![]() |
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله تعالى- فيما يتعلق بفقه الأحاديث: تغليظ حرمة الدماء: فالذنب يعظم بحسب عظم المفسدة المترتبة عليه، وتفويت المصلحة الناتجة عنه، وإراقة دم الإنسان غاية في ذلك. |
![]() |
في قوله: ((الثيب الزانِ)) دليل على قتل الزاني المحصن بالرجم، قال النووي: وهذا بإجماع المسلمين. |
![]() |
وبقوله: ((النفس بالنفس)) استدل أصحاب أبو حنيفة على قتل المسلم بالذمي والحر بالعبد، وجمهور العلماء -مالك والشافعي والليث وأحمد- على خلاف ذلك، لكن ظاهر الحديث يؤيد قتل المسلم بالذمي، والحر بالعبد؛ لأن الحديث يقول: ((النفس بالنفس))، لكن هناك أحاديث خصصت منها: ((لا يقتل مسلم بكافر)). |
![]() |
واستدل بقوله: ((التارك لدينه)) على أن الردة عن الإسلام سببٌ لإباحة دم المسلم، وهو محل إجماع في الرجل، أما المرأة ففيها خلاف؛ تحبس ولا تقتل، وقال بعضهم: تقتل، إنما الرجل إذا ارتد يقتل قولًا واحدًا بإجماع الأمة. |
![]() |
واستدل بهذا الحديث الجمهورُ أيضًا على أن المرأة في الردة حكمها حكم الرجل؛ لاستواء حكمهما في الزنا، وتعقب ذلك بأنها دلالة اقتران وهي ضعيفة. |
![]() |
واستدل بقوله -صلى الله عليه وسلم: ((المفارق للجماعة)) على إباحة دم المخالف والخارج عن الإجماع، فيكون متمسكًا لمن يقول: مخالف الإجماع كافر. قال ابن دقيق العيد: وقد نسب ذلك إلى بعض الناس، قال: وليس ذلك بالهين، فإن المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع -صلى الله عليه وسلم- كوجوب الصلاة مثلًا، وتارة لا يصحبها التواتر، فالأول يكفر جاحده لمخالفة التواتر لا لمخالفة الإجماع، والثاني لا يكفر به، قال في (شرح الترمذي): الصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما يُعلم وجوبه من الدين بالضرورة، كالصلوات الخمس. |
![]() |
واستدل بالحديث أيضًا على إباحة دم كل خارج عن الجماعة ببدعة؛ كالروافض والخوارج وغيرهم، قاله النووي. قال الحافظ ابن حجر: والقول في القدرية وسائر المبتدعة مفرّع عن القول بتكفيرهم، وقال بعضهم: إن حصر ما يُباح دمهم في هذه الثلاثة من قبيل العام المخصوص، فهناك غيرهم ممن يُباح دمهم كالصائل -أي الذي يعتدي على الناس ويأخذ أموالهم، ولا يمكن التخلص منه إلا بالقتل- فإنه يباح دمه في الدفع، وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة، أو يكون المراد: لا يحل تعمد قتله، بمعنى: أنه لا يحل قتله إلا مدافعةً بخلاف الثلاثة، فنية القتل هي المبدأ، وكالبغاة لقوله تعالى: ((فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)) [الحجرات: ٩]، وقد يُجاب بأن الآية تبيح القتال وليس القتل، بدليل أنه لو استسلم لم يُقتل، وكالزنديق، وقد يجاب بأن قتله استصحاب لكفره، فإن تاب لم يُقتل، وكمانع الزكاة، وقد يجاب أنه تأخذ منه قهرًا، فإن نصب للقتال قُوتل وليس يُقتل، وكتارك الصلاة عند من لا يكفره، ... |
| ...وقد اختلف فيه؛ فذهب أحمد وإسحاق وبعض المالكية، ومن الشافعية ابن خزيمة وغيره إلى أن تارك الصلاة يكفر بتركها ولو لم يجحد وجوبها، وذهب الجمهور إلى أنه يُقتل حدًّا لا كفرًا، وذهب الحنفية ووافقهم المزني إلى أنه لا يكفر ولا يُقتل. | |
![]() |
وفي الحديث جواز وصف الشخص بما كان عليه، ولو انتقل عنه، باستثناء المرتد من المسلمين، وهو باعتبار ما كان. |
![]() |
ويؤخذ من الرواية الثالثة أن كل من ابتدع شيئًا من الشرّ؛ كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئًا من الخير؛ كان له مثل ذلك من الأجر. |
![]() |
أما الرواية الخامسة وما بعدها من أن الأشهر الحرم أربعة، فقد أجمع على ذلك المسلمون، ولكنهم اختلفوا في الأدب المستحبّ في كيفية عدّها؛ فقالت طائفة من أهل الكوفة وأهل الأدب: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة؛ ليكون الأربعة من سنة واحدة، وقال علماء المدينة والبصرة وجماهير العلماء: هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، ثلاثة سرد وواحد فرد، قال النووي: وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، ومن قول الصحابة: الله ورسوله أعلم، أدب الصحابة قد وضح، وظهر فهمهم وحسن جوابهم. |
![]() |
ثم قوله -عليه الصلاة والسلام: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) يؤخذ منه وجوب تبليغ العلم، وأنه فرض كفاية، وقد يتعين في حق بعض الناس، وأخذ من قوله -عليه الصلاة والسلام: ((فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمع)) جواز رواية الفضلاء وغيرهم من الشيوخ الذين لا علم لهم ولا فقه، إذا ضبطوا ما يحدّثون به. ثم قال: قال المهلب: فيه أنه يأتي في ... |
| ...آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدمه، إلا أن ذلك يكون في الأقل، وفيه دلالة على جواز تحمل الحديث لمن لم يفهم معناه، ولا فقهه إذا ضبط ما يحدث به، ويجوز وصفه بأنه من أهل العلم. | |
![]() |
ويؤخذ من خطبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على بعيره استحباب الخطبة على موضع عالٍ من منبر وغيره، سواء خطبة الجمعة والعيدين وغيرهما، وحكمة ذلك: أنه كلما ارتفع؛ كان أبلغ في إسماعه الناس ورؤيتهم إياه، ووقع كلامه في نفوسهم. |
![]() |
ومن قوله -عليه الصلاة والسلام: ((أليست البلدة؟)) يؤخذ أن المطلق قد يحمل على الكامل، وهي الجامعة للخير المستجمعة للكمال، كما أن الكعبة تسمى البيت ويطلق عليها ذلك، و(( البلدة)) اسم خاص بمكة، وهي المرادة بقوله تعالى: ((إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ)) [النمل: ٩١]. |
![]() |
ومن قوله: ((أي شهر هذا...)) إلى آخره، تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ما يمكن، من تكرار ونحوه، وفي مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير؛ ليكون أوضح للسامع، وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا يعظّمون هذه الأشياء ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، فقدم السؤال عنها تذكيرًا لحرمتها، وتقريرًا لما ثبت في نفوسهم؛ ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل التأكيد. |
![]() |
وفي كتاب المنهل الحديث في شرح أحاديث الإمام البخاري، لفضيلة الشيخ موسى شاهين لاشين، علق على الحديث الأول وهو قوله -عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة)) حيث قال: |
![]() |
يحرم النبي -عليه الصلاة والسلام- دماء المسلمين، ويعظِّم شأنها، ويوجب حقنها، فلا يجوز قتل المسلم إلا بواحدة من ثلاث خصال: |
![]() |
أولاها: أن يكون قد قَتل مسلمًا عمدًا، عدوانًا وظلمًا، فإنه يُقتل قصاصًا. | |
![]() |
والثانية: أن يزني وهو محصن بالشروط اللازمة للرجم، فإنه يقتل حدًّا. | |
![]() |
والثالثة: ارتداد المسلم وخروجه عن دينه القويم. |
![]() |
وما أبلغ الزجر عن هذه الخصال بهذا الأسلوب الحكيم، أما عبد الله فهو عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه وأرضاه. |
![]() |
ثم يقول: أورد البخاري هذا الحديث تحت كتاب الديات؛ لأن كل ما يجب فيه القصاص يجوز العفو عنه على مال، فتكون الدية أشمل، والظاهر من قوله: ((لا يحل...)) أنه يحل قتل من استثني وهو كذلك، وإن كان بعض من استثني واجب القتل، فإن الواجب والمستحب حلال، وإنما عبر بهذا اللفظ ليقابل تحريم قتل غيرهم، وليس معنى إهدار دم هؤلاء الثلاثة أن لكل إنسان الحق في قتلهم، بل صاحب الحق الأول هو الولي، بإذن الإمام، وصاحب الحق بعده هو الإمام أو نائبه. |
![]() |
جواز قتل المسلم بالكافر المستأمن والمعاهد؛ لعموم قوله: ((النفس بالنفس))، والجمهور على خلافه؛ تخصيصًا لهذا العموم بحديث: ((لا يقاد مؤمن بكافر)). |
![]() |
أن الجماعة لا يُقتلون بالواحد؛ لقوله: ((النفس بالنفس)) بالإفراد، وقد روي هذا عن أحمد، والجمهور على خلافه مراعاة لحكمة القصاص، وهي صون الدماء؛ إذ لو لم يقتص من الجماعة لقتلوا مجتمعين، وحينئذٍ تهدر الدماء ويكثر الفساد، وأيضًا يُقتل الحر بالعبد؛ لأن كلًّا نفس، وبهذا قال الحنفية، وخصص الجمهور هذا العموم بقوله تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ)) [البقرة: ١٧٨] كما أنه لا يُقتل الأب بابنه؛ لأن الأب سبب حياته، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يقاد الوالد بولده)). |
![]() |
أن المرأة حكمها في الردة حكم الرجل؛ لاستواء حكمهما في الزنا، وبهذا قال الجمهور، ومنع بعضهم قتل المرتدة؛ بناء على أن هذه دلالة اقتران، وهذا رأي ضعيف، فالمرأة المرتدة تُقتل كما يقتل الرجل. | |
![]() |
أن تارك الصلاة لا يقتل بتركها؛ لأنه ليس من الثلاثة، وبهذا قالت الحنفية ومن وافقهم، وقال الجمهور بالقتل لمن يترك الصلاة حدًّا لا كفرًا، إلا إذا جحدها فيقتل كفرًا لا حدًّا. | |
![]() |
أن الصائل يُقتل ويباح قتله في الدفع، ويكون داخلًا في أنه مفارق للجماعة؛ أي: خرج عليها. | |
![]() |
حرمة الأشهر الحُرُم، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، وأنه أشهد أصحابه على ذلك، فقال: ((اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد)) وشهدوا له جميعًا بالبلاغ، وقالوا: نعم، لقد أديت ونصحت وبلّغت. |