١.١٩ الدعوة إلى التواضع


الدعوة إلى التواضع

إن الإسلام دعا إلى التواضع وحبب فيه، وجاء في التواضع آيات قرآنية كريمة دعت إليه ورغبت فيه. فلقد دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يخفض جناحه للمؤمنين, وهي دعوة لكل مسلم ومسلمة, قال تعالى: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)).

ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التواضع في أحاديث كثيرة, وبين صلى الله عليه وسلم أن المسلم لا يزيده التواضع إلا عزا, وأن المتواضع قريب من الله, قريب من الناس.

وذكر صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أوحى إليه أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد. وبين صلى الله عليه وسلم أن على المسلم أن يتواضع لأخيه المسلم, فلا يحقره ولا يستصغره، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ((المسلم أخو المسلم, لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره, كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه)).



١.١٩ الدعوة إلى التواضع


ولقد ذكرت أن القرآن الكريم نزلت به آيات بينات دعت إلى التواضع للناس. ومن هذه الآيات الكريمة الآية التي ذكرتها آنفا وهي قول الحق سبحانه وتعالى: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) [الشعراء: ٢١٥], وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) [المائدة: ٥٤].

فبينت هذه الآية أن الله تعالى يحب أناسا من المؤمنين ويحبونه, وقدم محبته لهم على محبتهم إياه وبين أن أهم وصف لهم أنهم متواضعون لله، فهم أذلة على المؤمنين أي: متواضعون للمؤمنين وأعزة وأشداء على الكافرين, وهذا ما ورد أيضا في قوله تعالى في سورة الفتح, قال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح: ٢٩].

فهم -كما ترى- أشداء على الكفار, رحماء بينهم. وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) [الحجرات: ١٣].


١.١٩ الدعوة إلى التواضع


فالناس من أب واحد هو آدم عليه السلام, وأم واحدة هي حواء زوجه. إذن يجب التواضع لكل خلق الله؛ إذ كلهم لآدم وآدم من تراب.

وقال تعالى: ((فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)) [النجم: ٣٢], وقال تعالى: ((وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ، أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)) [الأعراف: ٤٨, ٤٩].

ولقد ذكر الإمام النووي في كتاب رياض الصالحين أحاديث في التواضع, نذكرها كما رواها. قال: باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين. ثم قدم للأحاديث بآيات قرآنية نزلت في التواضع ذكرتها فيما سبق, وإليكم هذه الأحاديث التي جاءت في هذا الموضوع. يقول النووي:
٦٠٢- عن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ((إِن اللَّه أَوحَى إِليَّ أَنْ تَواضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحدٍ، ولا يَبغِيَ أَحَدٌ على أَحَدٍ)) رواه مسلم.
٦٠٣- وعَنْ أبي هريرة رضي اللَّه عنه أَن رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ((ما نَقَصَتْ صَدقَةٌ من مالٍ، وما زاد اللَّه عَبدا بِعَفوٍ إِلاَّ عِزّا، ومَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ)) رواه مسلم.

١.١٩ الدعوة إلى التواضع


٦٠٤- وعن أَنس رضي اللَّه عنه أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبيانٍ فَسَلَّم عَلَيْهِم, وقال: كان النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَفْعَلُهُ. متفقٌ عليه.
٦٠٥- وعنه قال: إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِن إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَتْ. رواه البخاري.
٦٠٦- وعن الأسوَد بنِ يَزيدَ قال: سُئلَتْ عَائِشَةُ رضيَ اللَّه عنها: ما كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَصنعُ في بَيْتِهِ؟ قالت: كان يَكُون في مِهْنَةِ أَهْلِهِ -يَعني: خِدمَةِ أَهلِه- فإِذا حَضَرَتِ الصَّلاة، خَرَجَ إِلى الصَّلاةِ. رواه البخاري.
٦٠٧- وعن أبي رِفَاعَةَ تَميم بن أُسَيدٍ رضي اللَّه عنه قال: انْتَهَيْتُ إِلى رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وهو يَخْطُبُ, فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، رجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عن دِينِهِ, لا يَدري مَا دِينُهُ, فَأَقْبَلَ عَليَّ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وتَركَ خُطْبتهُ حتى انتَهَى إِليَّ، فَأُتي بِكُرسِيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيهِ، وجَعَلَ يُعَلِّمُني مِمَّا عَلَّمَه اللَّه، ثم أَتَى خُطْبَتَهُ، فأَتمَّ آخِرَهَا. رواه مسلم.
٦٠٨- وعن أَنسٍ رضي اللَّه عنه أَنَّ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كان إِذَا أَكَلَ طَعَاما لَعِقَ أَصابِعه الثلاثَ, قال: وقال: ((إِذَا سَقطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيُمِطْ عَنْها الأَذى ولْيأْكُلْها، وَلا يَدَعْها للشَّيْطَانِ)) وَأَمَر أَنْ تُسْلَتَ القَصْعَةُ قال: ((فَإِنَّكُمْ لا تدْرُونَ في أَيِّ طَعامِكُمُ البَركَةُ)) رواه مسلم.
٦٠٩- وعن أبي هُريرة رضي اللَّه عنه، عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ((ما بعثَ اللَّهُ نَبِيّا إِلاَّ رعى الغنَمَ)) قالَ أَصحابه: وَأَنْتَ؟ فقال: ((نَعَمْ, كُنْتُ أَرْعَاهَا على قَرارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ)) رواهُ البخاري.

١.١٩ الدعوة إلى التواضع


٦١٠- وعنهُ, عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: ((لَوْ دُعِيتُ إِلى كُراعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأجبتُ, وَلَوْ أُهْدي إِليَّ ذِراعٌ أَو كُراعٌ لَقَبِلْتُ)) رواهُ البخاري.
٦١١- وعن أنس رضي الله عنه قال: كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها, فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه, فقال: ((حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)).
يقول الشيخ الميداني تحت عنوان "فضل التواضع ابتغاء مرضاة الله": وإذ حرمت النصوص الإسلامية الاستكبار بغير حق، وأبانت أن الكبر من قبائح أخلاق الإنسان، حثت على التواضع ابتغاء مرضاة الله ورغبت فيه، وأبانت أن من تواضع لله كافأه الله على تواضعه بالرفعة: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)). وهذا من سنن الله في عباده، كما أن من استكبر وتعالى على خلق الله أذله الله.

ومن الملاحظ أن الناس يحبون المتواضع ويألفونه، ويكرهون المستكبر ويأنفون منه ولا يألفونه، والسر في ذلك أن المتواضع ينزل نفسه إلى مستوى جلسائه فيعيش معهم بوداعة وانطلاق، ويعيشون معه بمثل ذلك، فيتم بينه وبينهم الإلف والوئام، وذلك يولد المحبة، بخلاف المستكبر، فإنه يرفع نفسه فوق مستوى جلسائه، فيعيش وحده في جوِّه النفسي المتعاظم، ويحيط نفسه بسياج شائك، لا وداعة فيه ولا انطلاق، وحين يرى جلساؤه ومعاشروه ذلك منه يبتعدون عنه بنفوسهم فلا يألفونه، ويرونه يضع نفسه فوقهم فيكرهونه، فكلتا الثمرتين من النتائج الطبيعية لكلا العملين.



١.١٩ الدعوة إلى التواضع


يضاف إلى ذلك أن المتواضع لا يثير في الناس دافع المنافسة, فيكون مألوفًا محبوبًا، بخلاف المستكبر فهو يثير في الآخرين دافع المنافسة بقوة، فيكون مكروها غير مألوف للنفوس، لا سيما إذا كان هو في نظرهم دون المكانة التي يرفع نفسه إليها.

ولما كان التواضع من الأخلاق التي تملك القلوب بالمحبة، أمر الله رسوله بأن يخفض جناحه للمؤمنين، مع أنه صلى الله عليه وسلم رفيع المكانة في نفسه، عظيم المنزلة عند الله، فقال الله تعالى له: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [الحجر: ١٥].

فكان صلوات الله وسلامه عليه يخفض جناحه للمؤمنين، فلا يتعاظم عليهم ولا يستكبر، ويجلس بينهم كواحد منهم، حتى يدخل عليه وهو في أصحابه من لا يعرفه فيقول: أيكم محمد؟ وربما كانت توقفه الأمة وتأخذ بيده ليقضي حاجة لها؛ روى البخاري عن أنس قال: إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم, فتنطلق به حيث شاءت.

وكان من تواضعه تحببه إلى الصغار بالسلام عليهم والمسح على رءوسهم ووجوههم. روى البخاري ومسلم عن أنس، أنه مر على صبيان فسلم عليهم, وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله.


١.١٩ الدعوة إلى التواضع


وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى (أي: صلاة الظهر) ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا. قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار.

من جؤنة عطار أي: من السلة التي يضع فيها متاعه وعطره. ولما للتواضع من أثر اجتماعي كبير, أوحى الله إلى رسوله بأن يأمر المسلمين بأن يتواضعوا. روى مسلم عن عياض قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)).

ومن تواضع الرسول وسماحة نفسه صلوات الله عليه أنه كان يشارك أهله في البيت مهنتهن وأعمالهن، روى البخاري عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. في مهنة أهله, تعني: في خدمة أهله.



١.١٩ الدعوة إلى التواضع


ومن تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قطع خطبته مرة لتعليم جاهل غريب، وأقبل عليه، حتى إذا انتهى منه عاد إلى ما كان فيه، روى مسلم عن تميم بن أسيد قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه, لا يدري ما دينه, فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها.

ومن تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يستكبر عن طعام يدعى إليه مهما قلت قيمته، تألفا لقلوب المؤمنين، وتكريما لهم، وتربية لهم على فضيلة التواضع، وتعظيما لنعمة الله، روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو دُعيتُ إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت)).


١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع


noteit
وبهذا نكون قد ألقينا شيئًا من الضوء على مفهوم حقوق الإنسان وواجباته في القرآن والسنة.

١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع



١.١٩ الدعوة إلى التواضع