... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


ولنرجع إلى الحديث: قصة الحديث أنّ يأجوج ومأجوج وهي قبائل على الأرجح من بني الإنسان، أنّها أفسدت في الأرض فسادًا كبيرًا، والتقى أهل الأرض بذي القرنين، وكان قد أعطاه الله ملك الأرض كلها من مشرقها إلى مغربها -كما ذكرنا سابقًا- فطلبوا منه أن يبني لهم سدّا، يكون بينهم وبين ويأجوج ومأجوج، فطلب منهم أن يعينوه وطلب منهم أن يأتوه بزبر الحديد، وأن ينفخوا فيه بالنار، فعمل سدًّا عظيمًا بين الناس وبين قبائل يأجوج ومأجوج، هذا السد باقٍ إلى قبيل الساعة، وفي كل يوم تأتي قبائل يأجوج ومأجوج وتهدم في السدّ، ثم يعودون في اليوم الثاني ليكملوا فيجدوا السد عاد كما كان، في آخر الزمان يقولون: سنأتي غدًا إن شاء الله لنكمل فتح السد فيكون السد كما هو؛ فيفتح ثم ينطلقون في الأرض، ويعيثون فيها فسادًا، حتى إنّهم يقولون: لقد انتصرنا على أهل الأرض، ويلقون بحرابهم إلى السماء، ويقولون: هيا نقاتل أهل السماء، فتنزل حرابهم ملطخة بالدماء زيادة في الفتنة لهم، فيقولون: لقد انتصرنا على أهل السماء وأهل الأرض، وفي ذلك تكون نهايتهم، عندما يفتح سد يأجوج ومأجوج ستكون فتنة، وسيكون هناك الويل لكل من وُجد على ظهر الأرض، يقول عليه الصلاة والسلام: ((ويل للعرب من شر قد اقترب)) والويل هو الخيبة والثبور، يقول عليه الصلاة والسلام: ((فتح اليوم من ردم -أي من سد- يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها)) يعني الإبهام والسبابة، وعمل حلقة، في الرواية التي بعد ذلك: ((عقد تسعًا)) يعني ضم السبابة إلى نصف الإبهام فتعطي المنظر الذي يساوي رقم: (٩).

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


يأجوج ومأجوج قلنا: قبائل تنتشر في الأرض؛ فتملؤها فسادًا، قالت أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش -رضي الله عنها: ((يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون)) -يعني إذا ظهر يأجوج ومأجوج سيكون هناك أناس صالحون- هل تهلك الأمة وفيها الصالحون؟ وهل يهلك الصالحون؟ قال عليه الصلاة والسلام: ((نعم، إذا كثر الخبث))؛ يعني: إذا كان الخبث أكثر من الصلاح يكون الهلاك للجميع، ثم يبعثون على نياتهم، في الرواية الثانية التي رويناها من (صحيح البخاري) قال رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم: ((رأيت السد مثل البرد المحبر)) يعني صحابي من الصحابة رأى ذلك السد، لكن أين رآه؟ الله أعلم، قال عليه الصلاة والسلام: ((رأيته؟)) على سبيل الاستفهام، الرجل قال: رأيته! وصله ابن أبي عمر من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم: ((يا رسول الله، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: كيف رأيته؟ قال: مثل البرد المحبر، طريقة حمراء وطريقة سوداء، قال: قد رأيته)) ورواه الطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن رجلين عن أبي بكرة: (أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال) فذكر نحوه، وزاد فيه زيادة منكرة وهي: "والذي نفسي بيده، لقد رأيتُه ليلة أسري بي لبنة من ذهب ولبنة من فضة" وأخرجه البزار من طريق يوسف بن أبي مريم الحنفي عن أبي بكرة ورجل رأى السد فساقه مطولًا، ثم ذكر المصنف -أي البخاري- في الباب ثلاثة أحاديث موصولة؛ أحدها حديث زينب بنت جحش في ذكر ردم يأجوج ومأجوج، ثانيها: حديث أبي هريرة باختصار، ثالثها: حديث أبي سعيد في بَعث النار، والغرض منه هنا ذكر يأجوج ومأجوج والإشارة إلى كثرتهم، وأنّ هذه الأمة بالنسبة إليهم نحو عشر عشر العشر، وأنّهم من ذرية آدم ردّا على من قال خلاف ذلك.

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


الراوي الأعلى للرواية الثانية: أبو هريرة وهو صحابي جليل، واختلف في اسمه على أكثر من ثلاثين قولًا، أرجحها عبد الرحمن أو عبد الله بن صخر الدوسي، أسلم في العام السابع الهجري، ولازم النبي -صلى الله عليه وسلم- وكثرت مروياته في الحديث، حتى إنّه قال: إني بايعت النبي أو "إني أسلمت على شبع بطني، لا أريد إلا العلم"، وتفرغ للعلم فكان من أكثر الصحابة رواية لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وامتد به العمر حتى توفي في سنة ٥٩ هجريّا -رضي الله عنه وأرضاه.
والحديث الذي معنا هو حديث في الفتن، وفي فتح ردم يأجوج ومأجوج، هذا الحديث يبين أنّ الفتن قد قربت وأن الساعة قد قربت؛ لأنّ من علاماتها هدم ردم -يعني سد- يأجوج ومأجوج، وقد فتح منه شيء في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذن علامات الساعة قد قربت والساعة نفسها قد قربت، قال تعالى: ((وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)) [الأحزاب: ٦٣]، الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- من عادته أنه يجمع الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد في مكان واحد، فجمع أحاديث تتعلق بقصة فتح السد وقصة يأجوج ومأجوج.
روى الإمام مسلم بسنده عن زينب بنت جحش -رضي الله عنها: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استيقظ من نومه وهو يقول: ((لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه))، وعقد سفيان بيده عشرة، قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث)) هذا الحديث والذي رويته سابقًا من (صحيح البخاري) وعلق عليه الإمام ابن حجر.

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


إذن فهو حديث من الأحاديث المتفق عليها؛ أي حديث رواه الشيخان البخاري ومسلم، ورواية مسلم يقول فيها: حدثنا عمرو الناقد حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري -المراد بالزهري هو محمد بن شهاب الزهري- عن عروة -أي عروة بن الزبير بن العوام- ابن أخت السيدة عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- لقد كانت أم عروة هي السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق، عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة -وسبق أن قلنا: إنّها بنت أبي سفيان زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أم المؤمنين- عن زينب بنت جحش -أم المؤمنين أيضًا- ثم يقول: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عمرو الشعثي وزهير بن حرب وابن أبي عمر قالوا: حدثنا سفيان عن الزهري بهذا الإسناد، وزادوا في الإسناد عن سفيان فقالوا: عن زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش -رضي الله عنها- ثم يروي الإمام مسلم رواية ثانية فيقول: حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أنّ أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أن زينب بنت جحش -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: (خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا فزعًا محمرًّا وجهه) هذه الرواية بينت حالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنه كان فزعًا، وكان محمر الوجه لماذا؛ لأنّ السد فتح منه شيء، والويل كل الويل عندما يُفتح ذلك إلى آخره، فتنطلق في الأرض يأجوج ومأجوج وتعيث في الأرض فسادًا، تقول: ((خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا فزعًا محمرًّا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)).

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


هذا الحديث الذي في آخره يقول -صلى الله عليه وسلم: ((نعم إذا كثر الخبث)) يلتقي مع قوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)) [الأنفال: ٢٥] عندما تأتي المصائب وعندما تأتي الفتن تعم ويهلك الناس جميعًا ثم يحشرون على نياتهم.
الرواية الثالثة التي رواها الإمام مسلم هي بسنده عن أبي هريرة قال فيها: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا وهيب حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد وهيب بيده تسعين))، وهي نفس رواية الإمام البخاري، إذن هذا من الأحاديث المتفق عليها.
ثم روى الإمام مسلم رواية رابعة، قال فيها: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة -وهو صاحب المصنف- وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لقتيبة قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن عبد الله بن القبطي قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين -رضي الله عنها- فسألاها عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير؟ فقالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث، فإذا كان ببيداء من الأرض خسف بهم، فقلت: يا رسول الله، فكيف...)) الحديث.
ثم جاء حديث بعد ذلك عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله)) وفي رواية عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثله، غير أنه قال: ((ينبعث)).

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


المعنى العام
الحياة الدنيا كلها فتنة واختبار، شرها فتنة، وخيرها فتنة، نساؤها فتنة، أموالها فتنة، أولادها فتنة، وأديانها فتنة، وإبليس فتنة، والشهوات فتنة، تلك فتن قائمة في جميع العصور، ونعم ذرية آدم في جميع الأماكن، وليست موضوع أحاديثنا، بل أحاديثنا عن فتن هي أخطار في أماكن في زمن من الأزمان، وإذا كان الرحمن الرحيم قد وعد نبيه -صلى الله عليه وسلم- ألا يهلك أمته هلاك استئصال بغرق أو خسف أو ص
اعقة؛ فقد أبقى بعض عقوبات الأمم السابقة على طوائف من الأمة؛ من زلازل وبراكين وعواصف وكوارث، يسميها الغافلون كوارث طبيعية، وهي في الحقيقة بقدر وموازين وحكمة من عند الحكيم الخبير، قد تصيبها أشرارًا يعيثون في الأرض الفساد، وقد تصيب خليطًا من الصالحين والطالحين، إذا كثر الخبث فتكون عقوبة وعذابًا لجماعة، وخيرًا ورفعًا للدرجات للجماعة الأخرى، إن الوحدة والتآلف والمحبة والأخوة التي بلغت درجة الإيثار بين المسلمين ستعقبها عداوة وتفكك وضغائن وأحقاد، بل وحروب بينهم، ولن تكون بعيدة الزمن، فقبل ثلاثين عامًا من لقاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- لربه قُتل عثمان على يد غوغاء، فينكسر باب الرحمة وتتحطم تلك الوحدة، وتقوم الحروب بين الإخوة، فيقتل الآلاف في معركة واحدة، ويصبح الحكم سلطانًا يُورث، ويتولى قيادة المسلمين غلمان سفهاء يعيثون في الأرض الفساد.

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


تلك الفتن رآها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوحي من ربه، فأخبر أمته بها، وحذرهم منها، كما أخبرهم بفتنة ازدهار الدنيا لهم، واستيلائهم على كنوز كسرى وقيصر، فقال مرة: ((ويل للعرب من شر قد اقترب))، وقال مرة أخرى: ((إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع المطر))، ومرة: ((ألا إن الفتنة ههنا، من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأشار إلى المشرق))، ((لا يحمل المسلم السلاح على المسلم))، ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار))، ((القاعد في الفتنة خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي))، من دخل فيها أو قرب منها سحبته إلى لهبها وعمقها... إلى كثير من التحذيرات من هذه الفتن، ولكن لا يغني حذر من قدر، ووقع كل ما حذر منه -صلى الله عليه وسلم- بقيت فتن أخرى حذر منها ونحن ننتظرها: فتنة الدجال وفتنة الدابة وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدخان ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وريح تحشر الناس وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك، يحذرنا -صلى الله عليه وسلم- لنأخذ أهبتنا ونقلع عن معاصينا، ولنرجع إلى الطريق المستقيم، أخبرنا بذلك -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى.

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


المباحث العربية لبعض ألفاظ الحديث
قوله: ((إن النبي -صلى الله عليه وسلم- استيقظ من نومه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شر قد اقترب)) في الرواية الثانية خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا فزعًا محمرًّا وجهه، يقول: خص العرب بالذكر لأنّهم أول من دخل في الإسلام، وللإنذار بأنّ الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم، ولا تعارض بين الروايتين، فيحتمل أنّه -صلى الله عليه وسلم- استيقظ من نومه يقول: كذا وكذا، وخرج فزعًا، وهو يردد نفس القول.
قوله: ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد سفيان بيده عشرة)) في الرواية الثانية ((وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها)) قال النووي: وفي رواية أبي هريرة -روايتنا الثالثة-: ((وعقد وهيب بيده تسعين)) قال القاضي: لعل حديث أبي هريرة متقدم، فزاد قدر الفتح بعد هذا القدر، قال: أو يكون المراد التقريب بالتمثيل لا حقيقة التحديد، ويأجوج ومأجوج مهموزان وغير مهموزين؛ يعني: يقال: يأجوج ومأجوج، وياجوج وماجوج، من غير همزة، قرئ بذلك في السبع أي في القراءات السبعة، وهما قبيلتان من ولد يافث بن نوح، وروى الحاكم من حديث حذيفة مرفوعًا: ((يأجوج أمة ومأجوج أمة كل أمة أربعمائة ألف رجل، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه، كلهم قد حمل السلاح، لا يمرون على شيء إذا خرجوا إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم)) هذا الكلام رواه الحاكم مرفوعًا من حديث حذيفة -رضي الله عنه.

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


تستفهم السيدة زينب: (أنهلك وفينا الصالحون) الاستفهام حقيقة، ونهلك: بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة، وحكي فتحها: (أنهلك) ولكن الفتح ضعيف أو فاسد، أجابها -صلى الله عليه وسلم: ((نعم)) أي تهلك الأمة وإن كان فيها صالحون، وذلك متى؟ إذا كثر الخبث، وزاد الشر على الخير، قال: ((نعم إذا كثر الخبث))، بفتح الخاء والباء، وفسره الجمهور بالفسوق والفجور، وقيل: المراد به الزنا خاصة، يعني: إذا كثر الزنا -والعياذ بالله- يكون الهلاك، وقيل: إذا كثر الخبث أي: إذا كثر أولاد الزنا، والظاهر الذي يقبله الإنسان أنّ المراد بالخبث المعاصي والفجور والفسوق، وكل ما يبعد عن الله -سبحانه وتعالى.
ومعنى الحديث: أنّ الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام، وإن كان هناك صالحون.
قوله: ((يعوذ بالبيت عائذ)) أي يستجير بالبيت الحرام مستجير، والمراد بالبيت الكعبة.
أما الرواية الأخيرة التي بينت أنّ هناك سيكون في آخر الزمان كذابون ودجالون، قال فيها -عليه الصلاة والسلام: ((لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجالون كذابون)) يبعث: بمعنى يظهر ويخرج، والدجل هو الكذب والتمويه.
أصل الفتن: إدخال الذهب في النار ليظهر الجيد منه والرديء، وتستخدم الفتنة شرعًا فيما يقع فيه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أكثر استعمالًا، على أنّها في هذه الحالات نوع من الاختبار، ...

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


...ومنه قوله تعالى: ((وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)) [الأنبياء: ٣٥] وتستخدم أيضًا في الأفعال التي تصدر من الإنسان للإيقاع والإضرار بالآخرين، ومنه قوله تعالى: ((وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)) [البقرة: ١٩١] وقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)) [البروج: ١٠]، وتستخدم أيضًا في الأمور العظام، التي تحدث في آخر الزمان على أساس أنّها نوع من الاختبار، ولذلك قيل: أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما يخرجه الاختبار، وأحاديث الباب تتناول أنواعًا متعددة من الفتن: فالرواية الأولى وما بعدها تحذر من فتنة ومن خلاف ومن تفكك وحرب بين العرب، وأن هذه الفتنة قريبة تلحق المعاصرين، وأنّ الفتنة إذا جاءت تعم الصالح والطالح، وأنّه إذا كثر الخبث وزاد الفساد كانت الفتنة أقرب للوقوع، وتعرض الجميع للهلاك، وإذا عم العقاب كان رفعًا لدرجات الصالحين، ثم بينت الروايات أنّ جيش الظلم سيهاجم قومًا مستجارين بالبيت، فيُخسف بهذا الجيش، والظاهر أنّ ذلك لم يقع إلى الآن، وقد رد الراوي على من حمله على جيش أهل الشام الذي قَتل ابن الزبير، هذا لا يصح.
ومن الرواية التي بعد ذلك يجب علينا البعد عن أهل الظلم، وأن نحذر مجالسهم ومحاكتهم ومجالساتهم، ثم بينت الأحاديث أنّ من كسّر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا، يعني الذي يشجع على الباطل يجري عليه عقوبة أهل الباطل، وفي الرواية الثامنة التي جاءت في هذه الأحاديث علم من أعلام النبوة، وإنذار وتحذير من الفتنة التي وقعت بالمدينة بقتل عثمان، ومن الروايات أيضًا التحذير من الفتن، والحث على اجتناب الدخول فيها، وأنّ شر الفتنة يكون بحسب التعلق بها، قال الطبري: اختلف السلف، فحمل ذلك بعضهم على العموم، وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقًا، كسعد وابن ...

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


...عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة وآخرين، وتمسكوا بالظواهر، ثم الحديث يشير أيضًا إلى كثرة المال في آخر الزمان، وأنّ المال فتنة، وفي هذه الأحاديث معجزة ظاهرة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر بأمور حدثت بعده، فهذا أمرٌ معجز أو من معجزات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ما يُعرف بأعلام النبوة.
وقبائل يأجوج ومأجوج كثيرون، ألوف مؤلّفة، وإليكم هذا الحديث الذي يبين كم هؤلاء الناس من الكثرة: روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده فقال: حدثنا إسحاق بن نصر حدثنا أبو أسامة عن الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بَعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، قالوا: يا رسول الله، وأينا ذلك الواحد؟)) إذا كان من كل ألف سيدخل النار تسعمائة وتسعة وتسعين، وواحد فقط يدخل الجنة، فخاف الصحابة، فقالوا: يا رسول الله وأينا ذلك الرجل؟ من هذا الواحد؟ قال عليه الصلاة والسلام: ((أبشروا فإنّ منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف، ثم قال: والذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبرنا، فقال: ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود)).

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف


هذا الحديث يبين أنّ يأجوج ومأجوج كثيرون، كل واحد من المسلمين يقابله ألف من قبائل يأجوج ومأجوج، وهذا حديث من الأحاديث الصحيحة، بل من أصح الأحاديث في (صحيح الإمام البخاري) أصح الكتب بعد القرآن الكريم.
الراوي الأعلى له هو سيدنا أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه وأرضاه- اسمه سعد بن مالك بن سنان الخدري الخزرجي، صحابي جليل وابن صحابي جليل، وكان من شباب الصحابة -رضي الله عنه وأرضاه- استشهد أبوه في غزوة أحد، وذهب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطلب من النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يعطيه شيئًا يستعين به على تربية أخواته يقول: فوقفت على مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله)) يقول أبو سعيد: فرجعت ولم أسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا.
الحديث الذي كان معنا اليوم هو الحديث الذي يحذر من الفتن التي تكون في آخر الزمان، والتي منها فتنة يأجوج ومأجوج، وأن سد يأجوج ومأجوج فتح منه شيء وفي آخر الزمان ينهدم كله، ثم تخرج يأجوج ومأجوج على الدنيا كلها، فتأكل الأخضر واليابس، نعوذ بالله منهم ومن شرهم!

... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف



... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف



... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف



... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف



... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف



... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف



... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف



... ٢.١٥ بَاب اقْتِرَابِ الْفِتَنِ وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ والجيش الذي يخسف