١.٢ حديث أبي هريرة: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب


عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: {{لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب}} أخرجه مسلم.

هذا الحديث موضوعه بيان الماء الذي تحول عن أصله وحالته الأولى، وقد سبق الحديث قبله أن الماء إذا تحول عن طهارته إلى أن تنجس، وخرج عن أصله بنجاسة غيرت أحد أوصافه الثلاثة، سواء كان ذلك في ريحه أو في لونه أو في طعمه، فإن هذا الماء يكون نجسًا بإجماع أهل العلم، وفي هذا الحديث بيان نوع آخر من أنواع التحول، وهو الماء الذي استعمل في غسل الجنابة، وسيأتي في رواية البخاري من هذا الحديث بيان حكم الماء الذي وقع فيه بولٌ من آدمي.

شرح الحديث
قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: {{لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب}} "لا" هنا ناهية، تجزم ما بعدها، وقوله: {{لا يغتسل}} مجزوم بـ"لا" الناهية، ومعنى ذلك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- نهى عن فعل الاغتسال في الماء الدائم والإنسان جنب، والنهي معناه: طلب الكف عن الشيء، والنهي يقابل الأمر، فإن الأمر طلب فعل الشيء، والنهي طلب الكف عنه، وقوله: {{لا يغتسل أحدكم}} هذا خطاب لمن يتأتى له الخطاب من المكلفين في الأمة.

١.٢ حديث أبي هريرة: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب


قوله: {{في الماء الدائم}} الدائم: هو الراكد، كما فسرته بعض الروايات من قوله: {{الذي لا يجري}} فالماء المجتمع في مكان ما لا يطرأ عليه انتقال من هذا المكان يسمى راكدًا، وربما سمي دائمًا، وهو يقابل الماء الجاري، فهذا لا يسمى راكدًا ولا دائمًا.
قوله: {{وهو جنب}} جنب على وزن فُعُل، معناه: من عليه جنابة، والجنابة: هي ما يترتب على إنزال المني دفقًا بلذة، سميت جنابة؛ لأن هذا الماء الذي خرج منه جانب محله، فإذا دفق الإنسان المني دفقًا بلذة وشهوة، فإن هذا الماء جانبه أو خرج عنه، وكذلك لو جامع ولو من غير إنزال فإنه يسمى جنبا؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: {{إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل}}.
وقوله -عليه الصلاة والسلام-: {{وهو جنب}} هذه جملة منصوبة على الحال من {{أحدكم}} أي: من فاعل يغتسل، يعني: والحال أنه جنب؛ لأن الجنب وإن كان طاهر البدن، لكن قد يكون هناك ما يخرج من جسده من إفرازات بسبب هذه الجنابة لا ندري ما هي فتؤثر في الماء، ربما وسخته أو قذرته، أو ارتفع بسبب اغتساله حدثه، وبقي هذا الحدث في الماء ليخرجه من صفة الطهورية إلى صفة الطاهرية.
قوله -عليه الصلاة والسلام-: {{لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب}} فيه دلالة على أن كل غسل في الماء الدائم سوى غسل الجنابة لا يدخل في نهيه -عليه الصلاة والسلام- فلو انغمس إنسان في ماء ليتبرد ليتنظف فإنه لا يدخل في هذا النهي؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: {{وهو جنب}}.

١.٢ حديث أبي هريرة: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب


وإذا تأملنا هذا الحديث وجدنا أنه يُظهر رعاية الشريعة للصحة، ويبين أيضًا شمول الشريعة واشتمالها على مصالح الناس في المعاد والمعاش، فإن الشريعة لم توضع لتنظيم العلاقة بين الإنسان وربه؛ وإنما الشريعة تشمل أحكامها كل ما يتعلق بالإنسان ويصلح حاله في معاشه ومعاده.

ثم إن هذا الحديث أفاد جملة فوائد:
منها: تحريم، أو كراهة اغتسال الإنسان في الماء الدائم وهو جنب؛ لأن النهي منه -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي تأتى بقوله: {{لا يغتسل أحدكم}} أي: لا يفعل الغسل، هذا النهي اختلف الأصوليون فيه، هل هو للكراهة أم للتحريم؟ أو يفرق بين ما كان مبناه العبادة وما كان مبناه الأدب والنظافة، فالأول: يكون النهي فيه للتحريم، والثاني: للكراهة، وقالوا: إنما كان النهي في العبادة مؤديًا أو مفضيًا للتحريم؛ لأن الإنسان إنما خلق للعبادة فلا بد أن يحققها فعلاً للمأمور وتركًا للمحظور، أما الآداب وما يعود على الإنسان في صحته ونظافته وما أشبه ذلك فيحمل على الكراهة.
وقد مال طائفة من أهل العلم إلى تحريم الاغتسال من الجنابة بالماء الدائم بأن ينغمس فيه الإنسان، لماذا؟

١.٢ حديث أبي هريرة: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب


قالوا: لأن هذا يجعل الماء المطلق أو الماء الطهور، يجعله مستعملاً، فلا يصلح بعد ذلك للطهارة به، لا له ولا لغيره، أي: لا لهذا الإنسان الذي انغمس، ولا لغيره، إذا انغمس فيه إنسان وهو جنب، أما لو اغترف منه وتطهَّر خارجه وانساب الماء المستعمل إلى مكان آخر فهذا لا حرج فيه؛ لأنه إنما نُهي عن الانغماس فيه.
كما أفاد هذا الحديث: أن الماء الذي يجري، لا مانع من أن ينغمس فيه الإنسان؛ لأن الماء الذي يجري يتجدد باستمرار فلا يؤثر ذلك في صلاحية استعماله أو استخدامه، وكذا الماء الراكد الكثير إذا كان مثل بُحيرة كبيرة، فلا بأس على الإنسان أن ينغمس فيها؛ لأن هذا لا يُؤثر عليها لكثرتها، وإنما النهي ينصبُّ أو ينصرف -والله أعلم- على المياه القليلة المحدودة، التي لا تجري وهي راكدة.
وإذا نظرنا إلى الماء غير الدائم الذي يجري، فإننا نرى أنه ينقسم إلى قسمين:
قسم يجري دائمًا كالأنهار والسواقي التي تجري، وهذه لا إشكال في أن يتطهر فيها الإنسان، سواء كان جنبًا أو غير جنب.
والقسم الثاني من الماء غير الدائم، أو من الماء الجاري، هذا الذي يجري ثم يقف، يجري ثم يقف، ويوجد هذا في بِرك البساتين التي تكون مملوءة لكن سوف يفتحها من ينوي توزيع الماء ويوزعها على البستان، ويأتي ماء جديد، هل يُجعل هذا من الدائم أو من الجاري؟ هذا لا شك أيضًا أنه من الماء الجاري؛ لأن هذا الماء سوف يذهب.

١.٢ حديث أبي هريرة: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب


أما الماء الذي يكون في الغدران، وفي مستنقعات الأمطار وفي البرك ونحوها، فهذه دائمة؛ لأن المطر قد ينزل وقد لا ينزل، وقد يبقى الغدير دائمًا على هذا الوضع، فهذا الذي ينطبق عليه الحديث.
وفهمنا من هذا الحديث أنه يجوز الاغتسال في الماء الدائم من غير جنابة، كما لو اغتسل إنسان ليتبرّد أو ليتنظف أو اغتسل غسلاً مستحبًّا.
ولقائل أن يقول: لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث في هذا الباب؟
نقول: جاء به ليدعِّم قول بعض العلماء -رحمهم الله-: إنه إذا اغتسل إنسان في ماء دائم وهو جنب، فإنه ينتقل عن الطهورية إلى الطاهرية، وهذا لا شك أنه قول كثير من العلماء، وهو الراجح، خلافًا لمن قال: إنه لا تسلبه هذه الغسلة من الجنابة، لا يسلبه هذا الغسل من الجنابة حال أو وصف الطهورية.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: {{لا يغتسل فيه من الجنابة}} وقال: {{لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب}} فهذا يشهد لمن قال: بأن هذا دليل على أن الماء المستعمل لرفع الحدث الأكبر أو الأصغر أن هذا الماء مسلوب الطهورية.

١.٢ حديث أبي هريرة: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب


وللبخاري: {{لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه}}، قوله: {{لا ليبولن}} هذه "لا" الناهية، و"يبول" مضارع مجزوم بـ"لا" الناهية فُتح لاتصاله بنون التوكيد، والمضارع إذا اتصل بنون التوكيد لفظًا وتقديرًا صار مبنيًّا على الفتح، بخلاف ما إذا اتصل بها لفظًا لا تقديرًا، فإنه يكون غير مبني، كقول الله تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه )) [الزخرف: 87] ولم يقل: "لَيَقُولَنَّ" لأن النون قد فُصل بينها وبين الفعل بفواصل، لكن حذفت لأسباب تصريفية، وهذا الحديث في هذه الرواية أكّد النهي عن الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري، أي: غُسل الجنابة، فكأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- نهى الإنسان أن يبول في ماء دائم لا يجري، ثم يأتي بعد ذلك محتاجًا للغسل فيغتسل في ذلك الماء، وهذا مما تأباه النفوس وتنفر منه.
وهذا الحديث تضمن النهي عن مسألتين:
الأولى: البول في الماء الذي لا يجري؛ لأنه إذا بال فيه استقذرته النفوس، وربما مع كثرة البول وقلة الماء يتغير الماء بالنجاسة فيفسد.
الثانية: الاغتسال في الماء الدائم، وظاهره أنه لا يغتسل فيه، لا من جنابة ولا للنظافة، بل النهي عام، لكن أتى في بعض ألفاظ الحديث التقييد بالجنابة، وهذا يأتي موافقًا لحديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام مسلم.

١.٢ حديث أبي هريرة: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب


قوله: ولمسلم {{منه}} ولأبي داود {{ولا يغتسل فيه من الجنابة}}، ولمسلم {{منه}} أي: لمسلم في هذا الحديث: {{ثم يغتسل منه}}، والفرق بين "منه" و"فيه" أن "فيه" تدل على الانغماس في الماء، و"منه" تدل على الاغتراف، وبينهما فرق.
قوله: ولأبي داود {{ولا يغتسل فيه من الجنابة}}، هذه الرواية وافقت رواية البخاري إلا أنها مقيدة لها؛ حيث قال: {{يغتسل فيه من الجنابة}} وعلى هذا القيد يكون موافقًا للفظ مسلم الذي جعله المؤلف أصلاً، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: {{لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب}}.
قوله: {{لا يبولن في الماء الدائم}} يشمل ما إذا بال الإنسان فيه مباشرة أو بال الإنسان في إناء ثم صبّه فيه، الحكم في ذلك سواء، وهذا فيه خلاف للظاهرية الذين يرون أنه لو بال الإنسان في قارورة ثم صبّها لم يكن عليه من حرج، أو كما قال داود الظاهري: إنه يجوز الغائط في الماء الدائم الذي لا يجري.
وهذا من أقبح ما يُنتقد على أهل الظاهر، يعني البول الذي ربما اختلط بالماء فاضمحل لا يجوز أن يفعله الإنسان! والغائط الذي لا يضمحل ولا يقل يجوز؟! لكن له أن يقول: الغائط مشاهد ويمكن التحرز منه، والبول يختلط بالماء ولا يمكن التحرز منه، لكن هذه مدافعة سقيمة لا تنفع، فالصواب: تحريم هذا وهذا، وهذا ما عليه جمهور العلماء.

١.٢ حديث أبي هريرة: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب


والحديث على كل حال دليل على تحريم الجمع بين البول في الماء الدائم والاغتسال فيه، كما هو ظاهر في رواية البخاري.
هذا من باب أولى إذا نُهي عن البول فيه على حدا والاغتسال فيه على حدا، فالجمع من باب أولى أنه منهيٌّ عنه وأنه محرم بلا شك، وقد جاءت به رواية البخاري.
وهذا الحديث دليل على أن الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة فإنه يتنجّس ولو لم يتغير، كما قال به جمع من أهل العلم، وكما هو مفهوم حديث القلتين الذي سبق ذكر خبره، قال -عليه الصلاة والسلام-: {{إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث}} مفهومه: أنه إذا لم يبلغ القلتين فإنه يحمل الخبث، بمعنى: أنه يؤثر فيه بالنجاسة، وهذا الحديث الذي معنا {{لا يبولن أحدكم في الماء الدائم}} يؤيد ذلك، يؤيد أن الماء القليل يتنجس بالبول ولو لم يتغير أحد أوصافه. هذا ظاهر الحديث، والذين يرون أنه لا يتنجس إلا بالتغير يحملون هذا الحديث على أنه من باب التعبد؛ حيث لم تعرف علة للمنع.
والحديث أيضًا -كما قلنا- يدل على أن الماء المستعمل لرفع الحدث الأكبر أو الأصغر أنه مسلوب الطهورية، وينبغي أن يكون معلومًا أن الإنسان لا ينبغي له أن يبول في الماء الدائم الذي لا يجري مطلقًا وهو ممنوع من ذلك، إلا أن الفقهاء استثنوا الأنهار والأودية الكبيرة وما يشبه ذلك، فإنه جائز بالاتفاق، واستثنوا أيضًا من الماء الدائم البحار والبحيرات الضخمة التي لا يؤثر فيها البول شيئًا، قالوا: هذا لا بأس به؛ لأن خطابه -صلى الله عليه وسلم- إنما ينصرف إلى الشيء المعهود، وليس في المدينة بحار ولا أنهار.

١.٢ حديث أبي هريرة: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب


كذا، فإنه لا فرق بين الاغتسال فيه والاغتسال منه؛ لأن الألفاظ تدل على ذلك، حتى لو فرض أنه لم يرد لفظ "منه" نقول: إذا نهي عن الاغتسال فيه فالاغتسال منه بمعناه، وإن نهي عن الاغتسال منه فالاغتسال فيه بمعناه.