٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس


عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ، فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ))).

هذا حديث الثلاثة الذين وقفوا على مجلس رسول -صلى الله عليه وسلم- عندما كان جالسًا في المسجد، يحدّث الناس، وضعه البخاري في كتاب العلم تحت باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، قال البخاري: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة؛ (أن أبا مرة -مولى عقيل بن أبي طالب- أخبره عن أبي واقد الليثي، أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذهب واحدٌ، قال: فوقفا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فأواه الله، وأما الآخر فاستحي فاستحي الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عز وجل عنه))).

٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس


لماذا وضع البخاري هذا الحديث في كتاب العلم؟
يقول ابن حجر: مناسبة هذا الحديث لكتاب العلم من جهة أنّ المراد بالمجلس وبالحلقة حلقة العلم ومجلس العلم، فيدخل في أدب الطالب من عدة أوجه.
وقوله: مولى عَقيل بفتح العين، وقيل لأبي مرة ذلك للزومه إياها، وإنما هو مولى أخته أم هانئ بنت أبي طالب، أي هو مولى لأم هانئ، وليس مولى لعقيل، وإنما كان يلازم عقيلًا فعرف بمولى عقيل بن أبي طالب، لكنه في الحقيقة مولى لأم هانئ بنت أبي طالب.
وقوله: عن أبي واقد، صرح بالتحديث في رواية النسائي من طريق يحيى بن أبي كثير عن إسحاق فقال: عن أبي مرة أن أبا واقد حدثه، واسم أبي واقد الحارث بن مالك، وقيل: الحارث بن عوف، وقيل: عوف بن الحارث، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، ورجال إسناده مدنيون، وهو في (الموطأ)، ولم يروِ عن أبي واقد إلا أبو مرة ولا عن أبي مرة إلا إسحاق، وأبو مرة الراوي عنه تابعيان وله شاهد من حديث أنس أخرجه البزار والحاكم.

٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس


هذا الحديث نتناوله أيضًا من كتابين آخرين: كتاب (المنهل الحديث) للشيخ موسى -رحمه الله تعالى-، وكتابي (قطوف من الهدي النبوي) كتاب الشيخ موسى اسمه (المنهل الحديث) وهو يختار أحاديث من (صحيح الإمام البخاري) يقوم بشرحها، وهذا واحد منها، فقال بعدما روى حديث البخاري هذا: قال: المعنى العام: كان المسجد النبوي بالمدينة المدرسة الأولى في الإسلام، وكان -صلى الله عليه وسلم- يجلس فيه في أوقات الفراغ، يجتمع مع أصحابه يقرأ عليهم ما ينزل من القرآن، ويعلمهم أمور دينهم، ويتخوّلهم بين الحين والحين بالموعظة والرقائق والآداب، وكان المسجد متروكًا بين طريقين، وجزؤه غير المسقوف يصل بين جهتين بدون أبواب، فكان بعض الناس يمر به إذا انتقل من الجهة إلى الأخرى، وبينما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلّم أصحابه بالمسجد دخلَ ثلاثةٌ من الرجال، دخلوا يمرون في طريقهم إلى الجهة الأخرى، فلما وصلوا عند الحلقة رغب أحدهم في المجلس، فوجد في الحلقة مكانًا خاليًا يكفيه، فجلس فيه، وتردد الثاني في الجلوس؛ إن له مصلحة خرج يقضيها: أيذهب إليها ويستمر في مشيه، أم يجلس كما جلس صاحبه؟ وبعد خطوات بَعُد بها عن الحلقة، استحيى من نفسه! واستحيى أن يعاب من صاحبه ومن الصحابة الجالسين مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعاد فجلس خلف الحلقة؛ حيث لم يجد فرجة كما وجد الأول، وأما الثالث فلم يتردد في الانصراف إلى مصلحته والإعراض عن مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النفر الثلاثة، ورآهم الجالسون في الحلقة، وثارت في نفوسهم تساؤلات عن ...

٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس


...حكم الشريعة فيهم، فلما انتهى -صلى الله عليه وسلم- من عظته قال: أخبركم عن النفر الثلاثة الذين رأيتموهم؛ أما الأول فقد لجأ إلى الله وإلى العلم فاحتضنه الله برعايته ورضوانه، وأما الثاني فقد غلبه الحياء فنال رحمة الله وعفوه، وأما الثالث فاستغنى فاستغنى الله عنه، ومن يستغنِ الله عنه فقد حرم الخير كله وكان من المغضوب عليهم والآثمين المطرودين.
لم يعرف أحد أسماء النفر الثلاثة؛ لأنّ الرواة لم يهتموا بذلك على عادتهم في الستر على من يبدر منه أي عيب، والنفر -بفتح النون والفاء-: اسم جمع، لهذا وقع تمييزًا لجمع، ويطلق على جماعة من الرجال ليس فيهم امرأة، ويقع على العدد من ثلاثة إلى عشرة، والإضافة فيه بيانية، إضافة تمييز مبين؛ أي ثلاثة هم نفر، وكان إقبالهم من باب المسجد مارّين بمجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوقفا على رسول الله؛ أي: وقفا على مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما جاء ظاهرًا وواضحًا في رواية أخرى.


٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس


فقه الحديث
لم يتعرض الحديث بالنسبة للذَّين جلسا في مجلس العلم إلى تسليمهما: هل سلما؟ يعني ألقي السلام على الحاضرين، فرد عليهما السلام، أو لم يسلما؟ ولا إلى أنّهما صليّا تحية المسجد أو لم يصلياها؟ وقد تناول العلماء هاتين النقطتين بالتأويل والتوجيه، فقيل: لعلهما سلّما ورد الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة السلام، أو أنّهما سلما ولم يرد أحد عليهما؛ لأن المشتغل بالعلم المستغرق في العبادة لا يجب عليه رد السلام، ولم ينقل إلينا هذا أو ذلك لشهرته وعدم الحاجة إلى الإخبار به، وقيل: لعلهما لم يسلّما اعتمادًا، على عدم مشروعية السلام على المشتغل بالعلم، وعلى كلا الجوابين لا مؤاخذة عليهما؛ إذ لو أتيا ما يلامان عليه لنبههما -صلى الله عليه وسلم- وعلمهما، فلا وجه لهذا الإشكال أساسًا.
أما الإشكال الثاني: فقد قيل: لعلهما كانا على غير وضوء، وردّ بأنه لو كان كذلك لنبههما -صلى الله عليه وسلم- فاعتذرا، ولم ينقل إلينا شيء من ذلك، وقيل: لعل دخولهما كان في وقت كراهة التنفل، ويرده الشافعية بأن تحية المسجد لا تكره في أي وقت، وقيل: لعلهما صلّيا ولم ينقل إلينا لاهتمام الرواة لغير ذلك من القصة، وعلى كلّ لم يثبت أنّهما أتيا ما يلامان عليه، فليس في الحديث دليل على إثبات حكم أو نفيه، لا ما سكت عنه الراوي؛ لأنّ ما سكت عنه الراوي لا يستدل به على نفي أو إثبات، والله أعلم.


٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس


ما يستفاد من هذا الحديث

يستفاد من هذا الحديث أمور كثيرة:
اتخاذ المسجد مكانًا لدراسة العلم والوعظ.
استحباب التحليق في دروس العلم ومجالس الذكر؛ لأن ذلك أدعى إلى القرب من المعلم والقائد، وأن من سبق إلى مكان في الحلقة أو في المسجد كان أحق به.
استحباب القرب من المعلم للتبرك وللمناقشة وللتمكن من السماع.
سد الخلل والفرجة في حلقة العلم، كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة.
جواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذِ، فإن خشي الإيذاء استحب الجلوس حيث ينتهي، كما فعل الثاني، قال الحافظ ابن حجر، والتحقيق: أن الحديث لا يشير إلى ذلك.
الثناء على من زاحم في طلب العلم وطلب الخير.

٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس


الاستحياء من الانصراف عن باب الخير ودروس العلم.
أن يجلس الرجل حيث ينتهي به المجلس.
ذم من سنحت له فرصة الخير والتعلم فانصرف عنها.
جواز الدعاء على المذنب بسخط الله، وهذا على أن قوله: ((فأعرض الله عنه)) خبر لفظًا إنشاء معنى، وعلى أنه كان مسلمًا معرضًا بغير عذر، والأولى أن يقال: أنه كان منافقًا أو أطلع الله -سبحانه وتعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- على أمره، أما المسلم فلا يدعى عليه.
جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم؛ للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة، والثناء على من فعل جميلًا طيبًا، وابتداء العالم جلساؤه بما يزيل عنهم الشبهات، ويوضح لهم أسرار الوقائع.
يندب وينبغي أن تعقد حلقات للعلم، وأن ذلك له فضل عظيم، وفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ثم على العالم أن يجلس ليعلّم، ويجلس في المسجد والذاكر كذلك يجلس في المسجد.
وأن من أتى على مكان علم أو ذكر فليجلس حيث ينتهي به المجلس.

٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس


وأنه يجوز الإخبار عن أهل المعاصي لينزجروا هم وينزجر غيرهم.
إن الحياء صفة محمودة، لا تأتي إلا بخير، كما أخبر بذلك المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فالرجل الذي استحيى ولم يخرج من المسجد حياءً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن صحابته وأخبر -صلى الله عليه وسلم- بأن الله عفا عنه وغفر له، قال عنه: ((فاستحيى فاستحيى الله منه)).

٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس



٣.١٨ المعنى العام لحديث وفد عبد قيس