والجدال في الدين, والجدال في السياسة, والجدال في العلوم والآداب, عندما يتصدى له هذا النفر من الأدعياء البلغاء, يفسد به الدين, وتفسد السياسة والعلوم والآداب, ولعل السبب في الانهيار العمراني, والتحزب الفقهي, والانقسام الطائفي, وغير ذلك مما أصاب الأمة الإسلامية, هو هذا الجدل الملعون في حقائق الدين, وشئون الحياة.
والجدل أبعد شيء عن البحث النزيه والاستدلال الموفق.
وروي عن عدد من الصحابة, قالوا: خرج علينا رسول الله يوما ونحن نتمارى في شيء من أمور الدين, فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله, ثم انتهرنا فقال: ((مهلا يا أمة محمد, إنما هلك من كان قبلكم بهذا, ذروا المراء لقلة خيره, ذروا المراء فإن المؤمن لا يُماري, ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته, ذروا المراء فكفى إثما ألا تزال مماريا, ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة, ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة؛ رياضها, ووسطها, وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق, ذروا المراء؛ فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء)).
وللناس مجالس يتجاذبون أطراف الحديث فيها, والإسلام يكره مجالس القاعدين الذين يقضون أوقاتهم في تسقط الأخبار وتتبع العيوب؛ لأن لهم فضول أموال يستريحون في ظلها, وليسوا يجدون شغلا إلا في التسلّي بشئون الآخرين.