... ٢.٢ حديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تغتسل


عن رجل صحب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، والرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعًا. رواه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح.

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يغتسل بفضل ميمونة رضي الله عنها. أخرجه مسلم.

ولأصحاب السنن: اغتسل بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في جفنة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليغتسل منها، فقالت: إني كنت جنبًا، فقال: {{إن الماء لا يجنب}}. وصححه الترمذي وابن خزيمة.


... ٢.٢ حديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تغتسل


شرح الحديث
قوله: وعن رجل صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. هذا الرجل هو: الحكم بن عمرو الغفاري، كما هو في (المنتقى) للمجد بن تيمية، وقيل: هو عبد الله بن سرجس، وعلى كل حال إبهام الصحابي لا يضر؛ لأن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- عدول كلهم، أثنى الله -عز وجل- عليهم في كتابه، ونوَّه بذكرهم في غير ما موضع، فإذا قال الصحابي: نهى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن كذا فهذا قال بعض أهل العلم: إنه في حكم الصيغة الصريحة في النهي؛ لأن كلمة "نهى" ليست ككلمة "لا تفعل" قد يفهم الإنسان من شخص تكلم معه بكلام أنه نهى وهو لم ينهَ، لكن لثقتنا بالصحابة وثقتنا بمعرفتهم بخطاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وإحاطتهم بقرائن الأحوال، يجعلنا نقول: بأن النهي الوارد هنا وإن ورد بلفظ "نهى" أو "كان ينهى" فهو كالنهي الصريح.
فإذا قال قائل: قد يفهم ما ليس بنهي نهيًا. قلنا: هذا بالنسبة للصحابة قد يكون ممتنعًا أو يكون غير وارد؛ لأن الصحابة أعلم الناس بصيغة النهي، وأما ما تدل عليه كلمة "نهى" فإنها تدل على أحد أمرين؛ إما على التحريم، أو على الكراهة، إذ كلاهما منهي عنه.

... ٢.٢ حديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تغتسل


وقوله: "صحب النبي -عليه الصلاة والسلام-" الصحبة بالنسبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة يُكتفى فيها ولو بساعة أو بأقل من ذلك، ولهذا قيل: إن الصحابي هو من اجتمع بالنبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ولو لحظة ومات على ذلك، ولو لم يعلم به النبي -صلى الله عليه وسلم- كما لو كان هذا الصحابي وسْط جمع كبير رأوا النبي -عليه الصلاة والسلام- كما وقع ذلك في حَجة الودَاع، ولو ارتدَّ بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- أو في أثناء حياته ثم عاد إلى الإسلام، فصحبته باقيةٌ على الأرجح؛ لأن الله تعالى لم يذكر أن الردة تُحبط الأعمال إلا إذا مات الإنسان عليها، قال الله تعالى: ((وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة)) [البقرة: 217].
نهيه -صلى الله عليه وآله وسلم- وقع على أمر مذكور في هذا الحديث، ما هو هذا الأمر؟ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، "تغتسل" أي: غسل الجنابة أو الحيض أو النفاس، يعني: الغسل الواجب الذي يرفع الحدث؛ أن تغتسل بفضل الرجل، أي الماء الذي يبقى بعد اغتسال الرجل، فالماء الباقي في الإناء بعد اغتسال الرجل نهيت المرأة أن تغتسل به، الغسل الواجب الذي يرفع حدثها الأكبر.
وكذا، وقع النهي أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أي: تغتسل المرأة بالماء ثم تفضل بعدها بقية، فيأتي بعدها الرجل فيغتسل بهذه الباقية، فهذا أيضًا موردٌ للنهي.

... ٢.٢ حديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تغتسل


ثم بعد هذا النهي أرشد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى أمرٍ خير منه فقال: {{وليغترفا جميعًا}}، قوله: {{وليغترفا جميعًا}} بسكون اللام؛ لأن اللام لام أمر، والضمير في "يغترفا" يرجع إلى المرأة والرجل، ومن المعلوم أنه لا يُراد به كل امرأة ورجل، وإنما يراد به المرأة التي هي زوجة أو مملوكة للرجل، والرجل هو الزوج أو السيد.
وينبغي أن نقف عند قوله: {{وليغترفا}} حتى نفهم مسألة متعلقة بهذا الموضوع، فهذه اللام هي لام الأمر، إذا أتت بعد حرف العطف الواو أو الفاء أو ثم، فإنها تقع ساكنة لا تكسر "وليغترفا" مثل ذلك قول الله تعالى: ((ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق)) [الحج: 29] وأما لام التعليل فإنها تكون مكسورة بكل حال، كما في قوله تعالى: ((لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا)) [العنكبوت: 66].
والنبي -عليه الصلاة والسلام- وجه في هذا الحديث إلى أدب رفيع يعقب حسن المواءمة والملاءمة والموادة والمؤالفة بين الرجل وزوجته، وهو أنهما يغتسلان معًا إذا وجب عليهما الغسل، فلا ينبغي أن يذهب الرجل ليغتسل وحده ثم تأتي بعده المرأة، أو المرأة ثم يأتي بعدها الرجل ليغتسل من نفس الماء، الأفضل أن يغترفا جميعًا، وهذا الذي أرشد إليه النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو الذي كان يفعله، فقد كان -صلى الله عليه وآله وسلم- هو وعائشة -رضي الله عنها- يغتسلان من إناء واحد تختلف فيه أيديهما، حتى إنها تقول: دع لي، دع لي. أي: إذا سبقها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهذا يدل على أن كلا الزوجين يباح له أن ينظر إلى الآخر بحكم النكاح. أما ما ورد بأنها لم ترَ منه ولم يرَ منها فهذا حديث لا يصح.


... ٢.٢ حديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تغتسل


الحديث السابع عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يغتسل بفضل ميمونة رضي الله عنها. أخرجه مسلم.
ابن عباس إذا أطلق فهو: عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: {{اللهم فقِّهه في الدين وعلِّمه التأويل}} وابن عباس -رضي الله تعالى عنه- رزقه الله تعالى الفقه في الدين، وكان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- صغير السن، وكذا كان في عهد أبي بكر وعمر، إلا أن عمر كان يحضره مجلسه عند المشورة، ويدخله مع أكابر الصحابة، فقال بعضهم: إن لنا أبناءً لم لا يحضرون؟ فبين لهم عمر فضل ابن عباس- رضي الله تعالى عنهم جميعًا- بأن امتحنهم، فعرض عليهم سورة النصر ((إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح)) إلى آخر السورة، ثم سألهم عن المراد بذلك، فقالوا: أمرنا إذا انتصر الإسلام وفتح الله مكة أن نستغفر وأن نتوب إلى الله -عز وجل- فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: هذه في أجل رسول الله، أي: هذه علامة جعلها الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في أمته، إذا فتح الله عليه مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا فهذه علامة قرب الأجل، فقال: ما أرى فيها إلا ما ترى. فبذا ظهر علمه -رضي الله عنه- وفضله والسرُّ في كون عمر كان يحضره مجلسه.
النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر ابن عباس عنه أنه كان يغتسل بفضل ميمونة، وهذا يدل على أنه لا حرج في أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، فإذا أردنا أن نفرق في الحديث أن نقول: لا تغتسل المرأة بفضل الرجل؛ لأن النهي عن اغتسال المرأة بفضل الرجل ليس فيه مخصص، وللرجل أن يغتسل بفضل المرأة على كل حال.