
![]() |
هذا الحديث رتَّب الكفارة في: أن الذي يُفطر متعمِّدًا إن وجد رقبة أعتقها، فإن لم يجد فعليه: أن يصوم شهرين متتابعين. فإن لم يستطع، فعليه: أن يطعم ستين مسكينًا. هذه هي كفارة المفطر في رمضان متعمدًا. |
![]() |
هذا الرجل الذي سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو: سلمة، أو سلمان بن صخر البياضي. |
![]() |
وقوله: "بعَرَقٍ": بفتح "العين" و"الراء" هو: مِكْتَل، وكان مملوءًا تمرًا. |
![]() |
وقوله: "ما بين لابتَيْها": تثنية "لابة" وهي: الحَرَة، ويقال: فيها لوبة، ونوبة، بـ"النون"، وهي غير مهموزة. |
![]() |
والحديث دليل على: وجوب الكفارة على مَن جامع في نهار رمضان عامدًا. |
![]() |
وذكر النووي: أنه إجماع، مُعسِرًا كان أو موسرًا. أي: تجب الكفارة على مَن جامَع في نهار رمضان عامدًا متعمدًا، سواء كان هذا المفطِر المجامِع مُعسِرًا أو كان موسرًا. فالمُعسِر تَثبُت في ذمّته على أحد قولين للشافعية. أي: هي في ذمَّته، متى أيْسَر وجبتْ عليه، ووجب أن يفعلها. |
![]() |
ثانيهما: لا تستقر في ذمّته؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يبيِّن له أنها باقية عليه. |
![]() |
واختُلف في الرقبة، فإنها هنا مطلقة. |
![]() |
فالجمهور قيَّدوها بالمؤمنة حملًا للمطلق هنا على المقيَّد في كفارة القتل. قالوا: لأن كلام الله في حكم الخطاب الواحد، فيترتب فيه المطلق على المقيّد. |
![]() |
وقالت الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيَّد مطلقًا، فتجزئ الرقبة الكافرة. |
![]() |
وقيل: يُفصَّل في ذلك، وهو: أنه يقيّد المطلق إذا اقتضى القياس التقييد، فيكون تقييدًا بالقياس، كالتخصيص بالقياس؛ وهو مذهب الجمهور. |
![]() |
والعلَّة الجامعة هنا هي: أن جميع ذلك كفارة عن ذنب مكفّر للخطيئة. والمسألة مبسوطة في كتب الأصول. |
![]() |
ثم الحديث ظاهر في: أن الكفارة مرتّبة على ما ذكر في الحديث؛ فلا يجزئ العدول إلى الثاني مع إمكان الأول، ولا إلى الثالث مع إمكان الثاني، لوقوعه مرتبًا في رواية "الصحيحين". |
![]() |
وروى الزهري الترتيب عن ثلاثين نفْسًا أو أكثر. ورواية التخيير مرجوحة مع ثبوت الترتيب في "الصحيحين". ويؤيد رواية الترتيب: أنه الواقع في كفارة الظهار، وهذه الكفارة شبيهة بها. |
![]() |
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ستِّين مسكينًا)): ظاهر مفهومه: أنه لا يجزئ إلا إطعام هذا العدد؛ فلا يجزئ أقلّ من ذلك. |
![]() |
وقالت الحنفية: يجزئ الصرف في واحد. ففي "القدوري" من كتبهم: "فلو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه عندنا. وإن أعطاه في يوم واحدٍ، لم يُجزه إلا عن يومه". |
![]() |
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((اذهبْ فأطعِمْه أهلَك)) للعلماء فيه قولان: |
![]() |
القول الأول: أن هذه كفارة، ومن قاعدة الكفارات: ألا تُصرف في النفس؛ لكنه -صلى الله عليه وسلم- خصَّه بذلك. يعني: هذه خصوصية لذلك الرجل خصّه بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فالكفارة يخرجها الرجل إلى غير أهله. ورُدَّ: بأن الأصل: عدم الخصوصية. |
![]() |
القول الثاني: أنَّ الكفارة ساقطة عن ذلك الرجل لإعساره؛ ويدل له حديث علي -رضي الله عنه-: ((كُلْه أنت وعيالُك؛ فقد كفَّر الله عنك)) أي: أن هذا الرجل بعينه سقطت عنه الكفارة. إلا أن هذه الرواية رواية ضعيفة. |
![]() |
أو فُسِّر على: أنها باقية في ذمّته، والذي أعطاه -صلى الله عليه وسلم- إنما هو صدقة عليه وعلى أهله، لِما عرفه -صلى الله عليه وسلم- من حاجته. |
![]() |
وقالت الهادوية وجماعة معهم: قولًا بعيدًا؛ قالوا: إن الكفارة غير واجبة أصلًا، لا على موسر ولا مُعسر؛ وهذا قول غريب. قالوا: لأنه أباح له أن يأكل منها، ولو كانت واجبة لما جاز ذلك. وهو استدلال غير ناهض؛ لأن المراد ظاهر في الوجوب، وإباحة الأكل لا تدلّ على أنها كفارة بل فيها الاحتمالات التي سلفت. |
![]() |
واستدل المهدي في "البحر" على: عدم وجوب الكفارة: بأنه -صلى الله عليه وسلم- قال للمُجامِع: ((استغفرِ الله وصُمْ يومًا مكانه))، ولم يذكرها هنا، أي: ولم يذكر الكفارة. وأجيب عن ذلك: بأنه قد ثبت رواية الأمر بها عند السبعة بهذا الحديث المذكور الذي هو محلّ الدراسة. |
![]() |
واعلم: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يأمره في هذه الرواية بقضاء اليوم الذي جامع فيه، إلا أنه ورد في رواية أخرجها أبو داود، من حديث أبي هريرة بلفظ: ((كُلْه أنت وأهلُ بيتك، وصُمْ يومًا، واستغفر الله)). |
![]() |
وإلى وجوب القضاء ذهبت الهادوية والشافعية، لعموم قوله تعالى: ))فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر(( (البقرة: ١٨٤). |
![]() |
وفي قول للشافعي: أنه لا قضاء لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يأمره إلا بالكفارة لا غير، -أي: لا يصوم إلا الستين، ولا يصوم يومًا مكان اليوم الذي أفسده. وأجيب: بأنه اتّكل -صلى الله عليه وسلم- على ما عُلم من الآية |
![]() |
هذا الحكم يجب على الرجل. وأما المرأة التي جامعها، فقد استُدل بهذا الحديث: أنه لا يلزم إلا كفارة واحدة، وأنها لا تجب على الزوجة؛ وهو الأصح من قول الشافعية، وبه قال الأوزاعي. |
![]() |
وذهب الجمهور إلى: وجوبها على المرأة أيضًا. قالوا: وإنما لم يذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنها لم تعترف. واعتراف الزوج لا يوجب عليها الحكم. أو لاحتمال أن المرأة لم تكن صائمة، بأن تكون طاهرة من الحيض بعد طلوع الفجر، أو أنّ بيان الحكم في حق الرجل يثبت الحكم في حق المرأة أيضًا، لِما علم من تعميم الأحكام. أو أنه عرَف فقرها كما ظهر من حال زوجها. |
![]() |
واعلم: أن هذا حديث جليل، كثير الفوائد. قال الإمام ابن حجر في: "فتح الباري": "إنه قد اعتنى بعض المتأخِّرين ممَّن أدرك شيوخنا بهذا الحديث، فتكلم عليه في مجلَّدين جمع فيها ألف فائدة وفائدة، وما ذكر في هذا الحديث كفاية، والله أعلم". |

![]() |
هذا الحديث بيَّن أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُقبِّل وهو صائم؛ ولكنه كان مالكًا لنفسه. فمن وصل إلى هذا الأمر، له أن يُقبِّل امرأتَه وهو صائم. |
![]() |
فالحديث في المباشرة والملامسة، وكان -صلى الله عليه وسلم- في رواية أخرى: "يُقبِّل وهو صائم، ويُباشر". و"المباشرة" والملامسة، ترد بمعنَى: الوطء في الفرج. وليس هذا المراد هنا. |
![]() |
و"الإربة" هي: حاجة النفس و قضاء الوطر. |
![]() |
قال العلماء: معنى الحديث: أنه ينبغي لكم الاحتراز من القُبلة، ولا تتوهَّموا: أنكم مثْلُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في استباحتها؛ لأنه يملك نفسه، ويأمن من وقوع القُبلة أن يتولَّد عنها إنزال أو شهوة، أو هيجان نفس، أو نحو ذلك... وأنتم لا تأمنون ذلك، فطريقكم: كفُّ النفس عن ذلك. |

![]() |
وظاهر هذا: أنها اعتقدت: أن ذلك خاصّ به -صلى الله عليه وسلم-. |
![]() |
قال القرطبي: "وهو اجتهاد منها. وقيل: الظاهر أنها ترى كراهة القُبلة لغيره -صلى الله عليه وسلم- كراهة تنزيه لا تحريم، كما يدل له قولها: "أمْلككم لإرْبه". |
![]() |
وفي كتاب "الصيام" لأبي يوسف القاضي، من طريق حماد بن سلمة: "سُئلت عائشة -رضي الله عنها- عن المباشرة للصائم؛ فكرهتْها". |
![]() |
وظاهر الحديث الذي معنا: جواز القُبلة والمباشرة للصائم، لدليل التأسي به -صلى الله عليه وسلم-، ولأنها ذكرت هذا الحديث جوابًا لمَن سأل عن القُبلة وهو صائم، وجوابها قاض بالإباحة، مستدلة بما كان يفعله -صلى الله عليه وسلم-؛ ولكنها بيَّنتْ: أنَّ الأوْلى أن تُترك لأنه لا يستطيع أحد أن يملك نفسه كما كان -صلى الله عليه وسلم- يملك نفسه. |
![]() |
وقد ظهر ممّا عرفتَ: أن الإباحة أقوى الأقوال، ويدلّ على ذلك: ما أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث عمر بن الخطاب قال: "هششتُ يومًا فقبَّلتُ وأنا صائم. فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: "صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبّلْتُ وأنا صائم"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أرأيت لو تمضمضْتَ بماء وأنت صائم؟))، قلت: "لا بأس بذلك"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((ففيم؟))". |
![]() |
وقول عمر: "هششتُ" بفتح "الهاء"، وكسر "الشين" المعجمة، معناه: ارتحْت وخففت. |
![]() |
اختلفوا أيضًا فيما إذا قَبَّل أو نظر أو باشر، فأنزل، أو أمذى. |
![]() |
فعن الشافعي وغيره: أنه يقضي، إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء. |
![]() |
قال مالك: يقضي في كلّ ذلك ويكفِّر، إلا في الإمذاء فيقضي فقط. |
![]() |
وهناك خلافات أخرى، الأظهر: أنه لا قضاء ولا كفارة، إلا على من جامع، وإلحاق غير المُجامِع بالمُجامِع بعيد. |
![]() |
قوله: "وهو صائم": لا يدل على: أنه قبَّلها وهي صائمة. |


![]() |
وهذا يعطينا: أن الحجامة لا تُفطر الصائم، وإن كان الأَوْلى: أن تترك في الصيام؛ لأنها تؤدِّي إلى ضعف الصائم، وعدم تحمُّله للصوم؛ لكنها جائزة فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم. إذن هو قَدَر واستطاع كما قبَّل وهو صائم لأنه كان مالكًا لإربه. |
![]() |
ظاهر هذا الحديث: أنه وقع -صلى الله عليه وسلم- منه الأمران، أي: الحجامة في الإحرام، والحجامة في الصيام، وأنهما كانتا مفترقتين، وأنه احتجم وهو صائم، واحتجم وهو مُحرِم، ولكنه لم يقع ذلك في وقت واحد؛ لأنه لم يكن صائمًا في إحرامه، إذا أريد إحرامه وهو في حجة الوداع إذ ليس في رمضان، ولا كان محرمًا في سفره في رمضان عام الفتح ولا في شيء من عمرة من العمرات التي اعتمرها، وإن احتمل أنه صام نفلًا، إلا أنه لم يعرف ذلك. |
![]() |
وفي الحديث روايات. وقال أحمد: "إن أصحاب ابن عباس لا يذكرون صيامًا". |
![]() |
وقال أبو حاتم: "أخطأ فيه شريك؛ إنما هو احتجم وأعطى الحجام أجْرَته. وشريك حدَّث به مِن حفْظه، وقد ساء حفْظُه؛ فعلى هذا: الثابت إنما هو: الحجامة. |
![]() |
والحديث يحتمل: أنه إخبار عن كل جملة على حِدة، وأن المراد: احتجم وهو مُحرم في وقت، واحتجم وهو صائم في وقت آخر. والقرينة على هذا: معرفة أنه لم يتّفق له اجتماع الإحرام والصيام. |
![]() |
وأما تغليط شريك، وانتقاله إلى ذلك اللفظ، فأمر بعيد. والحمل على صحة لفظ روايته مع تأويلها أوْلى. |
![]() |
وقد اختُلف فيمن احتجم وهو صائم. فذهب إلى أنها لا تفطر الصائم الأكثر من الأئمة، وقالوا: إن هذا الحديث ناسخ لحديث شداد بن أوس، والذي هو عن شداد بن أوس: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان. ومع أنه صحيح، لكنه منسوخ؛ فالصحيح: أن الحجامة لا تفطر الصائم، والله أعلم. |