٢.٣ متعلقات الإيمان


"متعلقات الإيمان": الإيمان له متعلقات لا بد أن يقوم بها المؤمن, جاءت هذه المتعلقات في آخر سورة البقرة, وفي حديث جبريل وأسئلته للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذه المتعلقات منها: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله في الآية الكريمة، ويزاد على ذلك الإيمان بالقدر خيره وشره, حلوه ومره, والإيمان بالساعة وعلاماتها. قال تعالى في سورة البقرة: ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) [البقرة: ٢٨٥].

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب, شديد سواد الشعر, لا يُرَى عليه أثر السفر, ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد, أخبرني عن الإسلام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت, قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل.


٢.٣ متعلقات الإيمان


قال: فأخبرني عن أماراتها قال: أن تلد الأمة ربتها -وفي رواية: ربها- وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي: يا عمر, أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم, قال: فإنه جبريل, أتاكم يعلمكم دينكم)).

وبسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس, فأتاه رجل فقال: يا رسول الله, ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله, وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول الله, ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا, وتقيم الصلاة المكتوبة, وتؤتي الزكاة المفروضة, وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله, ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه, فإنك إن لا تراه فإنه يراك.

قال: يا رسول الله, متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها -أي: علاماتها- إذا ولدت الأمة ربها فذاك من أشراطها, وإذا كانت العراة الحفاة رءوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا صلى الله عليه وسلم:
((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) [لقمان: ٣٤].



٢.٣ متعلقات الإيمان


قال: ثم أدبر الرجل, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا علي الرجل, فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم)). وبسنده رواه أيضا مسلم غير أن فيه: ((إذا ولدت الأمة بعلها)) يعني: السراري وبسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوني فهابوه أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ ((قال: لا تشرك بالله شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان قال: صدقت. قال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله, وتؤمن بالبعث, وتؤمن بالقدر كله. قال: صدقت. قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: أن تخشى الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت.

قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأحدثك عن أشراطها: إذا رأيت المرأة تلد ربها فذاك من أشراطها, وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها, وإذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها, في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله. ثم قرأ:
((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) [لقمان: ٣٤].



٢.٣ متعلقات الإيمان


قال: ثم قام الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوه علي. فالتُمس فلم يجدوه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل, أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا)).

وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث, قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا, وتقيم الصلاة, وتؤدي الزكاة المفروضة, وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها, وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان, في خمس لا يعلمهن إلا الله, ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))، [لقمان: ٣٤], ثم أدبر فقال: [ردوه] فلم يروا شيئا, فقال: هذا جبريل, جاء يعلم الناس دينهم)).



٢.٣ متعلقات الإيمان


هذه الروايات المتعددة في البخاري ومسلم لحديث سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وعلاماتها؛ فيها متعلقات الإيمان, وأولها الإيمان بالله وحده, وهذا يتعلق به الكثير مما يجب لله سبحانه وتعالى من صفات الجلال والكمال والإيمان بالملائكة وما يتعلق بهم من جانب العقيدة, ثم الإيمان بكل الكتب السماوية من توراة وإنجيل وزبور وقرآن، ثم الإيمان بجميع الرسل من غير تفرقة بينهم.

والإيمان باليوم الآخر, وما فيه من حشر ونشر وحساب وميزان وحوض وصراط وجنة ونار. والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره, حلوه ومره, كله من الله تعالى. وكل ما ذكر من متعلقات الإيمان له مباحث تتعلق به.

فمما يتعلق بالإيمان بالله أن تؤمن بأن الله واحد وموجود وقادر ومقدم ومؤخر وأول وآخر, وأنه يجب له كل كمال يليق بذاته, وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلا. قال تعالى: ((قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) [الإسراء: ١١٠].

وقال تعالى: ((وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)) [الأعراف: ١٨٠], وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسما, من حفظها دخل الجنة, وإن الله وتر يحب الوتر)).


٢.٣ متعلقات الإيمان


وزاد الترمذي في روايته: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن, الرحيم، الملك, القدوس, السلام, المؤمن, المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق البارئ, المصور, الغفار, القهار, الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط, الخافض, الرافع, المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم, العظيم, الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب, المجيب، الواسع، الحكيم, الودود، المجيد، الباعث، الشهيد, الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي, القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر, المقدم، المؤخر, الأول، الآخر، الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالي، البر، التواب, المنتقم، العفوّ, الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع, الضار, النافع, النور، الهادي، البديع، الباقي, الوارث، الرشيد, الصبور, جل جلاله.

ومن متعلقات الإيمان بالله أن الله سبحانه وتعالى له أسماء أخرى غير التي ذكرناها وله أسماء لا يعلمها إلا هو, ويعلم من يشاء من عباده ما شاء من أسمائه سبحانه وتعالى. قال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك, أو أنزلته في كتابك, أو علمته أحدا من خلقك, أو استأثرت به في علم الغيب عندك, أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همومنا...)) الحديث.



٢.٣ متعلقات الإيمان


ويتعلق بالإيمان بالملائكة أن نؤمن بأنهم أجسام لطيفة نورانية تتشكل بالأشكال الحسنة, وأنهم الملأ الأعلى, وأنهم مطهرون من الشهوات الحيوانية, وأنهم لا يأكلون ولا يشربون, وأنهم لا يوصفون بالذكورة ولا بالأنوثة, وأنهم عالم آخر قائم بنفسه ومستقل بذاته, وأنهم لا يتصفون بما يوصف به البشر من الحالات المادية.

ولهم القدرة على أن يتمثلوا بالصور البشرية وغيرها من الصور الحسية, فقد جاء جبريل إلى مريم متمثلا في صورة بشرية, قال تعالى: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)) [مريم: ١٦، ١٧].

ودخل جماعة منهم على سيدنا إبراهيم عليه السلام, فقدم لهم الطعام فلم يأكلوا منه, فعلم أنهم ملائكة الرحمن, قال تعالى: ((وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ، قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) [هود: ٦٩-٧٣]. وسبق أن قلنا: إن الملائكة أجسام لطيفة نورانية, فهم خلقوا من نور.



٢.٣ متعلقات الإيمان


روى مسلم بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خلقت الملائكة من نور, وخلق الجان من مارج من نار, وخلق آدم مما وصف لكم، ومسكنهم السماء ويتنزلون منها بأمر الله)). روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: ((ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟)) قال: فنزلت: ((وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)) [مريم: ٦٤].

ومن الأمور المتعلقة بالإيمان بهم أن نؤمن بأن الله خلقهم قبل الإنسان, وقد أخبرهم الله تعالى بأنه سيخلق الإنسان, أي: آدم, وأنه سيجعله خليفته, فهم موجودون من قبل آدم عليه السلام. قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) [البقرة: ٣٠], ويتعلق بالإيمان بهم أيضا أن نؤمن بأن الله تعالى جبلهم, أي: خلقهم مجبولين على طاعته التامة والخضوع لجبروته والقيام بأوامره, وأنهم يتصرفون في شئون العالم بإرادة الله ومشيئته, وهو سبحانه يدبر ملكه وهم لا يقدرون على شيء من تلقاء أنفسهم.



٢.٣ متعلقات الإيمان


قال تعالى: ((يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)) [النحل: ٥٠]. وقال تعالى: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)) [الأنبياء: ٢٦-٢٨].

وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)) [التحريم: ٦]. روى البخاري بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله, كأنه صلصلة على صفوان, فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير)).

ويتعلق بالإيمان بالملائكة أن نؤمن بأنهم متفاوتون في المقام, وأن لكل منهم وظيفة خاصة به وكلها الله إليه. وهم متفاوتون في الخلق, منهم من له من الأجنحة مثنى, ومنهم من له ثلاث, ومنهم من له رباع, ومنهم من له ستمائة جناح, وسبحان الله تعالى يزيد في الخلق ما يشاء, إنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.



٢.٣ متعلقات الإيمان


قال تعالى: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [فاطر: ١]. روى مسلم في صحيحه بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح, وكثرة الأجنحة دليل القدرة على السرعة في تنفيذ أوامر الله وتبليغ رسالته, قال تعالى: ((وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)) [الصافات: ١٦٤-١٦٦].

قال ابن كثير: وما من ملك إلا وله موضع مخصوص في السموات ومقامات العبادات, لا يتجاوزه ولا يتعداه.

وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد عن أبيه وكان ممن بايع يوم الفتح, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجلسائه: ((أطّت السماء وحق لها أن تئط, ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد)). ثم قرأ: ((وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)) [الصافات: ١٦٤-١٦٦]. ثم إن لهم عملا في عالم الأرواح وعملا في عالم الطبيعة, ولهم صلة خاصة بالإنسان.



٢.٣ متعلقات الإيمان


عملهم الروحي يتلخص في:
التسبيح والخضوع التام لله تعالى. قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)) [الأعراف: ٢٠٦]. وقال تعالى: ((وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الزمر: ٧٥]. ومن الملائكة من يحمل العرش -أي: عرش الرحمن- وهم المعروفون بحملة العرش.

قال تعالى: ((وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ)) [الحاقة: ١٧], وقال تعالى: ((الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [غافر: ٧، ٨، ٩].



٢.٣ متعلقات الإيمان


ومن أعمالهم التسليم على أهل الجنة. قال تعالى: ((وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)) [الرعد: ٢٢-٢٤]. وكما أنهم يسلمون على أهل الجنة, فمنهم أيضا من أوكل الله إليه تعذيب أهل النار. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)) [التحريم: ٦].

وقال تعالى في صفة جهنم, ومن عليها من الملائكة الموكلين بتعذيب أهلها: ((سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ، عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)) [المدثر: ٢٦-٣١].

ومن الملائكة من اختصه الله تعالى بالوحي -أي: ينزل بالوحي على رسل الله سبحانه وتعالى- وهو سيدنا جبريل عليه السلام, قال تعالى: ((قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ)) [البقرة: ٩٧, ٩٨],


٢.٣ متعلقات الإيمان


ويسمى بالروح الأمين، قال تعالى: ((وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)) [الشعراء: ١٩٢-١٩٤].

ومن أسمائه أيضا روح القدس, قال تعالى: ((قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)) [النحل: ١٠٢]. ويسمى أيضا بالناموس, كما قال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أول عهده بالوحي: لقد جاءك الناموس الذي نزَّل الله على موسى. ويأتي جبريل أحيانا في صورة البشر, وأحيانا في مثل صلصلة الجرس.

روى البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال, وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه, وإن جبينه ليتفصد عرقا.

وفي الحديث الذي أخرجه ابن أبي الدنيا والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها, فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)). هذه بعض أعمال الملائكة الموكلة إليهم في عالم الأرواح.


٢.٣ متعلقات الإيمان



٢.٣ متعلقات الإيمان



٢.٣ متعلقات الإيمان



٢.٣ متعلقات الإيمان



٢.٣ متعلقات الإيمان



٢.٣ متعلقات الإيمان



٢.٣ متعلقات الإيمان