١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ((قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ، قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ)).
هذا الحديث قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- ضمن خطبته في حجته التي كانت في العام العاشر من الهجرة، والتي تُعرف بحجة الوداع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول لأصحابه: ((خذوا عنّي لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا)) كان في ذلك إشارة إلى رحيله -صلى الله عليه وسلم- وإلى مفارقته للدنيا، وإلى لقاء ربه.
هذا الحديث الراوي الأعلى له أي: الصحابي الذي رواه هو أبو بكرة -رضي الله عنه وأرضاه: اسمه نفيع بن الحارث، وكُنّي بأبي بكرة؛ لأنّه خرج من الطائف على بكرة، وألقى بنفسه إلى الصحابة، يقول ابن أبي بكرة -وهو عبد الرحمن: إن أباه حدثه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قعد على بعيره. العلماء قالوا: ما دام قعد على بعيره وخطب في الناس، إذن تجوز الخطبة للجالس على البعير، ويجوز الجلوس على البعير للخطبة، وأمسك إنسان بخطامه يعني: بالحبل الذي تُقاد به ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ويشدّ به هذا الجمل، ...


١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


...ثم سأل -صلى الله عليه وسلم- أسئلة ظنَّ الحاضرون أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سيُسمّي في الإجابة عندما يُجيب عن هذه الأسئلة بغير حقيقتها التي يعرفونها، لكنه ما غيَّر شيء فيها وما كانت أسئلته -صلى الله عليه وسلم- إلا ليؤكّد على هذه المعاني، وهي حرمة شهر ذي الحجة، وحرمة يوم عيد النحر، وحرمة البلد الحرام.
ثمَّ بيَّن -صلى الله عليه وسلم- أنّ الدماء والأعراض والأموال حرام على الناس جميعًا إلى يوم القيامة، كحرمتهم في هذا اليوم، وفي هذا الشهر، وفي هذا المكان.
ثم قال: -صلى الله عليه وسلم: ((ليبلّغ الشاهد الغائب))، هنا دعوة إلى نشر العلم، وأن على المستمع أن يبلّغ ما يسمع، فلعل من يسمع أن يفهم أكثر مما سمع، ولذلك يقول -عليه الصلاة والسلام: ((فربَّ مبلغ أوعى من سامع)). الإمام ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري شرح صحيح الإمام البخاري) قال: "أما قوله -أي: قول البخاري- باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ربَّ مبلغ أوعى من سامع. قال: هذا الحديث المعلق أورده البخاري في الباب بمعناه، وأما لفظه فهو موصول عنده في باب الخطبة بمنى من كتاب الحج، أورد فيه هذا الحديث، الذي كان عنوانًا معلقًا في قوله باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ أوعى من سامع.
هذه الجملة حديث معلق؛ لأنّ البخاري لم يأتِ بالسند المتصل منه إلى من قال: قال -صلى الله عليه وسلم: ((رب مبلغ أوعى من سامع)).

١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


أورد فيه هذا الحديث من طريق قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين أورده في باب الخطبة بمنى من كتاب الحج قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن هو حميد بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي بكرة يعني: أنّ هذا الحديث أخبره به عبد الرحمن بن أبي بكرة، وحميد بن عبد الرحمن الاثنان رواه عن أبي بكرة قال: -أي: أبو بكرة- قال: "خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر -هو يوم عيد الأضحى- قال: ((أتدرون أيُّ يوم هذا؟)) وفي آخره هذا اللفظ ألا وهو ((رب مبلغ أوعى من سامع)).
وغفل القطب الحلبي، ومن تبعه من الشراح في عزوهم له إلى تخريج الترمذي من حديث ابن مسعود، فأبعدوا النجعة وأوهموا عدم تخريج البخاري له، والله المستعان أي: أن من قال: إن البخاري لم يخرج هذا الحديث أخطأ، هناك من اكتفى بتخرج الترمذي له، ولم يقل أخرجه البخاري، مع أنّ البخاري أخرجه في باب الخطبة بمنى في كتاب الحج في صحيحه، وكلمة ربَّ ((رب مبلغ)) للتقليل، وقد تَرِدُ للتكثير، ومبلَّغ -بفتح اللام- اسم مفعول، وأوعى نعت له أي: صفة، والذي يتعلق به رب محذوف وتقديره: يوجد، أو يقول، يعني: رب من يوجد، أو من يكون أوعى، ويجوز على مذهب الكوفيين في أنّ رب اسم أن، تكون هي مبتدأ، وأوعى الخبر؛ فلا حذف ولا تقدير.
والمراد ربَّ مبلغ عني أوعى، أي: أفهم لما أقول من سامع مني، وصرح بذلك أبو القاسم بن منده في روايته من طريق هوزه عن أبي عول، ولفظه: ((فإنه عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما يقول من بعض من شهد)).


١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


دراسة موجزة حول رجال سلسلة الحديث
قوله بشر في الرواية في قوله حدثنا بشر: هو بشر بن المفضل، ورجال الإسناد كلهم بصريّون، أما قوله ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بنصب النبي على المفعولية، وفي ذكر ضمير يعود على الراوي، وهو أبي بكرة كان يحدّثهم، فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "قعد على بعيره"، وفي رواية النسائي ما يُشعر بذلك، ولفظه عن أبي بكرة قال: "وذكر النبي -صلى الله عليه وسلم-" فالواو في قوله "وذكر النبي -عليه الصلاة والسلام-" إما حالية وإما عاطفة والمعطوف عليه محذوف، وقد وقع في رواية ابن عساكر عن أبي بكرة: "أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قعد ولا إشكال فيه".
أما قوله "وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه" كلمة أو هنا شكٌّ من الراوي، وهذا يدل على أمانته، وعلى تورّعه في أن يأتي بكلمة لم يقلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أو يصفه بفعل لم يُوصف به -صلى الله عليه وسلم، والزمام والخطام بمعنى واحد وهو الخيط أي: الحبل الذي تُشدّ فيه الحلقة التي تُسمى بالبره -بضم الباء وتخفيف الراء المفتوحة- في أنف البعير، وهذا الممسك سماه بعض الشراح بلالًا أي: الذي كان يمسك بخطامه الجمل هو سيدنا بلال بن رباح -رضي الله عنه وأرضاه، واستند من قال: إنّه بلال إلى ما رواه النسائي من طريق أم الحصين قالت: "حجزت فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلة النبي -صلى الله عليه وسلم-" انتهى، فذكر بعض الخطبة، فهو أولى أن يُفسر به المبهم من بلال.

١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


لكن الصواب أنّه هنا أبو بكرة، فقد ثبت ذلك في رواية الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن ابن عون ولفظه "خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على راحلته يوم النحر، وأمسكت -يعني: أبو بكرة- إما قال: بخطامها، وإما قال: بزمامها"، واستفدنا من هذا أنّ الشك ممن دون أبي بكرة لا منه، وفائدة إمساك الخطام صون البعير عن الاضطراب حتى لا يشوّش على راكبه، ومن الممكن أن نقول: إنه مرة كان يمسك بزمام الناقة بلال، ومرة يمسك بزمام الناقة أبو بكرة، فكلٌّ روى حسب ما رأى.
ثم يقول -صلى الله عليه وسلم: ((أي يوم هذا؟)) سقط من رواية المستملي، والحموي السؤال عن الشهر والجواب الذي قبله، فصار هكذا: ((أيُّ يوم هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال: أليس بذي الحجة؟))، وكذا في رواية الأصيلي، وتوجيهه ظاهر، وهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، ولكن الثابت في الروايات عند مسلم وغيره ما ثبت عند الكشمهني، وكذلك وقع في رواية مسلم وغيره السؤال عن البلد، وهذا كله في رواية ابن عون.
وثبت السؤال عن الثلاثة عند المصنف في الأضاحي من رواية أيوب، وفي الحج من رواية كرة كلاهما عن ابن سيرين قال القرطبي: "سؤاله -صلى الله عليه وسلم- عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهومهم -أي: للفت أنظارهم- وليقبل عليه بكليتهم، وليستشعروا عظمة ما يخبرهم به، ولذلك قال بعد هذا: ((فإن دماءكم)) إلى آخره مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء" انتهى.

١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


ومناط التشبيه في قوله ((كحرمة يومكم)) وما بعده ظهوره عند السامعين؛ لأنّ تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم، مكررًا عندهم بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فبيَّن أنّ الأموال والأعراض والأنفس حرام كما يعلمون أنّ البلد الحرام حرام، وأنّ الشهر الحرام حرام، وأنّ يوم النحر حرام، فطرأ الشرع عليهم، وعلمهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم؛ فلا يرد، أي: فلا يكون هناك شبهة كون المشبَّه به أخفض رتبة من المشبه؛ لأنّ الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع، ووقع في الروايات التي أشرنا إليها عند المصنف وغيره أي: عند البخاري وغيره أنّهم أجابوه عن كل سؤال بقولهم: "الله ورسوله أعلم"، وهذا يدل على أدبهم، وعلى أنّهم حتى وإن كانوا يعلمون فوَّضوا الأمر إلى الله ورسوله، لعل الأمور قد تتغيَّر يقول ابن حجر: "قال الله ورسوله أعلم"، وذلك من حسن أدبهم لأنّهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار بما يعرفونه"، ولهذا قال: في رواية الباب "حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه" أي: بغير اسمه؛ ففيه إشارة إلى تفويض الأمر الكلية إلى الشارع أي: إلى الشارع الحكيم، يجب أن نفوّض كل أمورنا للشرع. ويُستفاد منه الحجة لمثبتي الحقائق الشرعية؛ فأمور الشرع حقائق، وسلم الصحابة للرسول الله -صلى الله عليه وسلم- رغم أنّه كان عندهم علم إلا أنّهم قالوا الله ورسوله أعلم.

١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


وقوله: ((فإنّ دماءكم)) إلى آخر الحديث أي: سفك دمائكم، وأخذ أموالكم، وسلب أعراضكم حرام، والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان؛ سواء كان في نفسه أو فيمن يُنسب إليه. أما قوله -عليه الصلاة والسلام: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) المراد بالشاهد الحاضر في المجلس أي: الذي حجَّ معه حجة الوداع، وكان عددهم يزيد على مائة ألف حاج، وكلهم سمعوا هذا الخطاب فتح الله أسماءهم حتى الذين كانوا في الخيام سمعوا خطبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، والمراد بالغائب أي: الغائب عن الحج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي: من حضر معي الحج وسمع خطبتي هذه فليبلغها لمن لم يحضرها، وسينتفع بها الناس إلى يوم القيامة، وتحقق قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
والمراد إما تبليغ القول المذكور، أو تبليغ جميع الأحكام يعني: ليس المراد تبليغ الخطبة فقط ليبلغ من حضر، كل من غاب هذه الخطبة هذا تفسير، تفسير آخر ليبلغ من حضر كل من غاب، كل ما يعلم من أمور الشرع.
وقوله منه صلة لأفعل التفضيل، وجاز الفصل بينهما؛ لأن في الظرف سعة، وليس الفاصل أيضًا أجنبيًّا. ذكر الإمام ابن حجر فائدة قال: "فائدة -وذكر تحتها كلامًا كثيرًا وهو- وقع في حديث الباب "فسكتنا" بعد السؤال، وعند المصنف -أي: البخاري- في الحج من حديث ابن عباس أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب الناس يوم النحر فقال: ((أيّ يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام)) وظاهرهم التعارض؛ لأنّهم في الرواية التي معنا لم يقولوا يوم حرام، وإنما قالوا: الله ورسوله أعلم، فكيف نجمع بينهما، يقول ابن حجر: "والجمع بينهما أنّ الطائفة الذين كان فيهم ابن عباس أجابوا، والطائفة الذين كان فيهم أبو بكرة لم يجيبوا، بل قالوا: الله ورسوله أعلم".

١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


إذن أخبر كل راوٍ بما حدث وبما وقع أمامه من قول الصحابة الذين كانوا مع أبي بكرة قالوا: الله ورسوله أعلم، والذين كانوا مع ابن عباس قالوا: هذا يوم حرام، وهذا هو الذي يُجمع به بين ذلك الكلام، أو تقول رواية ابن عباس بالمعنى؛ لأن في حديث أبي بكرة عند المصنف في الحج وفي الفتن أنّه لما قال: ((أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى.)) بمعنى قولهم يوم حرام بالاستلزام، وغايته أن أبا بكرة نقل السياق بتمامه، واختصره ابن عباس، وكأن ذلك كان بسبب قرب أبي بكرة منه؛ لكونه كان آخذًا بخطام الناقة، وقال بعضهم: يُحتمل تعدّد الخطبة، هذا باب الجمع أيضًا يعني: خطب أكثر من مرة؛ فمرة قال: هذا يوم حرام، ومرة قالوا: الله ورسوله أعلم، وأجيب عن السؤال بجوابين، وكأن ذلك كان بسبب قرب أبي بكرة منه؛ لكونه كان آخذًا بخطام الناقة، فإن أراد أنه كرَّرها في يوم النحر فيحتاج إلى دليل فليس هناك دليل يدل على أنه كرَّر يوم النحر، فإن في حديث ابن عمر عند المصنف في الحج أنّ ذلك كان يوم النحر بين الجمرات في حجته.
في كتاب (قطوف من الهدي النبوي) تخريج الحديث: أخرجه البخاري في كتاب العلم في باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- رب مبلغ أوعى من سامع. وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، في باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال. وأخرجه الدارمي في كتاب المناسك، في باب في الخطبة يوم النحر. وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل المجلد الثالث في ص٤٦٣، وفي المجلد الخامس ص٣٧، و في سلسلة رجال بشر، وهو بشر بن المفضل بن ...


١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


...لاحق الرقاشي مولاهم أبو إسماعيل البصري قال أحمد بن حنبل: "إليه المنتهى في التثبت في البصرة"، وعده ابن معين في إثبات شيوخ البصريين، وقال أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: "ثقة". وقال البزار: "ثقة"، وكذا قال العجلي: "قالوا مات سنة ١٨٧ هجرية".
أما ابن عون: فهو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، مولاهم أبو عون الخراز البصري قال هشام بن حسان: "حدثني من لم ترَ عيناي مثله، وأشار بيده إلى ابن عون" وقال ابن مهدي: "ما كان بالعراق أحد أعلم بالسنة من ابن عون"، وأثنى عليه ابن المبارك، وُلد سنة ٦٦ هجرية ومات سنة ١٥٢ هجرية.
أما ابن سيرين: فهو الإمام محمد بن سيرين الأنصاري، مولاهم أبو بكر بن أبي عمرة البصري، إمام وقته قال العجلي: "بصري تابعي ثقة"، وقال أحمد وابن معين: "ثقة مات سنة ١١٠ هجرية".
أما عبد الرحمن بن أبي بكرة فهو عبد الرحمن بن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي أبو بحر، ويقال أبو حاتم البصري: "وهو أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة، ولد سنة ١٤ هجرية"، قال العجلي: "بصري تابعي ثقة"، وقال أبو الحسن المدائني: "كان عبد الرحمن بن أبي بكرة فراسًا" أي: يعلم علم الفراسة، ومات سنة ٩٦ هجرية -رضي الله عنه وأرضاه.

١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


والراوي الأعلى لهذا الحديث أبو بكرة اسمه نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة، واسمه عبد العزى قال العجلي: "كان من خيار الصحابة"، وإنما قيل له أبو بكرة لأنه تتدلَّى من حصن الطائف إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعتقه يومئذٍ، واسم أبيه مشروح كان عبدًا للحارث بن كلدة فاستلحقه الحارث، اعتزل الناس يوم الجمل، اعتزل الفتنة، ولم يقاتل مع أحد من الفريقين، ومات في سنة ٥٠ هجرية، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، وكان أوصى بذلك، وقال أبو نعيم: "آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما" يعني: بين أبي بكرة وأبي برزة.

الدراسة التحليلية للحديث

المعنى العام

في حجة الوداع، وفي يوم النحر قعد النبي -صلى الله عليه وسلم- على بعيره وأمسك أبو بكرة، أو بلال، أو عمرو بن خارجة بزمام البعير، وإذا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- يبدأ موعظته بأسئلة تقريرية لينتبهوا جميعًا لما سيقوله -صلى الله عليه وسلم؛ فإذا به -صلى الله عليه وسلم- يسألهم عن أي يوم هذا اليوم الذي يقف معهم فيه، وظنوا أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سيسميه بغير اسمه، ...


١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


...فإذا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم: ((أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى)) أي: هو يوم النحر، ثم كان سؤال آخر عن الشهر فقال: ((أي شهر هذا؟)) فسكتوا جميعًا ظنًّا منهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سيسميه بغير اسمه فقال لهم -صلى الله عليه وسلم-: ((أليس بذي الحجة؟ قالوا: بلى)) أي: هو شهر ذي الحجة، وكأنهم استغربوا. إذن فلماذا كل هذه الأسئلة، ويأتي البيان من الرسول الذي يبيِّن فيه حرمة المسلمين وحرمة الدماء والأموال والأعراض، وأنّها حرام عليهم كأنّهم في إحرام دائم، ثم ناداه أن يبلغ من حضر من لم يحضر بتلك الأمور، فلربما يكون هناك غائب أوعى وأفقه من حاضر، وفي هذا دعوة لتبليغ جميع العلم، فلرب حامل فقه ليس بفقيه، ومن كتم علمًا ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة.

ما يستفاد من هذا الحديث
تعظيم حرمة الدماء والأعراض والأموال في الإسلام.
وجوب تبليغ العلم للناس ونشره.
بيَّن -صلى الله عليه وسلم- أنه ربما يحمل الإنسان الفقه وهو ليس بفقيه، ورب إنسان يبلغه علم يفهم منه أكثر من الذي يحمل هذا العلم فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((رب مبلغ أوعى من سامع)).

١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


جواز الحديث والخطبة على ظهر الدَّابَّة، وعلى أي ظهر، وعلى أي مكان مرتفع بل يندب أن تكون الخطبة في مكان مرتفع يقف عليه الخطيب حتى يراه ويسمعه أكثر القول.
جواز إمساك الخطام أو الزمام للدابة لمن يركبها لتستقرَّ ولا شيء في ذلك.
جواز طرح الأسئلة والاستفهامات ليقع الكلام من السامع كل موقع.

وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم:
الحثّ على تبليغ العلم أي: الحض والدعوة إلى تبليغ العلم ونشره.
جواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأنّ الفهم ليس شرطًا في الأداء، فعلى كل إنسان أن يبلغ ما سمع من العلم حتى وإن لم يكن فاهمًا له، فلعل الذي يصله هذا العلم يكون أفهم له، وأوعى.
قد يأتي في آخر الزمان من يكون أفهم ممن تقدمه، ولكن هذا بقلة.
واستنبط ابن المنير من تعليل كون المتأخر أرجح نظرًا من المتقدم أن تفسير الراوي أرجح من تفسير غيره.

١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


جواز القعود على ظهر الدواب وهي واقفة إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، وحُمل النهي الوارد في ذلك على ما إذا كانت لغير ضرورة.
في الحديث ما يدل على أنه يندب أن يكون الذي يخطب على موضع عالٍ مرتفع ليراه الناس، وليكون أبلغ في إسماعه للناس.


١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ



١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ



١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ


noteit
وبهذا نكون قد ألقينا شيئًا من الضوء على مفهوم حقوق الإنسان وواجباته في القرآن والسنة.

١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ



١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ



١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ



١.١٩ بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ