٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


لين الكلام واختيار الألفاظ

أما لين الكلام واختيار الألفاظ, فذلك أدب عظيم من آداب الحديث بل من أهمها. ولقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعو إلى لين الكلام, واختيار الألفاظ, وعدم التنابز بالألقاب. كما جاءت أحاديث شريفة تدعو إلى لين الكلام.

فمن الآيات الكريمة الجامعة لهذا الأمر, ما جاء في سورة الحجرات؛ قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)) [الحجرات: ١١، ١٢]. وقال تعالى: ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)) [الأعراف: ١٩٩].

وقال تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) [آل عمران: ١٥٩].



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


ومن الأحاديث الشريفة في ذلك: قال صلى الله عليه وسلم: ((ألينوا الكلام وأطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة بسلام)) وإليكم ما كتبه فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى في هذا الموضوع:
نعمة البيان من أجلّ النعم التي أسبغها الله على الإنسان, وكرمه بها على سائر الخلق:
((الرَّحْمَنُ, عَلَّمَ الْقُرْآنَ, خَلَقَ الْإِنْسَانَ, عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)).

وعلى قدر جلال النعمة يعظم حقها, ويُستوجب شكرها, ويُستنكر كنودها. وقد بين الإسلام كيف يستفيد الناس من هذه النعمة المسداة, وكيف يجعلون كلامهم الذي يتردد سحابة النهار على ألسنتهم طريقا إلى الخير المنشود, فإن أكثر الناس لا ينقطع لهم كلام ولا تهدأ لألسنتهم حركة.

فإذا ذهبت تحصي ما قالوا, وجدت جُله اللغو الضائع أو الهذر الضار, وما لهذا ركب الله الألسنة في الأفواه, ولا بهذا تقدر الموهبة المستفادة:
((لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)). وقد عُني الإسلام عناية كبيرة بموضوع الكلام, وأسلوب أدائه؛ لأن الكلام الصادر عن إنسان ما يشير إلى حقيقة عقله وطبيعة خُلقه, ولأن طرائق الحديث في جماعة ما تحكم على مستواها العام, ومدى تغلغل الفضيلة في بيئتها.



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


ينبغي أن يسائل المرء نفسه قبل أن يتحدث إلى الآخرين:
هل هناك ما يستدعي الكلام؟ فإن وجد داعيا إليه تكلم, وإلا فالصمت أولى به, وإعراضه عن الكلام حيث لا ضرورة له عبادة جزيلة الأجر. قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: ((والذي لا إله غيره, ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسانٍ)). وقال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: ((خمس لهم أحسن من الدُّهم الموقفة: لا تتكلم فيما لا يعنيك, فإنه فضل, ولا آمن عليك الوزر..! ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا, فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه, فعيب..!

ولا تُمارِ حليما ولا سفيها, فإن الحليم يقليك, وإن السفيه يؤذيك! واذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به, وأعفِهِ مما تحب أن يعفيك منه! واعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان, مأخوذ بالإجرام))
. والمسلم لا يستطيع هذا إلا إذا ملك لسانه, وسيطر على زمامه بقوة, فكبحه حيث يجب الصمت, وضبطه حين يريد المقال.

أما الذين تقودهم ألسنتهم, فإنما تقودهم إلى مصارعهم. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يستقيمُ إيمان عبد حتى يستقيم قلبه, ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)).



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


وأول مراحل هذه الاستقامة, أن ينفض يديه مما لا شأن له به, وألا يقحم نفسه فيما لا يُسأل عنه: ((من حسن إيمان المرء تركه ما لا يعنيه)). والبعد عن اللغو من أركان الفلاح, ودلائل الاكتمال, وقد ذكره القرآن الكريم بين فريضتين من فرائض الإسلام المحكمة, هما الصلاة والزكاة:
((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ, الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ, وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ, وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)). ولو أن العالم أجمع أحصى ما يشغل فراغه من لغو في القول والعمل, لرَاعه أن يجد أكثر القصص المنشورة, والصحف المشهورة, والخطب والإذاعات لغوا مطردا, تعلق به الأعين, وتميل إليه الآذان, ولا ترجع بطائل!

وقد كره الإسلام اللغو؛ لأنه يكره التفاهات وسفاسف الأمور, ثم هو مضيعة للعمر في غير ما خلق الإنسان له من جد وإنتاج. وبقدر تنزه المسلم عن اللغو, تكون درجته عند الله. عن أنس بن مالك قال: توفي رجل, فقال رجل آخر -ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع: أبشر بالجنة. فقال رسول الله: ((أولا تدري؟ فلعله تكلم فيما لا يعنيه, أو بخل بما لا يُنقِصُهُ)).



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


واللاغي -لضعف الصلة بين فكره ونطقه- يرسل الكلام على عواهنه. فربما قذف بكلمة سببت بواره ودمرت مستقبله, وقد قيل: من كثُر لغطه كثُر غلطه, وقال الشاعر: يموت الفتى من عثرة بلسانه
وليس يموت المرء من عثرة الرّجل

وفى الحديث: ((إن العبد ليقول الكلمة, لا يقولها إلا ليُضحك بها المجلس, يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض!! وإن المرء ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدميه!!)).

فإذا تكلم المرء فليقل خيرا وليعوِّد لسانه الجميل من القول, فإن التعبير الحسن عما يجول في النفس أدب عالٍ, أخذ الله به أهل الديانات جميعا. وقد أوضح القرآن أن القول الحسن من حقيقة الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل على عهد موسى:
((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ)). والكلام الطيب العفّ, يجمل مع الأصدقاء والأعداء جميعا, وله ثماره الحلوة.



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


فأما مع الأصدقاء فهو يحفظ مودتهم, ويستديم صداقتهم, ويمنع كيد الشيطان أن يُوهي حبالهم ويفسد ذات بينهم:
((وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)). إن الشيطان متربص بالبشر, يريد أن يُوقع بينهم العداوة والبغضاء, وأن يجعل من النزاع التافه عراكا داميا ولن يسد الطريق أمامه كالقول الجميل. وأما حسن الكلام مع الأعداء فهو يطفئ خصومتهم, ويكسر حدتهم, أو هو على الأقل يوقف تطور الشر واستطارة شرره. ((وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)).

وفي تعويد الناس لطف التعبير مهما اختلفت أحوالهم يقول رسول الله: ((إنكم لن تسعوا بأموالكم, فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق)). بل إنه يرى الحرمان مع الأدب أفضل من العطاء مع البذاءة. ((قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)).
والكلام الطيب خصلة تسلك مع ضروب البر ومظاهر الفضل, التي ترشح صاحبها لرضوان الله, وتكتب له النعيم المقيم. روي عن أنس قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ((عَلِّمني عملا يُدخلني الجنة! قال: أطعم الطعام, وأفشِ السلام, وصل بالليل والناس نيام, تدخل الجنة بسلام)).



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


وقد أمر الله عز وجل, بأن يكون حجاجُنا مع أصحاب الأديان الأخرى في هذا النطاق الهادئ الكريم, لا عنف فيه ولا نكر, إلا أن يجور علينا امرؤ أثيم, فيجب كبح جماحه, ومنع اعتدائه: ((وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)). وعظماء الرجال يلتزمون في أحوالهم جميعا ألا تبدو منهم لفظة نابية, ويتحرجون مع صنوف الخلق, أن يكونوا سفهاء أو متطاولين.

روى مالك أنه بلغه عن يحيى بن سعيد أن عيسى عليه السلام مرَّ بخنزير على الطريق? فقال له: أنفذ بسلام! فقيل له: تقول هذا لخنزير؟ فقال: إني أخاف أن أعود لساني النطق بالسوء! ومن الناس من يعيش صفيق الوجه شرس الطبع, لا يحجزه عن المباذل يقين, ولا تلزمه المكارم مروءة, ولا يبالي أن يتعرض للآخرين بما يكرهون, فإذا وجد مجالا يشبع فيه طبيعته النزقة الجهول, انطلق على وجهه لا ينتهي له صياح, ولا تنحبس له شِرَّة.

والرجل النبيل لا ينبغي أن يشتبك في حديث مع هؤلاء, فإن استثارة نزقهم فساد كبير, وسد ذريعته واجب, ومن ثم شرع الإسلام مداراة السفهاء. حدث أن وقف رجل من أولئك الجهال أمام بيت الرسول يريد الدخول, فرأى النبي أن يحاسنه حتى صرفه, ولم يكن من ذلك بدٌّ -فالحلم فدامُ السفيه- ولو تركه يسكب ما في طبيعته الفظة لسمع ما تتنزه عنه أذناه!!



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


وعن عائشة قالت: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((بئس أخو العشيرة هو" فلما دخل انبسط إليه وألان له القول, فلما خرج قلت: يا رسول الله, حين سمعت الرجل قلت كذا وكذا, ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه! فقال: ((يا عائشة, متى عهدتني فاحشا؟ إن من شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة, من تركه الناس اتقاء فحشه)).

وهذا مسلك تصدقه التجارب, فإن الرجل لا يسوغ أن يفقد خُلُقه مع من لا خُلُق له. ولو أنه شغل بتأديب كل جهول يلقاه لأعيته الحِيلُ من كثرة ما سوف يلقى. ولذلك عد القرآن الكريم في أوائل الصفات التي يتحلى بها عباد الرحمن, هذه المداراة العاصمة:
((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا)). ((وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)). وقد يكظم الإنسان غيظه مرة أو مرتين ثم ينفجر.

بيد أن المطلوب من المسلم الفاضل, أن يطاول الأذى أكثر من ذلك؛ حتى لا يدع الشر يسيطر على الموقف آخر الأمر.


٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


عن سعيد بن المسيب قال: ((بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه, وقع رجل بأبي بكر فآذاه, فصمت عنه أبو بكر, ثم آذاه الثانية فصمت عنه, ثم آذاه الثالثة فانتصر أبو بكر رضى الله عنه, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال أبو بكر: أوجدت عليَّ يا رسول الله؟ قال: لا, ولكن نزل مَلَكَ من السماء يكذبه بما قال, فلما انتصرت ذهب الملك, وقعد الشيطان, فلم أكن لأجلس إذ قعد الشيطان)).

ومداراة السفهاء لا تعني قبول الدنية, فالفرق بين الحالين بعيد! الأولى: ضبط النفس أمام عوامل الاستفزاز, ومنعها طوعا أو كرها من أن تستجيشها دواعي الغضب وإدراك الثأر. أما الأخرى فهي بلادة النفس, واستكانتها إلى الهون! وقبولها ما لا يرضى به ذو عقل أو مروءة.

وقد أعلن القرآن محبته لمداراة السفهاء, وكراهيته لقبول الدنية:
((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا, إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)). ومن الضمانات التي اتخذها الإسلام لصيانة الكلام عن النزق والهوى تحريمه الجدل, وسدُّه لأبوابه, حقا كان أو باطلا. ذلك أن هناك أحوالا تستبد بالنفس, وتغري بالمغالبة, وتجعل المرء يناوش غيره بالحديث, ويصيد الشبهات التي تدعم جانبه, والعبارات التي تروج حجته, فيكون حب الانتصار عنده أهم من إظهار الحق, وتبرز طبائع العناد والأثرة في صور منكرة, لا يبقى معها مكان لتبيُّن أو طمأنينة!!



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


والإسلام ينفر من هذه الأحوال, ويعدُّها خطرا على الدين والفضيلة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن ترك المراء وهو مبطل, بُني له بيت في ربض الجنة, ومن تركه وهو محق بُني له في وسطها, ومن حسن خلقه بُني له في أعلاها)).

وهناك أناس أوتوا بسطة في ألسنتهم, تغريهم بالاشتباك مع العالم والجاهل, وتجعل الكلام لديهم شهوة غالبة, فهم لا يملونه أبدا. وهذا الصنف إذا سلط ذلاقته على شئون الناس أساء, وإذا سلطها على حقائق الدين شوّه جمالها وأضاع هيبتها.

وقد سخط الإسلام أشد السخط على هذا الفريق الثرثار المتقعّر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)). وقال: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه, إلا أوتوا الجدل)). هذا الصنف لا يقف ببسطة لسانه عند حد, إنه يريد الكلام فحسب, يريد أن يباهي به ويستطيل, إن الألفاظ تأتي في المرتبة الأولى, والمعاني في المرتبة الثانية, أما الغرض النبيل, فربما كان له موضوع أخير, وربما عزَّ له موضع, وسط هذا الصخب. ولقد حدث أن واحدا من أولئك الأغرار وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. عليه شارة حسنة", فجعل النبي لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه أن يأتي بكلام يعلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم!! فلما انصرف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يحب هذا وأضرابه, يلوون ألسنتهم للناس لي البقر بلسانها المرعى, كذلك يلوي الله تعالى ألسنتهم ووجوههم في النار)).



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


والجدال في الدين, والجدال في السياسة, والجدال في العلوم والآداب, عندما يتصدى له هذا النفر من الأدعياء البلغاء, يفسد به الدين, وتفسد السياسة والعلوم والآداب, ولعل السبب في الانهيار العمراني, والتحزب الفقهي, والانقسام الطائفي, وغير ذلك مما أصاب الأمة الإسلامية, هو هذا الجدل الملعون في حقائق الدين, وشئون الحياة. والجدل أبعد شيء عن البحث النزيه والاستدلال الموفق.

وروي عن عدد من الصحابة, قالوا: خرج علينا رسول الله يوما ونحن نتمارى في شيء من أمور الدين, فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله, ثم انتهرنا فقال: ((مهلا يا أمة محمد, إنما هلك من كان قبلكم بهذا, ذروا المراء لقلة خيره, ذروا المراء فإن المؤمن لا يُماري, ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته, ذروا المراء فكفى إثما ألا تزال مماريا, ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة, ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة؛ رياضها, ووسطها, وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق, ذروا المراء؛ فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء)).

وللناس مجالس يتجاذبون أطراف الحديث فيها, والإسلام يكره مجالس القاعدين الذين يقضون أوقاتهم في تسقط الأخبار وتتبع العيوب؛ لأن لهم فضول أموال يستريحون في ظلها, وليسوا يجدون شغلا إلا في التسلّي بشئون الآخرين.



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ


((وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ, الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ, يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ, كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ, وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ)). وقد فشا في عصرنا هذا جلوس الجماهير في النوادي والمشارب. وتلك آفة أصابت المجتمع بعلل شتى, وقد كثرت في المدائن والقرى لغير ضرورة مشروعة.

وفى الحديث: ((إياكم والجلوس في الطرقات. قالوا: يا رسول الله, ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. قال: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال: غض البصر, وكف الأذى, ورد السلام, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر)).

٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ



٢.١٨ لين الكلام واختيار الألفاظ