٣.٢ حديث: {{... إن الماء لا يَجنب}}


لأصحاب السنن: اغتسل بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في جفنة فجاء ليغتسل منها، فقالت: إني كنت جنبًا، فقال: {{إن الماء لا يُجْنب}} وفي رواية: {{إن الماء لا يَجنب}} وصححه الترمذي وابن خزيمة.

شرح الحديث
هذا الحديث أفاد أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- اغتسلت بعض زوجاته من جفنة، وهي صحفة كبيرة تكون من خشب، ودونها القصعة، وقد قال الله تعالى لنبيه داود عليه السلام: ((يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب)) [سبأ: 13] أي: يصنعون له جفانًا، وهذه جمع جفنة، وهو ما يعد للطعام من الصحاف الكبار. كالجواب، يعني: كبيرة كالجابية. فجاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليغتسل منها، والظاهر أن بها بعض ماء، فقالت: إني كنت جنبًا، أي: اغتسلت من هذه الجفنة من الجنابة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: {{إن الماء لا يَجنب}} أو {{إن الماء لا يُجنب}} فمعناه: أن الماء لا تؤثر فيه جنابة المغتسل، فإذا اغتسل الجنب من ماء وكان الاغتسال خارج هذا الماء فإن الماء لا يتأثر بذلك، وإنما الممنوع -كما سبق- أن ينغمس فيه، هذا نهى عنه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أما إذا اغترف منه فالماء لا يَجنُب، إذا كان من جَنُب يَجنُب، مثل: كَرُم يَكرُم فهو الضم، وإن كان من جَنِب بكسر النون فهو بفتح النون كفَرِح يَفرَح، أما رواية يُجنب فهو من الرباعي من أجنب يُجنب، وأما جَنُب يَجنُب، وجَنِب يَجنَب، فهو من الثلاثي، هذا من حيث بنية الكلمة.

٣.٢ حديث: {{... إن الماء لا يَجنب}}


أما معناها: فكما وضحنا أن الماء لا يتأثر بمن اغتسل من خارجه من الجنابة أو من غيرها من الحدث الأكبر.
هذا الحديث والذي قبله فيه فوائد ينبغي أن ننبه إليها، هذا فيه إشارة إلى تعدد زوجات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وفيه إشارة أيضًا إلى أن هؤلاء الزوجات كان لهن أقارب، وأنهن كن يخبرن أقاربهن بما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يعمله في بيته من الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، وهذا من حِكَم تعدد زواجه -صلى الله عليه وسلم- فإن ابن عباس هو الذي اطلع على أن الرسول كان يغتسل بفضل ميمونة، وميمونة خالة ابن عباس، ففي هذا بيان لبعض فوائد تعدد زوجات رسول الله؛ من أنهن يحملن العلم إلى الأمة.
وفيه أيضًا إشارة إلى جواز الإفضاء بما يستحيا منه عادةً من أجل نشر العلم؛ لأن ميمونة أفضت إلى ابن عباس بهذا العلم الذي قد يُستحى منه، وأن هذا لا يدخل في إفشاء السر الذي نُهي عنه؛ لأن هذا لا علاقة له بالمعاشرة، وإنما هو بيان للحكم الشرعي الذي به تنتفع الأمة.
وفيه أيضًا بيان تواضعه -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ حيث كان يغتسل بفضل زوجته، ويغتسل معها -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا من خيريته -عليه الصلاة والسلام- كما قال: {{خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي}}.

٣.٢ حديث: {{... إن الماء لا يَجنب}}


هذه الأحاديث الثلاثة استُفيد منها: نهي عن اغتسال المرأة بفضل الرجل، كما في الحديث الأول، ونهيٌ عن اغتسال الرجل بفضل المرأة، وفيها أيضًا: بيان جواز اغتسال الرجل والمرأة معًا في آنٍ واحد من إناء واحد، وجماهير أهل العلم على جواز اغتسال المرأة من فضل الرجل، حتى إنه يبلغ موضع الإجماع، وقد حكى النووي -رحمه الله- الإجماع على هذا.
أما الحكم الثاني، وهو اغتسال الاثنين من إناء واحد في وقت واحد: فهذا أيضًا محل إجماع بين أهل العلم.
وأما محل النزاع: فهو في الحكم الثالث، وهو اغتسال الرجل من فضل المرأة. هذا هو موضع الخلاف، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال ثلاثة:


٣.٢ حديث: {{... إن الماء لا يَجنب}}


القول الأول: المنع، أي: أنه لا يصح اغتسال الرجل من فضل المرأة، أي: ما تبقى بعد غسلها من الجنابة أو الحيض أو النفاس مطلقًا؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، ونُقل هذا عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعض التابعين.<