... ٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع
٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء}}
 |
"وفي أعضاء مخصوصة": هذه الأعضاء التي ذكرها الله هي: الوجه واليدان والرأس والرجلان، والوضوء شَرْط من شروط صحة الصلاة لا تَصح الصلاة إلا به مع الاستطاعة والقدرة. قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ)) [المائدة: 6]. وقال النبي -عليه الصلاة والسلام: {{لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث، حتى يتوضأ}}، وهذا متفق عليه. وفي حديث آخر: {{هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به}}، وهذا عند ابن ماجه. فلو صلى من غير وضوء لم تصح صلاته إذا كان يستطيع الوضوء، ولذلك اهتم أهل العلم بالوضوء، وعقدوا له أبوابًا في كتب الحديث والفقه، وبينوا تفاصيله وأحكامه صفةً؛ لأنه من الأهمية بمكان. |
 |
والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أخبر أن أمته يُدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، والغرة: هي البَياض في وجه الفرس، ومحجل أو التحجيل: هو هذا الذي في أطرافه بياض، والمعنى: أنه يظهر عليهم النور في مواضع الوضوء، وهي الوجوه والأطراف، يعني: في أيديهم وأرجلهم ووجوههم، وهذه علامة تُعرف بها أمةُ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يوم القيامة. |
... ٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع
٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء}}
 |
والوضوء من أفضل الأعمال وفوائده كثيرة؛ ذلك أنه إذا كان في أيام الشتاء والبرد، فهو مما يمحو الله به الخطايا ويرفع الله به الدرجات، كما في الحديث: {{إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة}}، وقد ورد ما يدل على أنه كلما طهر الإنسان عضوًا من الأعضاء تطهر هذا العضو من النجاسة المعنوية، وهي الآثام، وفيه الاقتداء والتأسي برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وقد ورد أن الحِلية في الجنة تبلغ حيث يبلغ الوضوء، كما قال الله: ((يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا)) [الحج: 23]، ((وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ)) [الإنسان: 21]. فأساورهم ثلاثة أنواع: من ذهب، ولؤلؤ، وفضة، وهذه إذا اجتمعت يكون لها منظر يسر الناظرين. |
 |
والوضوء له سنن وله فروض وله واجبات، وسيأتي بيان ذلك كما في هذه الأحاديث التي ساقها المصنف -رحمه الله تعالى. |
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء}}، أخرجه مالك وأحمد والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقًا.
... ٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع
٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء}}
شرح الحديث
 |
المعلق في الأصل -عند المحدثين- هو الذي يسقط من أول سنده راوٍ فأكثر، هذا هو المعلق. أما إذا سقط من آخر السند فإنه يسمى مرسلًا. والمعلق ما يريده البخاري بدون سند، وهو على نوعين: معلق بصيغة الجزم، ومعلق بغير صيغة الجزم، وقد عمل الإمام ابن حجر -رحمه الله- على وصل معلقات البخاري بأسانيدها في كتاب الأسماء (تغليق التعليق) وهو يتكون من خمسة مجلدات وهو مطبوع، والأصل في المعلق يعني: يكون ضعيفًا؛ لعدم وجود السند، وإذا عُدِمَ السند صار الرواة مجهولين، ولا بد من العلم بالرواة، وأنهم أهل للرواية، إلا أنهم قالوا: إلا إذا كان المخرج قد التزم بتعليق ما هو صحيح عنده بصيغة الجزم، فيحكم بصحته عند المعلق فقط، يعني: يكون صحيحًا عنده، ولكن ليس بصحيح عند غيره. |
 |
والحاصل أن البخاري -رحمه الله تعالى- عَلَّقَ أحاديث، عَمِلَ ابنُ حجر على وصل جملتها وعامتها. |
... ٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع
٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء}}
 |
قول أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك}} هذا من رحمته وتمام شفقته -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه يترك أشياءَ؛ خوفَ أن يشق ذلك على أمته، ومن هذه الخصال التي كان يحبها حبًّا شديدًا السواك، ومع ذلك خشي النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يأمر بأمر فيه المشقة على أمته، والسواك: استعمال ما يُزيل أثر الطعام الذي قد يعلق في الفم، أو أثر الريح التي قد تتغير لسبب أو لآخر، والسواك: هو كل عُود مندّى لا يجرح، وأحسن أنواعه الأراك، ولو استاك إنسان بغير أراك يعني: من عراجين النخل أو من غيره، فلا بأس، إذ كل شيء ينظف الفم ويزيل الرائحة، ويقطع أثرَها، هذا يكون من المشروع، والأحسن عود الأراك؛ لأنه ألين، وأكثر تنظيفًا، وأطيب ريحًا. |
 |
وقد جاء في الحث على السواك أحاديث كثيرة؛ منها هذا الحديث الذي هو من رواية أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال بعض أهل العلم: إنها تبلغ مائة حديث، هذه أحاديث السواك تبلغ مائة حديث؛ منها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: {{السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب}}. |
 |
فهو على كل حال سنة مؤكدة مرغب فيه، يتأكد في مواضع، اختلف العلماء في عدها، لكن يجمعها أنها عند تنظيف أو إرادة تنظيف الفم، وعند تغير ريحه، ومن هذه المواضع المنصوصة: عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند الانتباه من النوم، وعند قراءة القرآن، وعند تغير رائحة الفم، فالمرء يَسْتَاك لهذه المواضع، ولمواضع أخرى ذكرها أهلُ العلم لا نطيل بذكرها. |
 |
هذا الحديث بالجملة دل على مشروعية السواك واستحبابه وتأكده عند الوضوء. |
... ٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع
٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء}}
 |
وفيه أيضًا دليل على أن السواك ليس بواجب، وهذا قول جمهور أهل العلم. |
 |
وفيه دليل على استحباب إزالة الروائح الكريهة عند الصلاة، وعند دخول المساجد، وأن الإنسان يجب أن يتفقد نفسه عندما يذهب للصلاة لا سيما في المسجد، ولهذا منع النبي -عليه الصلاة والسلام- مَن أكل ثومًا أو بصلًا أن يدخل المسجد؛ لأنه يؤذي المصلين من جهة، ويؤذي الملائكة من جهة، ويسيء إلى المسجد، فأمره بأن يعتزل المسجد؛ حتى تذهب عنه تلك الريح. |
 |
والنبي -عليه الصلاة والسلام- له أن يجتهد في الأحكام لقوله: {{لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم}}، ولم يقل: "لولا أن الله لم يأمرني، لأمرتهم"، بل قال: {{لولا أن أشق...}}، فالمانع له من الأمر الملزم ليس عدم أمر الله، ولكن المشقة. |
 |
إذًا له -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يجتهد، ثم إن الله تعالى يقره على الحكم فيكون كذلك، فإن لم يقره الله ارتفع الحكم. فعفو النبي -عليه الصلاة والسلام- عن المتخلفين لم يقره الله عليه، بل قال: ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)) [التوبة: 43]، وقوله: ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ)) بدأ بالعفو عما حصل قبل أن يذكره، كذا قال الله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ)) [التحريم: 1]. |
... ٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع
٤.٣ حديث أبي هريرة: {{لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء}}
 |
إذًا يستفاد أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- له أن يجتهد في الأحكام. |
 |
هنا مسألة، وهي: هل تحصل فضيلة السواك بغير العود، أي: بغير عود الأراك ونحوه؟
اختلف العلماء؛ فمن قائل: إنه لا يحصل فضل السواك إلا إذا تسوك بالمسواك، ومنهم مَن قال: بل يحصل له من السنة بقدر ما حصل له من الإنقاء، وإنه يُمكن أن يدرك السنة إذا تسوك بأصبعه أو بخرقة، وهذا قد يكون أقرب إلى الصواب من جهة المعنى، أي: يقال: لا شك أن الأكمل والأفضل أن يكون بعود الأراك أو ما يقوم مقامه، فإن عجز الإنسان أو فقد، فإن له أن يتسوك بما تيسر له من أصبع أو خرقة، فإنه يحصل له من التنظيف بقَدْر ما يجتهد، ويحصل له من الأجر والثواب بقدر ما يحصل له من التنظيف.
|