ومساكينهم، والترفع عن محادثتهم ومؤاكلتهم ومشاربتهم. ومنها التعصب للرأي والعناد على الباطل رغم وضوح الحق، وهكذا إلى أمور كثيرة جدا.

وقد عالج الإسلام آثار الكبر في السلوك، ووجه إلى الآداب الإسلامية والفضائل السلوكية في هذا المجال، ونورد فيما يلي طائفة من هذه المعالجة:

الاستكبار عن الإيمان بالله وعبادته

ولقد أولى القرآن الكريم هذه الظاهرة من ظواهر الكبر عناية عظيمة، ووجه لها اهتمامًا كبيرًا، وسنتبين مبلغ ذلك عند الكلام على الذين استكبروا، فكفروا واستنكفوا عن عبادة ربهم، ونقتصر هنا على قول الله تعالى: ((لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)) [النساء: ١٧٢, ١٧٣].



٢.١٩ التحذير من الكبر


وقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [الأعراف: ٣٦]. وقوله أيضا:
((إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ، لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)) [الأعراف: ٤٠، ٤١].

فأبان الله في هذه النصوص ما لداء الكبر من تأثير قد يبلغ بصاحبه إلى مستوى التكذيب بآيات الله وهي حق، والاستكبار عن اتباع ما جاء فيها من أوامر ونواهٍ، والاستنكاف عن عبادة الله. وأبان الله أن الأطهار الأبرار الكاملين من عباده لا يستنكفون عن عبادته والخضوع له، فالمسيح عيسى ابن مريم لن يستنكف عن أن يكون عبدًا لله، وكذلك الملائكة المقربون لا يستنكفون عن عبادته والخضوع له.

ثم أبان الله عاقبة المستكبرين عن الإيمان به وعن عبادته، فأولئك يعذبهم الله عذابا أليما، ولا يجدون لهم من دون لله وليا ولا نصيرا، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، وأولئك محجوبون عن السماء ومعارج الارتقاء، فلا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة، ولهم من جهنم مكان معد لهم ممهد لعذابهم، وتنزل من فوقهم غواشٍ من العذاب. وكذلك جزاء المجرمين والظالمين.


٢.١٩ التحذير من الكبر


تصعير الخد للناس والمرح ومشية الخيلاء

ولقد عرض القرآن النهي عن هذه الظاهرة من ظواهر الكبر في السلوك ضمن وصايا لقمان لابنه, وقد ذكرها الله مؤيدا لها ومشيدا بحكمة لقمان, ففي سياق ذكر وصايا لقمان لابنه يقول الله تعالى: ((يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)) [الأعراف: ١٧، ١٨].


٢.١٩ التحذير من الكبر



٢.١٩ التحذير من الكبر



٢.١٩ التحذير من الكبر