١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


نتناول الآن حكم الوصال في الصوم، وفي أحسن ما يفطر عليه الصائم.

أحسن ما يفطر عليه الصائم


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


شرح الحديث

والحديث يدعو إلى: أن يُفطر الصائم على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء؛ فإن الماء طهور.
والحديث قد روي من حديث عمران بن حصين، وفيه ضعف، ومن حديث أنس، رواه الترمذي، والحاكم وصححه. ورواه أيضًا الترمذي والنسائي وغيرهم، من حديث أنس مِن فعْله -صلى الله عليه وسلم- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُفطر على رُطبات قبل أن يصلِّي. فإن لم يكن فعلى تمرات. فإن لم يكن حثَا حَثوات من ماء".
وورد في عدد التمر: أنها ثلاث.
ودل هذا الحديث على: أن الإفطار بما ذُكر من التمر، والماء هو: السنة التي وردت عن رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، سواء كانت من قوله أو مِن فعْله.
قال ابن القيم: "وهذا من كمال شفقته -صلى الله عليه وسلم- على أمّته، ونُصْحهم؛ فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلوِّ المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوّة به، لا سيما القوة الباصرة فإنها تقوى به أي: بالشيء الحلو. وأمَّا الماء: فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يُبسٍ، فإن رُطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده. هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب، لا يعلمها إلا أطباء القلوب".


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


الوِصال

أمّا عن الوصال في الصوم:


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


شرح الحديث

والحديث يَنْهي عن الوصال في الصوم، وأنه لا بد أن يفطر الصائم عند الغروب، ولا يواصل الصيام إلى الليل، وإلى اليوم الآخر. فـ"الوصال" هو: ترك الفطر بالنهار، وفي ليالي رمضان بالقصد.
والحديث عند الشيخين من حديث أبي هريرة، وابن عمر وعائشة وأنس. وتفرد مسلم بإخراجه عن أبي سعيد. - وهذا الحديث دليل على تحريم الوصال؛ لأنه الأصل في النهي. لقد أبيح الوصال إلى السحر، لحديث أبي سعيد: ((فأيُّكم أراد أن يواصل، فليواصل حتى السَّحَر)).
وفي حديث أبي سعيد هذا: دليل على: أن إمساك بعض الليلة: مواصلة؛ وهو يردّ على من قال: إن الليل ليس محلًّا للصوم، فلا ينعقد بنيّته.
وفي الحديث: دلالة على: أن الوصال من خصائصه -صلى الله عليه وسلم-.
وقد اختلف في حق غيره، أي: اختلف العلماء في حكمه في حق غير النبي -صلى الله عليه وسلم-:


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


قيل: هو محرَّم في حق من يشقّ عليه، ويباح الوصال لمَن لا يشق عليه.
وقال أكثر العلماء بالتحريم مطلقًا، للنهي الوارد في الحديث. وأصل النهي للتحريم.
واستدل من قال: إنه لا يحرم: بأنه -صلى الله عليه وسلم- واصل بهم. ولو كان النهي للتحريم، لَمَا أقرَّهم عليه -صلى الله عليه وسلم-؛ فهو قرينة -أي: هذا الوصال بهم- قرينة على: أن النهي هنا للكراهة، رحمة بهم وتخفيفًا عنهم، وليس للتحريم.


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه



إذن هنا الحديث حديث أبي داود صريح في: أن النهي عن الحجامة، وعن المواصلة، لم يكن نهيَ تحريم، وإنما هو للكراهة، إبقاء على أصحابه، أي: حرصًا عليهم، وشفقة بهم. وإسناده صحيح


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


شرح الحديث

إذن يكون النهي هنا ليس للتحريم؛ لأنه لو كان عزيمة لكان للتحريم.
ويدل له أيضًا -أي على أن النهي للكراهة-: مواصلة بعض الصحابة. فروى ابن أبي شيبة، بإسناد صحيح: أن ابن الزبير كان يواصل خمسة عشرة يومًا. وذُكر ذلك عن جماعة غيره. فلو فهموا التحريم، لما فعلوه. * ويدل للجواز أيضًا: ما أخرجه ابن السكن، مرفوعًا: ((إن الله لم يكتب الصيام بالليل، فمَن شاء فليَتبعني، ولا أجْر له)). قالوا: والتعليل بأنه من فعل النصارى لا يقتضي التحريم.
واعتذر الجمهور عن مواصلته -صلى الله عليه وسلم- بالصحابة: بأن ذلك كان تقريعًا لهم، وتنكيلًا بهم. واحتمل جواز ذلك، لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أدعى إلى قبوله، لِما يترتب عليه من الملل في العبادة، والتقصير فيما هو أهم منه، والأرجح من وظائف العبادات.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((وأيُّكم مثلي؟)): استفهام إنكار وتوبيخ، أي: أيُّكم على صفتي ومنزلتي من ربِّي؟
واختلف في قوله: ((يطعمني ويسقيني)) هل هو على الحقيقة, أم على غير الحقيقة؟


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


فقيل هو: على حقيقته، كان يُطعم ويُسقى من عند الله. وتُعُقب ذلك: بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا، أي: لو كان يطعمه ربه ويسقيه فعلًا، فما يكون ذلك وصالًا؛ لأنه يكون قد أكل وشرب.
وأجيب عن هذا: بأن ما كان من طعام الجنة على جهة التكريم، فإنه لا ينافي التكليف، ولا يكون له حكم طعام الدنيا. وقال ابن القيم: "المراد: بأنه ما يغذيه الله به من معارفه، وما يُفيضه على قلبه من لذة مناجاته، وقرة بقربه، وتنعّمه بحبه والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأقوال التي هي: غذاء القلوب، وتنعيم الأرواح، أي: قرة العين، وبهجة النفوس، وللقلب والروح بها أعظم غذاء، وأجوده و أنفعه. وقد يقْوَى هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام برهة من الزمان، كما قيل شعرًا:


ومن له معرفة أو تشوق بعلم، استغنى الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه، الذي قرَّت عينه بمحبوبه، وتنعَّم بقربه والرضى عنه. وساق هذا المعنى واختار هذا الوجه في الإطعام، والإسقاء. ويدل لذلك: أن الرجل الذي أسلم كفاه حليب شاة، والذي كان كافرًا ما أغناه سبعة.


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


الوصال إلى السحر

وأما الوصال إلى السحر: فقد أذن -صلى الله عليه وسلم- فيه؛



١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


أحكام الوصال في الصوم

ولخص الشيخ: موسى شاهين لاشين في كتابه الكبير "فتح المنعم، بشرح صحيح مسلم": أحكام الوصال في الصوم فقال تحت عنوان: "فقه الحديث"، بعد أن ذكر الروايات المتعدِّدة. قال: اختلف العلماء في حكم الوصال على خمسة أقوال:

أنه مباح لمن لم يَشُقَّ عليه؛ نُقل ذلك عن عبد الله بن الزبير. روي أيضًا: أنه واصل خمسة عشر يومًا. واجتهد لهذا القول: بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- واصل بأصحابه بعد النهي. فلو كان محرَّمًا، لما أقرَّهم على فعْله، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد بالنهي: الرحمة لهم، والشفقة عليه، والتخفيف عنهم، كما جاء ذلك في حديث عائشة. وهذا مثل: ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يُفرض عليهم، ولم ينكر على مَن بلغه أنه فعل ممَّا لم يشق عليه، وبأن بعض الصحابة أقدموا على الوصال بعد النهي؛ فدل على:


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


هذا؛ وقد أفاض الإمام ابن حجر، في توجيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أبيت يُطعمني ربِّي ويسقيني))، فقال: "قيل: على الحقيقة، وأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامةً له في ليالي صيامه". وتعقَّبه ابن بطال ومَن تبِعه: بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا. ولو جاءه الطعام والشراب نهارًا، لم يكن صائمًا، كما قررنا ذلك من قبل.
وردَّ العلماء كما علمتم على اعتراض ابن بطال، فقال بعضهم: إنَّ ما يُؤتى به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلَّفين فيه، كما غُسِلَ صدره -صلى الله عليه وسلم- في طسْتٍ من الذهب، مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية حرام.
وقال ابن المنير: "الذي يُفطِّر شرعًا إنما هو: الطعام المعتاد. وأما الخارق للعادة كالمُحضَر من الجنة فعلى غير هذا المعنى. وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب، كأكل أهل الجنة في الجنة، والكرامة لا تُبطل العادة". ثم قال في موضع آخر: "ومحمول على: أن أكْله وشُربه في تلك الحالة كحال النائم، الذي يَحصل له الشبع والري بالأكل والشرب في منامه ويستمر له ذلك حتى يستيقظ، ولا يبطل بذلك صومه، ولا ينقطع وصاله، ولا ينقص أجره".
وظاهر هذا التوجيه: أن الأكل والشرب ليس حقيقيًّا، وإنما هي: حالة نفسية تنشأ من استغراقه -صلى الله عليه وسلم- في أحواله الشريفة، حتى لا يؤثر فيه حينئذ شيء من الأحوال البشرية. وقريب من هذا: قول من فسّر: ((يطعمني ربِّي ويسقيني)) أي: يشغلني بالتفكير في عظمته، والتملِّي بمشاهدته، والتغذي بمعرفته، وقرّة العين بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه عن الطعام والشراب.


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


قال ابن القيم: "قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، وهذه الحالة مشاهدَة فيمن يشغله شاغل مهم عن الأكل".
وقال الجمهور: قوله: ((يُطعمني ويسقيني)): مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو: القوة؛ فكأنه قال: يعطيني قوَّة الآكل الشارب، ويُفيض عليّ ما يسدّ مسدّ الطعام والشراب، ويُقوِّي على أنواع الطاعات من غير ضعف في القوة، ولا كلال في الإحساس. فالجوع والعطش يحصلان، لكن الإحساس بهما أو أثرهما مُنعدم.
وبعضهم يقول: المعنى: أن الله يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحس بجوع ولا عطش؛ بل لا يجد جوعًا ولا عطشًا.
ويضعف هذا القول: أنه ينافي حال الصائم، ويفوِّتُ المقصود من الصيام والوصال؛ لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها.
قال القرطبي: "ويُبعده أيضًا: النظر إلى حاله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه كان يجوع أكثر ممَّا يشبع، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع، والله أعلم".


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


فوائد الحديث

ويؤخذ من هذه الأحاديث التي جاءت في الوصال:

استواء المكلفين في الأحكام، وأنَّ كل حكم ثبت في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- ثبت في حق أمَّته، إلا ما استُثنِيَ بدليل؛ قال ذلك الإمام ابن حجر.
كما يؤخذ من هذه الأحاديث: جواز معارضة المفتي فيما أفتى به، إذا كان بخلاف حاله، ولم يعلم المستفتي بسِرِّ المخالفة.
وفيها: سر الاستكشاف عن حكمة النهي.
وفيها: ثبوت خصائصه -صلى الله عليه وسلم-، وأنَّ عموم قوله تعالى: ))لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة(( (الأحزاب: ٢١)" هذا مخصوص.
وفيها: أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعْله المعلوم صفته، ويبادرون إلى الائْتِساء به والاقتداء، إلا فيما نهاهم عنه.
وفيها أيضًا: أن خصائصه -صلى الله عليه وسلم- لا يُتَأسَّى به في جميعها.


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


وفيها: بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر.
وفيها: النهي عن التشدّد في الدِّين والتكلف، والحث على اليسر وما يطيق المسلم.
وفيها: شفقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأمّته، ورحمته بهم.
وفيها: تعليل الحكم الغريب لتستريح نفس المشتبه في أيّ حكم من الأحكام.

هذه بعض الأمور التي استفيدت من أحاديث المواصلة، أو من الروايات التي جاءت في المواصلة للصائم.


١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


آداب الصائم

ومن الأحكام المتعلقة بالصوم: أنَّ الصائم عليه: أن يتأدَّب بآداب حتى يُقبل صيامه. ومن هذه الآداب:

أن يترك قول الزور، وأن يترك العمل به.
وأن يترك الجهل على الناس، ولا يسبّ أحدًا، ولا يشتم أحدًا؛ فإن شتَمَه أحدٌ أو سبَّه، فلْيذكِّر نفسَه بالصوم، وليقل: "إني امرؤ صائم. إني امرؤ صائم"، حتى يرعوي، ويلتزم بآداب الصيام. قال -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن لم يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به والجهلَ، فليس لله حاجة في أن يَدَع طعامَه وشرابه))، رواه البخاري، وأبو داود واللفظ له. هذا الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والمراد بـ((قول الزور)): الكذب.
والمراد بـ((الجهل)): السفه.
ومعنى ((فليس لله حاجة)) أي: فليس لله إرادة في: أن يَدَعَ شرابه وطعامه.

هذا وقد ورد في الحديث في رواية أخرى: ((فإن شاتَمَه أحدٌ أو سابَّه، فلْيقلُ: "إني صائم"))، فلا تشتم مبتدئاً، ولا مُجاوبًا.

١٤.٢ الوصال في الصوم، وما يفطر عليه


والحديث دليل على: تحريم الكذب والعمل به، وتحريم السَّفه عن الصائم. وهما محرَّمان على غير الصائم أيضًا، إلا أن التحريم في حقه آكَد، كتأكد تحريم الزنا من الشيخ، والخيلاء من الفقير.
والمراد من قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((فليس لله حاجة)) أي: إرادة بيان عظَم ارتكاب ما ذُكر، وأن صيامه كَلَا صيام، ولا معنى لاعتبار المفهوم هنا. فإن الله لا يحتاج إلى أحد. هو الغني سبحانه. ذكر ذلك ابن بطال. وقيل: هو كناية عن عدم القبول، كما يقول المغضب
لمن ردَّ شيئًا عليه: "لا حيلة لي في كذا". وقيل أن معناه: أن ثواب الصيام لا يقاوم في حكم الموازنة ما يستحق من العقاب لِما ذكر.