٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
الحياء من الإيمان
نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية، في جميع الرسالات السماوية ودعا إليه كل الرسل.
وعندما تحدثنا في درس سابق عن الإيمان وثماره ذكرنا أن الحياء ثمرة من ثمار الإيمان.
ولا بأس أن نتحدث عن الحياء هنا بالتفصيل حيث إنه خلق هام من الأخلاق الإسلامية التي نادت بها كل الرسل.
فأقول وبالله التوفيق:
الأخلاق الكريمة الفاضلة واحدة في كل الشرائع ونادت بها كل الرسالات ودعى إليها جميع الرسل، قال تعالى: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ))، وفي ذلك أيضا قول الحق سبحانه وتعالى: ((قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ)) والحياء خلق من الأخلاق النبيلة الفاضلة التي نادى بها كل الرسل ودعت إليها كل الشرائع وجاء الإسلام فأكد عليها.
بل إن الحياء كان من أبرز الأخلاق التي تخلق بها الرسل جمعيا لاستحيا سيد الخلق وأشرف الرسل المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والذي عرف عنه أنه أشد حياء من العذاراء في خدرها صلى الله عليه وسلم.
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
والحياء عرفه علماء اللغة بأنه تغير وانكسار يعثر على الإنسان من خوف ما يعاب به أو يذم عليه.
وعند علماء الشرع: الحياء خلق يبعث على اجتناب القبائح والتخلي عن الرذائل ويمنع صاحبه من التقصير في حق ذي الحق.
وعلى ذلك فالذي يتخلق بخلق الحياء تراه يبتعد كل البعد عن المعايب ولا يبدر منه القبيح، وإنما يستحيي من نفسه ومن الناس ومن الله تعالى ولهذا كان الحياء خصلة من خصال الإيمان العظيمة وشعبة من شعبه الكريمة، روى البخاري بسنده عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: ((الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان)). وفي رواية: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)).
فهذا الحديث الشريف جعل الحياء واحدا من شعب الإيمان بل جعله من أهمها إذ نبه عليه دون باقي الشعب في الرواية الأولى وذلك لأهميته ولمكانته، وفي الرواية الثانية ذكره مقرونا بكلمة التوحيد وإزالة الأذى عن طريق المسلمين فقال فيها: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ثم قال: والحياء شعبة من الإيمان، وما كان هذا الاقتران إلا لتلك المكانة العالية لخلق الحياء)).
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
ولقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الحياء خير كله)) وأنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الحياء لا يأتي إلا بخير)).
وذلك في الحديث الذي رواه عمران بن حصين رضي الله عنه في قوله: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يعظ أخاه في الحياء فقال له صلى الله عليه وسلم: ((دعه فإن الحياء لا يأتي إلا بخير وفي رواية: ((إن الحياء خير كله)).
وفي رواية البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعه فإن الحياء من الإيمان)).
وإن من المشاهد والمجرب أن الحياء يمنع صاحبه المتخلق به من ارتكاب القبائح والمنكرات ويجعله بعيدا كل البعد عن كل ما يعيب الإنسان.
وحين ينعدم الحياء فإنه يهون على الإنسان أن يفعل المنكرات ويستهين بالقبائح ويفعل ما يشاء؛ لأن الذي لا حياء له يكون مستهترا بالناس غير مبال بهم ولا يهتم بما يقال فيه أو عنه فهو إنسان متبلد المشاعر ميت الأحاسيس وكأنه بهيمة تأكل ما تشاء وترتع أينما تشاء وتفعل ما تشاء بل ترى عديم خلق الحياء يفاخر بالمعاصي ويتباهى بالمجون ويفعل القبائح.
يسبل الله عليه ستره فيكشف ستر الله عليه ويتمادى يا فلان يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، غير مبال بالناس ومشاعرهم وهذا العمل وهذا المجون والمجاهرة بالإثم والمعاصي إنما سببه فقدان الحياء من الله ومن الناس.
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
وهذا العمل لا يغفره الله؛ لأن الله تعالى وكما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى يغفر لكل المذنبين إلا المجاهرين بمعاصيهم لفقدهم الحياء، يسترهم الله فيفضحون أنفسهم ويفضحون الناس.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون وإن المجانة -أي المجاهرة- أن يعمل الرجل عملا بالليل ثم يصبح قد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله))
ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا لم تستحي فاصنع ما شئت))، وبين صلى الله عليه وسلم أن هذا الكلام ميراث من مواريث النبوة الأولى أنه من كلام الأنبياء السابقين ومما أوحى إليهم به إذ يقول صلى الله عليه وسلم: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)).
إن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بأن الإيمان والحياء قرناء فإذا غاب أحدهما غاب الآخر وإذا سلب أحدهما سلب الآخر وروى الإمام البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الحياء والإيماء قرنا جميعا)).
فإذا رفع أحدهما رفع الآخر.
وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما: فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر.
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
فالحياء خلق نبيل دعا إليه الإسلام ورسول الله الإسلام كما دعت إليه كل الشرائع وكل الرسل، وتحدثنا فيما سبق عن هذا الخلق واليوم نكمل هذا الموضوع المهم.
لقد جاءت أحاديث كثيرة عن سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تبين قيمة هذا الخلق الكريم خلق الحياء.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار.
وما كان الأمر كذلك إلا؛ لأن الحياء يمنع صاحبه من الوقوع في الفواحش ويبعده عن الرذائل وكل ما يخدش حياء البشر أما الجفاء فإنه يهون على الإنسان أن يكون فاحشا وبذيئا وسخابا وشتاما وعيابا والله سبحانه وتعالى يبغض الفحش والتفاحش ويبغض الفاحش البذيء. والحياء خلق من الأخلاق الحسنة بل هو سيدها.
وأثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة، إنما هو الخلق الحسن روى الترمذي بسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)) يقول الشيخ عبد الرحمن حسن في كتابه الأخلاق الإسلامية:
إن الحياء يحجز المرء عن الفواحش ويجعله يستر بها إذا هو كبا في شيء من أوحالها ويجعله بعيدا عن فحش القول والبذاءة.
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
والحياء يدفع المرء إلى التحلي بكل جميل محبوب والتخلي عن كل قبيح مكروه والجمال من الكمال والقبح من النقصان.
وجمال الخصال والأفعال أسمى من جمال الرسوم والأشكال لكل ذلك حث الإسلام على التحلي بخلق الحياء والبعد عن كل وقاحة ومجانة وفحش وبذاءة.
أقول: ومن أجل ذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء خلق الإسلام؛ لأنه أساس لكل الفضائل ورادعا وزاجرا عن كل الرذائل.
روى ابن ماجه في سننه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أنس وابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء)).
ورواه أيضا مالك مرسلا عن زيد بن طلحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد سبق أن ذكرت أن رسول الله، كان أشد حياء من العذراء في خدرها وأنه وصف في الكتب السابقة بأنه ليس بفاحش ولا بذيء ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يدفع السيئة بالحسنة ويعفوا ويصفح وهل هذا كل إلا من الحياء.
لقد وصل من حيائه صلى الله عليه وسلم: إنه كان يغتسل مع نسائه من إناء واحد ولا يرى من امرأته شيئا ونسائه صلى الله عليه وسلم لحيائهن لا يرين منه شيئا.
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين: كانت أغتسل أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد فما رأيت منه صلوات الله وسلامه عليه ولا رأى مني. تريد العورة.
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه.
ولقد بين صلى الله عليه وسلم أن الحياء صفة من الله عز وجل، فخليق بكل مسلم أن يتخلق بهذا الخلق الذي هو من أخلاق الله تعالى:
فلقد بين صلى الله عليه وسلم أن الله كريم جواد يعطي اليل والنهار إذا رفع العبد يديه سائلا عطاياه يستحيي الحق سبحانه وتعالى أن يرده خائبا وإنما يجيبه ويعطيه إذا دعاه ولا يرد يديه إليه صفرًا أي خاليتين.
روى الترمذي وأبو داود والبيهقي في الدعوات الكبير، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا)).
إن هذا الخلق الجميل ألا وهو الحياء والذي هو من صفات ذي الجلال سبحانه وتعالى، هو الذي يجعل الحق يغفر الذنوب لكبار السن الذين شابوا في الإسلام.
إذا جاء في بعض الأحاديث: ((إن الله تعالى يستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام))، وهو نفس المعنى الذي ورد في الحليلة لأبي نعيم الأصفهاني عن علي كرم الله وجهه.
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يحب أبناء السبعين ويستحيي من أبناء الثمانين))، قال السيوطي: حديث حسن الجامع الصغير، ١/ ٧٦.
إن هذا الحياء وهذا الخلق النبيل جعل الإمام عليا كرم الله وجهه لا يسجد لصنم ولا يرى عورة قط حتى عورة نفسه.
والحياء أيضا هو الخلق النبيل الذي جعل عثمان بن عفان رضي الله الخليفة الثالث الراشد: لا يمس ولا يقترب من ذكره أي من فرجه بيده اليمنى حياء من الله تعالى، إذ اليمين علامة كل خير والله تعالى يحب التيامن في كل شيء.
يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: والله ما مسست ذكري بيمني منذ أسلمت.
ولكن علينا جميعا أن نفهم بأن الحياء الحق لا يمنع من قول الحق ولا فعل الحق، فإن الحياء إذا منع من قول الحق أو فعل الحق لا يكون حياء محمود أو إنما يكون حجلا وكسوفا ممقوتا.
قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)) وقال تعالى: في سورة الأحزاب: عندما جلس كثير من الناس عند رسول الله في ليلة عرسه، فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستأذن منهم ويتركهم قال تعالى: ((إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)) هذا وبالله التوفيق.
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية
٢.١٣ الحياء من الإيمان، نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية