١.١ مقدمة تمهيدية عن المادة، وبداية شرح كتاب المياه من بلوغ المرام
المقدمة
تهدف هذه المادة إلى دراسة متعمقة لأهم الأدلة الحديثية للمسائل الفقهية المقررة في هذا المستوى، وهي أحاديث مختارة من كتاب (بلوغ المرام)؛ بحيث يُدْرَسُ في كل باب من الأبواب الفقهية -المقررة في هذا المستوى- الأحاديث التي هي أصلٌ في الباب؛ حيث نعرِّج على تخريجها، وعلى خلاصة كلام العلماء في قبولها أو ردِّها، مع شرحٍ لغريبها أو معناها الإجمالي، ثم نتوسع في دراسة المسائل الفقهية المستفادة؛ بذكر أقوال محققي العلماء والسلف في المسائل، بذكر الأدلة ووجوه الترجيح، مع الاستدلال ببقية أحاديث الباب.
بهذا نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في سيرنا في هذا المقرر المبارك بمشيئة الله تعالى وحوله وقوته.
باب المياه
باب المياه هو بابٌ متفرع عن كتاب الطهارة، وكتاب الطهارة صُدِّرت به كتب الفقه لاعتبارات؛ من هذه الاعتبارات: أن الإنسان مأمورٌ بالطهارة لأجل الصلاة، والصلاة التي هي رأس هذه العبادات مِفتاحها الطهور، فالطهارة من آكد شروط الصلاة؛ لقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق)) [المائدة: 6].
١.١ مقدمة تمهيدية عن المادة، وبداية شرح كتاب المياه من بلوغ المرام
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: {{لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ}}. والطهارة تخلية؛ لأنها تنظيف، فهي تخلية، والتخلية -كما يقال- قبل التحلية، ولأن الطهارة هي أكثر شروط الصلاة تفصيلًا وتفريعًا، فناسب أن يُبدأ بها، ثم إنهم يبدءون بالطهارة لأجل تطهير إرادة الإنسان؛ بحيث لا يريد طالب العلم بطلبه العلم إلا وجه الله -عزَّ وجلَّ- والدار الآخرة.
ثم إن هذه الطهارة -التي كتاب المياه من فروعها- لها معنى لغوي وآخر اصطلاحي.
أما اللغوي: فهي تُطلق على النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية، فمن الأقذار الحسية: البول، والغائط، والدم، ومن الأقذار المعنوية: الشرك، وكل خلق رذيل؛ بحيث إن المشرك يكون بذلك متلبِّسًا بنجاسة معنوية وهي الشرك بالله، والشرك نجاسة تقع في القلب؛ ولذا قال الله جلَّ وعلا: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم)) [المائدة: 41]. وقال: ((إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس)) [التوبة: 28].
إذن، النجاسة المعنوية يقابلها طهارة معنوية، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة: {{إن المؤمن لا ينجُس}}، وكذا في حديث عمرو بن حزم: {{لا يمس القرآن إلا طاهر}} يعني: إلا مؤمن، على أحد القولين؛ لأن المؤمن طاهر.
١.١ مقدمة تمهيدية عن المادة، وبداية شرح كتاب المياه من بلوغ المرام
والطهارة حين بدأ بها الفقهاء بدءوا بها فصدروها بباب المياه؛ لأن الماء وسيلة لهذه الطهارة، والطهارة -كما عرفنا في اللغة- نظافة ونزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية.
وحقيقتها: استعمال المطهِّرَين، أي: الماء والتراب، أو استعمال أحدهما على الصفة المشروعة في إزالة النجس والحدث؛ ولذا يقولون:
الطهارة اصطلاحًا: رفع الحدث وما في معناه وزوال الخبث، والحدث معنى يقوم بالبدن، وإذا كان معنى يقوم بالبدن فإنه شيء غير محسوس، يمنع من صحة الصلاة والطواف ومسِّ المصحف، إلى غير ذلك، فيقال للمحدث حدثًا أصغر أو أكبر، يقال له: غير طاهر، يعني: لا تصحُّ صلاته، ولا يجوز له مسُّ المصحف، ولا يُقبل منه الطواف، والحائض لا يصح منها صيام، إلى غير ذلك؛ والسبب فيه ما قام ببدن كل من هؤلاء من هذا الوصف؛ سواء كان حدثًا أصغر أو كان أكبر.
وكما قدمنا، فإن الحدث شيء معنوي غير محسوس.
١.١ مقدمة تمهيدية عن المادة، وبداية شرح كتاب المياه من بلوغ المرام
وزوال الخبث، المراد به: زوال النجاسة الحسِّية، مثلا: إذا أصاب الثوب أو البدن بول أو غائط أو دم، ثم غُسل بالماء فقد طهر وزال عنه الخبث، فيقال: هذا الثوب طاهر، بمعنى أنه خالٍ من النجاسة.
لما كان الماء هو وسيلة التطهير، وهو المأمور بالتطهر به أصالة، قَدَّمه، أي: قدَّم الكلام على أحكامه فقال: باب المياه.
الباب في اللغة: هو المدخل إلى الشيء، وهو على نوعين: مدخل حسي، كـ(باب البيت وباب المسجد وباب القصر)، ونحو ذلك، فهذا مدخل حسي. ومدخل معنوي، مثل: باب المياه، كما هنا.
سُمِّي بابًا لأنه يدخل منه إلى معرفة أحكام المياه، والأشياء تُؤتى من أبوابها، قال الله تعالى: ((وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَن اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) [البقرة: 189].
والبابُ جملة مختصة من العلم تحتوي على فصول غالبًا، فكما أن الكتاب جملة مختصة من العلم تحتوي على أبواب غالبًا، فكذا الباب جملةٌ مختصة من العلم تحتوي على فصول غالبًا، والفصول جملة مختصة من العلم تحتوي على مسائل غالبًا.
١.١ مقدمة تمهيدية عن المادة، وبداية شرح كتاب المياه من بلوغ المرام
وأما المياه، فهي في اللغة: جمع ماء، والماء هو هذا الجوهر السيَّال اللطيف، ويقولون: إن الماء اسم جنس يشمل القليل والكثير، فالكثير منه يُسمَّى ماء، والقليل أيضًا يسمى ماء، فهو اسم جنس يشمل الكثير والقليل.
فلماذا لم يقل المؤلف: باب الماء، وقال: باب المياه، مع أن أسماء الأجناس لا تُجمع؛ لأنها تشمل القليل والكثير؟
قالوا: جمعها نظرًا لأنواع الماء؛ لأن الماء أنواع؛ منه طاهرٌ ومنه نجس، وعند بعضهم منه طاهر ومنه طهور ومنه نجس، فجمعَها نظرًا لأنواع الماء من حيث صحة الطهارة بها أو عدم صحة الطهارة.
والمياه -كما قدمنا- جمع ماء، وأصل الماء: مَوَهٌ، ولذا ظهرت الهاء في جمعه، إذن جمع الماء هنا باعتبار مصادره؛ لأن المياه إما مياه بحار، أو غَمام، أو آبار، أو أمطار، ونحو ذلك، أو يقال: إنه جمع ذلك لأن هذه الأنواع في الماء منها ما يصح بها التطهُّر ويجزئ، ومنها ما ليس كذلك.