... ٢.٣ حديث أبي هريرة: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم


وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر شفاءً}} أخرجه البخاري، وأبو داود، وزاد: {{وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء}}.

شرح الحديث
هذا الحديث من عجائب ما صنع الله -تبارك وتعالى- وفيه أحكام شرعية عجيبة غريبة مدهشة.
فقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، فليغمسه}} الذباب معروف، وهو حشرة ضعيفة تخالط الناس وتنتابهم عند أكلهم وشربهم في مجالسهم، تلتمس الطعام، فيتأذَّى الناس منها بسبب أنها تحط على القمامات والأوساخ، وربما نقلت هذه الأمراض إليهم. والذباب هو مَثَل ضربه الله -تبارك وتعالى- لإعجاز المشركين وآلهتهم بقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)) [الحج: 73]. فهذا مثل ضربه الله لإبطال الشرك به، وللرد على المشركين الذين زعموا في آلهتهم أنها تملك القدرةَ على النفع والضر!! يعني: أنهم لو اجتمعوا جميعًا على أن يخلقوا ذبابةً ما استطاعوا.

... ٢.٣ حديث أبي هريرة: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم


وهذا التحدي -الذي تحدَّى الله تعالى به المشركين- قائم إلى يوم القيامة، فإذا كان أهل الشرك وآلهتهم يعجزون جميعًا عن خلق الذباب -وهو أدنى شيء- فعجزُهم عن خلق السموات والأرض أبين وأظهر وأفحش، وخَلْق ما هو أشد وأعظم هم عليه أعجزُ وأقل. لذا فمعبوداتهم لا تستحق عبادة، وهذا المثل من أقوى البراهين على بطلان الشرك بالله.
وهذا التحدي كما اتجه إلى المشركين اتجه إلى كل البشر، إنهم لا يملكون أن يضاهوا شيئًا من خلق الله -تبارك وتعالى- ولهذا تعينت العبادة لله الذي لا يعجزه شيء، قال جل من قائل: ((أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)) [الأعراف: 191]. وقال: ((وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) [النحل: 20، 21].
والذباب إذا أخذ شيئًا في قدمه وطار به فإن هؤلاء لا قدرةَ لهم على استنقاذه، فإذا أخذ الذباب شيئًا من على الصنم، فإن هذا الصنم لا يستطيع أن يستنقذ ما أخذه الذباب، مما يدل على عجزه، وقلته، وحقارته. فهذا دليل عدم صلاحيته للعبادة، فإذا كان لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره ممن عبده من دون الله -عز وجل؟!

... ٢.٣ حديث أبي هريرة: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم


النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: {{إذا وقع في شراب أحدكم}} الشراب هنا لفظ عام، يشمل أي شراب وقع فيه الذباب، فيشمل الماء واللبن والمرق، وأيّ شيء كان. أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن يغمسه الإنسان، ثم ينزعه، لماذا قال: {{فليغمسه}}؟ علمنا أنه لا بد أن يكون شرابًا مائعًا؛ لأن غير المائع لا يمكن غمسه. فمثلًا: العسل شراب، هل يغمس فيه؟ لا، لا يمكن أن يغمس فيه، اللهم إلا أن جعل مع هذا العسل ماء أو لبن، فيمكن على كل حال، والحديث يدل على أن المراد الشراب الذي يمكن غمس الذباب فيه. {{ثم لينزعه}}، أي: يخرجه من هذا الشراب؛ لئلا يدخل مع الشراب إلى جَوْفه من غير أن يشعر به الإنسان.
وقد علل النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الحكم بقوله: {{فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء}} من الذي أدرى النبي -عليه الصلاة والسلام- بذلك؟ إنه اللهُ، {{في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء}}، في أحدهما الداء أي: المرض، وفي الآخر شفاء، أي: من هذا المرض. يُحتمل أن المراد شفاء من ذلك المرض الذي في الجناح الآخر، ويحتمل أن يكون المراد الشفاء عمومًا. الطب وأهله يقولون: إن ما في هذا الجناح الثاني من الدواء يشفي ما في ذلك الجناح الأول من الداء، وهذا لا يكون إلا بعلم من العليم الخبير الذي أعلم نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم.

... ٢.٣ حديث أبي هريرة: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم


زاد أبو داود: {{وإنه يتقي بجناحِه الذي فيه الداء}}، {{يتقي}} يعني: إذا خاف على نفسه وأهوى ليسقط في هذا الشراب، فإنه يقدم الجناح الذي فيه الداء يتقي به، وهذا إلهام من الله -عز وجل- له، أو لأن هذا الجناح يختص بخصيصة ليست في الجناح الآخر. وعلى كل حال، فقد أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- بأنه يفعل هذا، إذا سقط سقط بالجناح الذي فيه تلك الجراثيم المسببة للأمراض المؤذية للإنسان.
قال بعضهم: إنه يسبب هذه الحُمى التيفودية، فإذا غمس بالجناح الآخر كان هذا شفاء لها، ونحن على كل حال إنما نستشهد بأقوال الأطباء أو الفلكيين على ما دل عليه الكتاب ودلت عليه السنة، وإلا فإن هذا لا يستقل عندنا في إثبات صحة حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه متى ما صح الحديث عن نبينا -عليه الصلاة والسلام- بالطرق التي قررها علماء الحديث، فإنه لا بد من الأخذ به والطمأنينة بقوله -صلى الله عليه وآله وسلم- وإنما نستفيد من كلام الأطباء والعلميين فائدتين؛ أولاهما: حصول زيادة الطمأنينة، والثانية: إقامة الحجة على أولئك الذين يقدحون في الشريعة حين لا تقبل عقولُهم بعضَ ما جاءت به الشريعة، فيتمحلون طرقًا وسبلًا لرد الحديث النبوي الشريف. والحقيقة أن هذا نوع اتباع لأهواء النفوس، أو نوع تحكيم للعقل في الشرع، وهذا لا ينبغي أن يكون من مسلم يسلم لله ولرسوله -صلى الله عليه وآله وسلم.

... ٢.٣ حديث أبي هريرة: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم


هذا الحديث الصحيح الذي لا شك في صحته أخرجه البخاري في صحيحه، وعددٌ من الأئمة، لكن بعض الجهلة الذين هم من صنيعة الغرب أو من المتأثرين به أو بالمستشرقين، استنكروا هذا الحديث وتكلموا فيه، وتكلموا في راويه، هذا من جهة يعكس جهلًا ويعكس تأثرًا وهزيمةً نفسيةً أمام ما يروجه هؤلاء المستشرقون أو صنائع الغرب. كما أن طائفة تأثرت، أو هي في الحقيقة من تلك المدرسة المعروفة بالمدرسة العقلانية التي عُرِفت في العصر الحديث بالمدرسة الإصلاحية، فهؤلاء وأولئك يتعين الرد عليهم، والتصدِّي لمقولاتهم.
هنا سؤال: لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث في باب المياه؟
الجواب: إنه أتى به ليفيد أنه إذا وقع في الماء القليل شيءٌ من الذباب فمات، فإن الماء لا ينجس بذلك، والذباب لا بنجس لا حيًّا ولا ميتًا، ويؤخذ هذا من قوله: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، فليغمسه}} ولو كان نجسًا لأرقنا الماء؛ لأن القليل سوف يتأثر بمثل الذباب، ولا سيما إذا وقع فيه ذباب كثير. الذباب إذا وقع في الطعام الجامد فإنه لا يغمس، وهذا يؤخذ من المفهوم، هذا من جهة الدلالة الشرعية، أما من جهة الدلالة العقلية فإنك لو غمسته في طعام فإنه سوف يتفتت في هذا الطعام، وهذا يزيد الطين بلةً ويكره الطعام حينئذٍ للإنسان.

... ٢.٣ حديث أبي هريرة: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم


هنا مسألة، وهي: هل يقاس الذباب على غيره؟ يعني: لو وقع شيء آخر في حكم الذباب من حشرة صغيرة يسيرة ليس لها دم سائل كما يقولون، فهل تأخذ نفس الحكم أم لا؟
الظاهر الذي عليه كثير من العلماء القول بالجواز. نعم، يقاس على الذباب كل شيء ليس له دم يسيل، مثل: العقرب والخنفساء والجعلان، وما أشبه هذه الحشرات التي ربما سقطت في شيء من الشراب الذي أُعد للإنسان.
أيضًا أفاد هذا الحديث أن الذباب محرم؛ لقوله: {{ثم لينزعه؛ لئلا يدخل في الشراب}} فهل يقاس على الذباب ما كان بمثابته مما تستخبثه النفوس؟
يرى بعض العلماء أنه يقاس عليه ما كان مثله مما تستخبثه النفوس، والمراد بالنفوس: النفوس المستقيمة وليست كل نفس؛ لأن من الناس من لا يعاف شيئًا، كل الأشياء لا يعافها، ومن الناس من يعاف كثيرًا من الطيب الحلال، ومن ذلك ينبغي أن يفهم الإنسان أن قوله -عليه الصلاة والسلام: {{لينزعه}} يدل على عدم جواز أكله، أو تناوله.
وظاهر قوله: {{فليغمسه}} للإرشاد؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يبين أن هذا الشيء الضارّ يقابل بهذا الشيء المضاد، فالأمر دائر بين الاستحباب والإرشاد، ولو أراد أن يريقه من غير أن يغمسه لنهاه عن هذا الشيء؛ لأنه إذا وقع الذباب في الإناء فقد وُجِدَ الداء، ولا يزول هذا الداء إلا بغمس الذباب.

... ٢.٣ حديث أبي هريرة: {{إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم


في قوله: {{فليغمسه، ثم لينزعه}} بحث لُغوي في سكون اللام، مع أن لام الأمر مكسورة، كما قال الله تعالى: ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)) [الطلاق: 7]، لكن سكنت هنا لمجيئها بعد الفاء، فلام الأمر إذا جاءت بعد الفاء أو الواو أو ثم تكون ساكنة، بخلاف لام التعليل، فهي مكسورة على كل حال.
وإذا غُمِسَ الذباب ونزع هل يشرب الشراب أم يترك؟ يشرب، لماذا؟
لأننا أمنا من الداء، لكن إذا قدر أن الإنسان لم يستطع أن يشربه لكراهته له، أو لأن نفسه صارت تعافه، فإنه لا يُلزم بشربه، غاية الأمر أنه صار شيئًا مباحًا.
وفي الحديث أيضًا جواز قتل المؤذيات من الحشرات وغيرها، فإن غمس الذباب يتضمن إتلافه وخصوصًا إذا كان الشراب حارًّا، فدل على جواز قتل المؤذيات من الحشرات وغيرها؛ لأذاها وشرها. ولذا أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بقتل الحية والعقرب والغراب والكلب العقور والفأرة والحدأة، فقال: {{خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم}} وذلك لأذاهن.
والحديث بالجملة معجزة من معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- والتي أثبت الطب الحديث مصداقيتها، فهذا من أعلام نبوته -عليه الصلاة والسلام.