... ١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث
١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث ابن
عمر:{{أحلت لنا ميتتان ودمان...}}
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما قضى بوله أمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بذَنوب من ماء فأهريق عليه}} متفق عليه.
أنس هو ابن مالك خادم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- خدمه عشر سنين من حين قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة وإلى أن توفي. وكان عُمْر أنس حين قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة عشر سنين، عاش بعدها إلى قرابة مائة عام -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- وهو من آخر الصحابة موتًا.
شرح الحديث
 |
"جاء أعرابي": الأعرابي هو مَن يسكن البادية، والغالب عليه الجفاء سواء كان أعرابيًّا أو أعجميًّا، وجمعه: أعراب. ومنه قوله تعالى: ((الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا)) [التوبة: 97]. هذا الأعرابي بسبب جفائه وجهله حصل منه أن بالَ في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ناحيةٍ منه كما في الحديث: "فبال في طائفة من المسجد". والطائفة: القطعة والناحية من الشيء؛ وذلك لأن عادة الأعراب أنهم لا يبعدون إذا أرادوا البول وإنما يبعدون في الغائط، لكن هذا الأعرابي لا يميز بين المسجد وغيره، فإنه مشى على عادته، فلم يميز بين مسجد وغيره. ... |
... ١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث
١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث ابن
عمر:{{أحلت لنا ميتتان ودمان...}}
|
... فلما رآه الصحابة -رضي الله عنهم- وقد انتحى ليبولَ، أنكروا عليه بشدة؛ لِمَا فيه من الإهانة لمسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- والامتهان له، حتى إنهم أوشكوا أن يوقعوا به، وهذا منكر عظيم من هذا الأعرابي. |
 |
"فنهاهم النبي -عليه الصلاة والسلام": أي: نهاهم عن زجره، وقال: {{دعوه}} يعني: اتركوه حتى يكمل بَوْلته، وفي رواية قال: {{لا تزرموه}} يعني: لا تقطعوا عليه بوله، فتركوه حتى قضى بوله. فلما قضى بوله أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا البول بأن يُصب عليه ذنوب، وهو الدلو المملوء بالماء، وكذلك السجل؛ لأنه في بعض الروايات "أمر بسجل" والسجل: هو الدلو المملوء بالماء. أما إذا لم يكن فيه ماء فإنه لا يقال له: ذنوب، وإنما يقال له: دلو. |
 |
وقوله تعالى: ((فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ)) [الذاريات: 59] يعني: لهم نصيب من من العذاب كنصيب أصحابهم من الكفرة، يعني: بكفار قريش نصيب من العذاب كنصيب من سبقهم من الكفار. |
 |
"أهريق" يعني: يصب، وأصله: أريق، ثم أبدلت الهمزة هاءً فصارت: "هريق"، ثم زيد عليها همزة فصارت: "أهريق". هذا أصل الكلمة، يعني: صب على مكان البول هذا الذنوب، أو هذا السجل من الماء. |
 |
هذا الحديث تضمن فوائد عظيمة ومهمة؛ منها: |
... ١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث
١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث ابن
عمر:{{أحلت لنا ميتتان ودمان...}}
 |
- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان من ألطف الناس، وأرفق الناس، وأسمح الناس، فكان عليه الصلاة والسلام لا يكفهرّ في وجه أحد، ولا يوبخ أحدًا؛ بل لما جيء بهذا الأعرابي إليه -صلى الله عليه وسلم- قال له: {{إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر}} وبين له -عليه الصلاة والسلام- لما بُنيت، فقال: إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن. |
 |
وقد اطمأن الأعرابي وانشرح صدره بعدما زجره الصحابة، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- كلمه بهذه الكلمات الرحيمة، فلما انشرح صدره قال: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا"، وهذا يشير إلى أهمية التلطف مع الجفاة والجهلة الذين إذا لم يقع التلطف معهم، ربما جاءت العواقب غير مرضية. |
 |
وفيه دليل أيضًا على نَجاسة بول الآدمي، وهذا لا شك أنه محل إجماع بين أهل العلم، وأنه يجب تطهير ما أصابه من ثوب أو بدن أو بُقع. |
 |
وفيه بيان لكيفية تطهير الأرض إذا أصابتها النجاسة؛ وذلك بأن يصب عليها الماء أو أن تكاثر بالماء، فتذهب بهذا الماء إلى باطنها، ويكون هذا مطهرًا لها، وكذلك ما اتصل بالأرض من ماء ثبت فيها من الحياض الثابتة المتصلة بالأرض، فإنها إذا تنجست حكمها حكم الأرض يُصب عليها ماء ليطهرها. |
 |
وظاهر الحديث أنه لا فرق بين الأرض الصلبة والرخوة؛ والصلبة: هي المتلبدة القاسية، والأرض الرخوة: هي التي تثور بالتراب. |
... ١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث
١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث ابن
عمر:{{أحلت لنا ميتتان ودمان...}}
 |
ومعروف أن مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان رخوًا، والحديث إنما جاء في مسجده -عليه الصلاة والسلام. وأما الأرض إذا كانت مبلطة أو من حجارة أو من شيء من هذا، فبعض العلماء يرى أنه لا يكفي الصب؛ إذ إنه لا بد من غسلها كغسل غيرها من الثياب والأواني؛ لأن الماء لا ينفذ عندئذٍ إلى باطنها، ولكن ظاهر الحديث أنه يكفي. |
 |
والمشاهد أن الماء إذا صُب على أرض مبلطة أنه لا يذهب، وإنما تنتشر به النجاسة، إلا أن يكون الماء كثيرًا جدًّا، وهذا لا يتأتى في أمثال البيوت الصغيرة والعالية، فينبغي أن يزال عينها، ثم تُكاثر هذه النجاسة حتى تذهب وتزول. |
 |
والحديث على كل حال فيه دليل على احترام المساجد؛ لأن الصحابة زجروا هذا الرجل. |
 |
وفيه دليل أيضًا على أهمية إنكار المنكر، لا سيما في المساجد التي لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر. |
 |
وفيه أيضًا دليل على اشتراط طهارة البقعة للصلاة، فالمصلي يشترط لصحة صلاته أن يكون طاهرًا من الحدث، وأن يكون طاهرًا من النجاسة في بدنه وثَوْبه ومكانه. |
... ١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث
١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث ابن
عمر:{{أحلت لنا ميتتان ودمان...}}
 |
وفيه أيضًا دليل للقاعدة المشهورة عند العلماء، وهي قاعدة: "ارتكاب أخفّ الضررين؛ لدفع أعلاهما"؛ لأن البول في المسجد ضرر لا شك فيه، ولكن لو قام الرجل وهو يبول لأدَّى ذلك إلى تلوث المسجد بأسره، أو تلوث قسم كبير منه، وهذا مفسدته أكبر. لذا علمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتركوه، وأرشدهم إلى أن يدعوه حتى يبول في موضع واحد، فلا تنتشر النجاسة. وهذا كله من كمال تعليمه -صلى الله عليه وآله وسلم- وتفقيهه لأصحابه. |
 |
وفيه أيضًا أنه ينبغي لِمَن أنكر المنكر أن يبين السبب؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لما بين للأعرابي أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر، بين لماذا بنيت والأعرابي لا يدري، وإنما جاء إلى مكان واسع يظنه كسائر الأماكن، له أن يبول فيه فبال، وهذا يحتاج معه الداعي والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أن يكون فيما يأمر رفيقًا رحيمًا حليمًا. |
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{أحلت لنا ميتتان ودمان؛ فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد}} أخرجه أحمد وابن ماجه، وفيه ضعف.
... ١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث
١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث ابن
عمر:{{أحلت لنا ميتتان ودمان...}}
 |
الذي ينقل عن الصحابة يكون له حكم الرفع، فهو مرفوع حكمًا، وأما ما يقوله التابعي وما أشبه، فهل هو مرفوع مرسل أو موقوف متصل؟ في هذا خلاف بين علماء الحديث؛ فمنهم مَن يقول: إنه من الموقوف المتصل؛ لأن التابعي يروي عن الصحابي مباشرةً، ومنهم مَن قال: إنه مرفوع مرسل؛ لأنه حذف منه الصحابي. |
 |
على كل حال، قوله: {{أحلت لنا ميتتان}} أحلت: التحليل ضد التحريم، والحلال ضد الحرام، والحرام: الممنوع منه، والحلال: المأذون فيه، فقوله: {{أحلت لنا...}} معناه: أن الشارع أذن وأباح لنا ما ذكر في هذا الحديث. |
 |
وقوله: {{أحلت لنا ميتتان ودمان}} هذا كالاستثناء من قوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)) [المائدة: 3]، ذكرنا أن كل حيوان محرم، فهو نجس، والدليل قوله تعالى: ((قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)) [الأنعام: 145] فالضمير في قوله: ((فَإِنَّه)) يعود على كل ما سبق، وهو المطعوم الذي وجد محرمًا وهو الميتة والدم ولحم الخنزير، فإن هذا المطعوم رجس وليس عائدًا على لحم الخنزير فقط كما قاله بعضهم، بل هو عائد على ما وجده الرسول محرمًا. فقوله: ((فَإِنَّهُ رِجْسٌ)) هذه علة للتحريم، فَهِمنا أن جميع المحرمات من الحيوانات نجسة -ويأتي إن شاء الله أنه يُستثنى منها شيء في مسألة النجاسة. |
... ١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث
١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث ابن
عمر:{{أحلت لنا ميتتان ودمان...}}
 |
قوله: {{فأما الميتتان فالجراد والحوت}} الجراد: هو هذه الحشرة المعروفة، والحوت: يشمل كل ما في باطن هذا البحر من حيوان، فكل ما في البحر من حيوان فهو حوت وميتته حلال، فميتة البحر مستثناة من الميتة التي حرمها الله، كما قال الله -تبارك وتعالى: ((أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ)). |
 |
قوله: {{وأما الدمان فالكبد والطحال}} الكبد معروف، والطحال: قطعة تشبه الكبد من بعض الوجوه لاصقة في المعدة، هذه أيضًا حلال مع كونها من الدم. والمؤلف -رحمه الله- أتى بهذا الحديث في كتاب الطهارة، وكان المتبادر إلى الذهن أن يذكره في كتاب الأطعمة، لكنه ذكره هنا لأن المحرم نجس، ولما كان المذكور في هذا الحديث حلالًا كان طاهرًا. والحديث يقول المؤلف: إن فيه ضعفًا، وقد بينا المقصود بقوله: "إن فيه ضعفًا". |
... ١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث
١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث ابن
عمر:{{أحلت لنا ميتتان ودمان...}}
ومن فوائده:
 |
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يحل ولا يحرم إلا بإذن الله، وهو الذي قال: {{إنه ليس لي تحريم ما أحل الله}} هذا في مسلم، يعني: ليس إليَّ التحريم بل التحريم إلى الله، وعليه فإن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لا يشرع وإنما يبلغ، وقال لهم ذات يوم: {{إنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنها شجرة أكره ريحها}} لما انتهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن أكل بعض ما له ريح وهو الثوم أو البصل، فدل هذا على أن محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو رسول الله، لا يملك أن يحرم، ثم في القرآن ما يدل على هذا. وقوله: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)) [الحاقة: 44-47]. |
ومن فوائده:
 |
فالمعصوم -صلى الله عليه وسلم- معصوم أن يتقول على الله، فإذا لم يأذن له الله في تحليل أو تحريم فإنه لا يملك ذلك. |
 |
والحديث بجملته أفاد تحريم الميتة، وهذا أمر مجمع عليه. |
... ١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث
١.٣ حديث أنس بن مالك: {{جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد...}}، وحديث ابن
عمر:{{أحلت لنا ميتتان ودمان...}}
 |
وأفاد أيضًا حلة ميتة السمك والجراد، وأنها مستثناة من عموم تحريم الميتة، وخالف الإمام مالك في الجراد حيث قال: إنه لا بد أن يموت بسبب، فإذا وجد ميتًا حتف أنفه فإنه لا يؤكل، والصحيح أنه يؤكل؛ لعموم قوله -عليه الصلاة والسلام: {{أحلت لنا ميتتان}} فإنه لم يخصص، وكذلك ميتة البحر والحيتان حلال؛ خلافًا للحنفية الذين قالوا: إنه ما وجد طافيًا على وجه البحر لا يؤكل، واستدلوا على ذلك بحديث، وهو: "وما مات فيه فطفا، فلا تأكلوه" وهذا حديث ضعيف باتفاق. وأما الحديث الذي معنا فهو حديث عام، وهو حديث صحيح بشواهده. |
ومن فوائده:
 |
وأيضًا أفاد هذا الحديث أن السمك والجراد إذا ماتا في الماء فإنه لا يتنجس، وهذا هو السبب الذي من أجله ساق المصنف هذا الحديث في باب المياه أيضًا؛ لأن السمك والجراد إذا ماتا في الماء فإنه لا يتنجس، بخلاف ما إذا مات فيه حيوان بري كالغنم أو الإبل، فإنه إذا مات فإنه ينجسه، أما ما ليس فيه دم كالحشرات والخنافس أو ما يطلق عليه الفقهاء: ما لا نفس له سائلة، فهذا إذا مات في الماء فإنه لا ينجسه؛ لأنه ليس فيه دم. |
 |
وأفاد أيضًا هذا الحديث تحريم الدم، وهذا مجمع عليه بنص الآيات والأحاديث، وخالف في ذلك بعض مَن لا يعتبر قوله في هذه المسألة. |